Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العبثية المتوحشة في "نزوة الاحتمالات والظلال"

 مازن عرفة يسرد حكاية مسخ غرائبي في عوالم متوازية

الكائن الممسوخ بريشة إروين بلومنفالد (مركز بومبيدو)

ملخص

لا يفصل مازن عرفة بين التخييل والواقعية السحرية في روايته الجديدة "نزوة الاحتمالات والظلال"، بل يقدّم أحداثاً وشخصيات تتخطى حدود الواقع. تسرد الرواية، في فضاء فانتازي، حكاية جنرال هزلي ينصرف إلى طقوس الخمول واللذة، ويتشكّل في نسخ عدة عبر "عوالم متوازية". هذه الفكرة رؤية الباحث الأميركي في الميثولوجيا المقارنة جوزيف كامبل (1904–1987)، التي عبّر عنها في كتابه "البطل بألف وجه"، حيث درس القصص والحكايات الشعبية بحثاً عن وحدة التجربة الروحية والإنسانية عبر العصور.

تدور أحداث الرواية حول شخصية بعل، الذي يقرر النزول إلى العالم الأرضي متلبّساً هيئة جنرال متجبّر يطارد ملذاته بلا هوادة. وفي حكاية أخرى، يغدو رجلاً ولدته غولة في صحراء مقفرة وأرضعته ذئبة شرسة. ولأن الشر متأصل في شخصيته، يلجأ إلى من يسميه "سيد أكوان الشر" كي تتواصل تحولاته. فيمنحه الأخير جيشاً من الوحوش الغريبة، تتحول لاحقاً إلى جنود يرتدون زياً عسكرياً مموّهاً يوائم العصر الحديث، من دون أن تتخلى عن "أصولها السماوية".

يسكب عرفة جرعة كبيرة من الميثولوجيا في مروياته. فبطل حكايته يولد، في إحدى صوره، من نزوة عابرة لـ"متاهات سحرية متشيطنة"، وهو، كما يقدّمه الكاتب، "سليل توهمات" ونتاج "احتكاك بين أكوان متوازية". يعبر البطل الأزمنة والأمكنة، وتروي له أمه الغولة أنها ولدته كما تلد الإنسيات، لكنه اكتسب كثيراً من صفاتها وطباعها. وعلى رغم أنها ألفته واعتادت وجوده، فإنها لا تشعر نحوه بعاطفة الأمومة، فالغيلان والسعالي، كما تخبره، لا تختبر هذه الانفعالات الإنسانية: "ببساطة نحن الغيلان لا نشعر بها كما هو الأمر عند معشر الإنسيين" (ص. 85).

يأتي هذا البطل إلى فضاء الحكاية من نزوة مجنونة ألمّت بأمه، لم تراود غولة قبلها ولا بعدها. فقد استهواها رجل إنسي على نحو عجيب، وقادتها إليه أقدار الحكاية، فوقعت هي تحت سلطانه بدلاً من أن يقع هو تحت إغرائها: "هذا الأنسي هو والدك ومن وصالنا أتيت" (ص. 86).

استبداد ذكوري

ومن حكاية الغولة وابنها تنبثق صورة أخرى للبطل، تقوم على استبداد ذكوريته واحتقاره للنساء. ويحيط نفسه بقادة جيوش على شاكلته، ذوي نفوس متوحشة لا ترتوي إلا من أشلاء البشر ودمائهم. تتكرر الحكاية بعد ذلك في احتمالات لا نهائية، وتتوالى أحداثها بانزياحات تكسر حدود الزمان والمكان. فكل حكاية تلد حكايات جديدة، في تخييل لا ينضب. يستيقظ البطل ذات مرة ليجد نفسه داخل حكاية أخرى، كأنه عائد من زمن سحيق أو منبثق في عالم جديد. ولا يبقى من أحلامه إلا صور مشوشة ومبهمة: "كائن تلبّسه بجسد عجوز غريب، يشعُّ منه نور، يضطجع على ما يشبه أريكة، ثم يغدو تمثالاً ضخماً من عقيق أحمر بيد ذهبية تنتصب حوله تماثيل كثيرة، في صحراء كبيرة، صور خفية مضطربة، قادمة من حكايات أخرى" (ص. 79).

وفي فصل "سيد أكوان الشر"، تتجلى كائنات الجنرال في ما يشبه "حساءً دموياً يجعل منهم عسكراً". تبدو هذه الكائنات بشرية، لكنها ترتدي خوذاً رصاصية وأقنعة واقية من الغازات السامة، وسترات وسراويل من قماش مبرقع. هكذا يعيد "سيد أكوان الشر" تشكيل مخلوقاته الممسوخة في هيئة جنود: "خذها وامض بها في طول البلاد وعرضها. العسكر جاهزون لسفك الدماء أيها الزعيم الجنرال" (ص. 123).

ويرسم صاحب كتاب "تراجيديا الثقافة العربية" أجواءً سريالية باذخة لليالي الجنرال، بألوان النبيذي والفيروزي والليلكي. وفي كل ليلة، يُضحّى بسجين سياسي على مذبح هذا الديكتاتور المستغرق في ملذاته. وتدسّ غزالته حبوب الهلوسة في شرابه لتتمكن من الانقلاب عليه بمساعدة رئيس جهاز الاستخبارات، لكنه يكتشف المؤامرة، ويلقي معارضيه من "الرفاق الثوريين" في نار أشعلها حراسه احتفالاً بالعيد الألماسي للثورة.

تتعدد عوالم الرواية ومسارات أحداثها غير المتوقعة. فهي تستمد مادتها من الأسطورة من دون أن تلتزم سرداً تقليدياً، وتغوص في الغرائبي من دون أن تتخلى عن إحالاتها إلى الواقع. ويتبدل موقع السارد فيها تبعاً للحكاية واستيهاماتها: "الحكاية تروي نفسها في البداية". تمتد الصحارى والوديان والهضاب إلى آفاق يطغى عليها اللايقين، حيث يقوم "عالم متاهات سحري وحشي موحش تبعث الكائنات السحرية المتشيطنة في الأرض، وتسرح وتمرح غيلان وسعالِ تشرد في بطون الأودية ورؤوس الجبال، وتتلهى بمختلف الصور الآدمية، في رغبات لا تدرك منتهى وهدفاً" (ص. 80).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يأخذنا عرفة إلى عالم تخييلي حافل بأحداث غير معقولة، تجمع الغريب والخرافي والعجائبي. ولا يقتصر عمله على استلهام الأساطير العربية القديمة أو الإشارة إلى بلد يرزح تحت حكم عسكري متوحش؛ إذ يجنح صاحب "ترانيم التخوم"، في عمله الروائي الثامن الصادر عن دار الخياط في واشنطن، إلى سرد تتجاور فيه الوحوش الضخمة والهيئات البشرية المتحولة. وكثيراً ما تبدو شخصياته مزيجاً من البشر والحيوانات والكائنات الخرافية.

أزمنة مختلطة

نحن، إذاً، أمام سرد متداخل يجمع بين رواية أحداث مضت وأخرى تجري في حاضر الحكاية. يعود عرفة إلى أزمنة قريبة وبعيدة، ثم يطل، عبر رموزه، على الحاضر السوري. وتمنح هذه الحركة البنية الزمنية للرواية قدراً من التعقيد. فعندما يروي السارد قصة ابن الغولة، يخبرنا عن المرأة التي علّمته قدح النار بحجري صوان، وشواء اللحم بدلاً من أكله نيئاً. ثم ينتقل الصوت إلى الشخصية نفسها:

"تطيّبُني المرأة بعطر ومسك. أستلقي معها على فراش ناعم مدّته أمام الخيمة. تخيط لي المرأة الجميلة لباساً متيناً يخفي ذيلي بالكامل. تعلمني استعمال السيف ورمي النبال وإشعال النار، وتُركبني خيلاً تعدو بسرعة" (ص. 109).

ولا يستقر صوت السرد على موقع واحد. فهو يصف الواقع والشخصيات من الخارج حيناً، ويقترب من دواخلها حيناً آخر، ثم يعلن حضوره صراحةً: "أروي الآن أنا بقية الحكاية" (ص. 99). ويتيح له هذا التنقل أن يروي عن الجنرال، ومدير جهازه الحزبي ثائركان، وهُبل وبناته الثلاث، ويروي عن الغولة وابنها وسيد أكوان الشر.

وتبلغ لعبة السرد ذروتها حين يتحدث بعل إلى بناته عن احتمال أن يكونوا جميعاً مخلوقات حكاية:

"نحن انبثقنا من حكاية، وسنختفي معها حين تغادرنا. قد نعاود الانبثاق بأشكال جديدة مع حكايات أخرى. يحتاج الناس الحكايات في كل العصور، فبدونها لن يستطيعوا أن يحلموا بحياة أفضل. (...) لا أعرف إن كنا نحن حقاً استيهامات حكاية أم لا، أو ربما شيء ما آخر غريب، عالمنا ما هو إلا أحد احتمالات استخرجنا بها الخيال من العدم إلى الوجود عبر المحاكاة".

وعلى رغم تعدد الأزمنة والهيئات، تبقى بين تجليات البطل علامات مشتركة: شغفه، والتشوش الذي يلازمه، والحكة التي لا تفارق ظهره. وهي الحكة نفسها التي يعانيها الجنرال غريب الأطوار كلما عاد إلى حكاية بلد يحكمه بالقمع، ويُخضع أهله لملذاته وطغيان حاشيته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة