Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كلية للبيع" لسداد الديون... وجه من أزمة المعيشة في إيران

تزايد إعلانات التنازل بمقابل عن كلى أو نخاع أو كبد والضائقة المالية تتصدر الأسباب

تجرى نحو 2500 جراحة زرع كلية سنوياً بينما تقدر الحاجة السنوية بما لا يقل عن 10 آلاف جراحة (أ ف ب)

ملخص

 تدفع الديون والضغوط المعيشية إيرانيين إلى عرض أعضاء من أجسادهم للبيع، فيما تتسع سوق موازية ينشط فيها الوسطاء، وتتصاعد فيها الأسعار إلى آلاف الدولارات، بالتزامن مع وجود آلاف المرضى على قوائم انتظار زرع الأعضاء.

مع اشتداد الأزمة المعيشية وتراكم الديون وتراجع القدرة الشرائية في إيران، لم تعد إعلانات بيع الكلى وأعضاء أخرى حالات متفرقة، على هامش شبكات التواصل الاجتماعي، بل باتت تكشف عن سوق موازية تتقاطع فيها حاجة المرضى إلى زرع الأعضاء، مع حاجة آخرين إلى المال.

وبين التعويضات المحددة في المسار الرسمي، والأسعار التي يطلبها البائعون خارج هذا المسار، ينشط الوسطاء وتظهر عروض تستهدف مشترين أجانب، فيما تكشف قصص المعلنين أن الضائقة المالية تقف خلف جانب كبير من هذه الظاهرة، ومن بين هؤلاء شاب إيراني عرض كليته للبيع، لكنه لا يبحث عن أي مشتر، بل يريد مشترياً أجنبياً يدفع له بالدولار، ويقول بوضوح "أبيع فقط لتجار الأعضاء".

وليست هذه حالاً منفردة، فمراجعة إعلانات بيع الأعضاء البشرية في إيران تكشف أن الديون والضائقة المالية تتصدران الأسباب التي يذكرها البائعون، فيما يرى بعضهم أن أسعار الأعضاء لم ترتفع بما يتناسب مع التضخم والانخفاض الحاد في قيمة العملة.

وتتزامن هذه الظاهرة مع ضغط متزايد على منظومة زرع الأعضاء، فبحسب "جمعية التبرع بالأعضاء" الإيرانية، كان نحو 27 ألف شخص مدرجين على قوائم انتظار زرع الأعضاء خلال ربيع عام 2026، يشكل مرضى الكلى نحو 70 إلى 80 في المئة منهم، وقال نائب رئيس الجمعية، أميد قبادي، إن مريضاً على قائمة الانتظار يفقد حياته كل ساعتين إلى ثلاث ساعات.

وكان قبادي أشار في مايو (أيار) الماضي إلى أن إيران احتلت لأعوام المرتبة الأولى آسيوياً في التبرع بالأعضاء، لكن المعدلات تراجعت بشدة خلال العامين الماضيين، ولا سيما خلال الحرب، بسبب نقص الأدوية والمعدات والكوادر البشرية، واضطرابات النقل الجوي للأعضاء وشبكات الاتصال.

وتؤكد دراسة طبية منشورة عام 2025 حجم الطلب على الكلى، إذ تشير إلى وجود نحو 32 ألف مريض يخضعون لغسل الكلى في إيران، في حين تجرى نحو 2500 جراحة زرع كلية سنوياً، بينما تقدر الحاجة السنوية بما لا يقل عن 10 آلاف جراحة، وتوضح الدراسة أن نحو 60 في المئة من عمليات زرع الكلى تأتي من متبرعين متوفين، والبقية من متبرعين أحياء.

بين التعويض الرسمي والسوق الموازية

تعتمد إيران نظاماً رسمياً لتعويض المتبرعين الأحياء بالكلى، ووفقاً لأحدث القرارات، فإن الهدية الحكومية للمتبرع، شرط امتلاكه تأميناً سارياً، تبلغ 110 ملايين تومان (500 دولار) خارج طهران، و133 مليون تومان (605 دولارات) في العاصمة، مع اقتطاع ضريبة بنسبة سبعة في المئة.

وبدأ تطبيق هذه المبالغ في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بعدما كان التعويض يبلغ 80 مليون تومان (364 دولاراً) عام 2022، وتؤكد بيانات مستقلة هذه الأرقام، موضحة أن صافي المبلغ بعد الضريبة ينخفض إلى نحو 100 مليون تومان (455 دولاراً) خارج طهران و120 مليوناً (545 دولاراً) في العاصمة.

وفي المسار الرسمي، تجري التعاملات المالية تحت إشراف جمعيات دعم مرضى الكلى، من دون دخول المتلقي والمتبرع مباشرة في عملية بيع وشراء، لكن إضافة إلى هذه الآلية، نشأت سوق موازية تقوم على الاتفاق المباشر بين الطرفين، فضلاً عن شبكة من الوسطاء والقنوات الإلكترونية، وهذه الازدواجية ليست جديدة تماماً، فقد أظهرت دراسة أكاديمية تناولت تعاملات زرع الكلى في مدينة مشهد بين عامي 2011 و2018، وجود مبالغ إضافية يدفعها المتلقون للمتبرعين فوق السعر الرسمي، وكذلك تشير دراسات عن النموذج الإيراني إلى أن التعويض الحكومي فقد جزءاً من قيمته الفعلية مع التضخم، مما أدى إلى ظهور مدفوعات إضافية خارج المبلغ الأساس.

مليارات التومانات في مقابل كِلية

تكشف مراجعة الإعلانات عن قفزة كبيرة في الأسعار المطلوبة، فخلال العام الماضي تراوحت أسعار الكلى التي حددها المتبرعون في الإعلانات ما بين 350 و900 مليون تومان (1600 و4100 دولار)، بينما ارتفعت في إعلانات سبتمبر (أيلول) الماضي إلى ما بين 1.2 و6 مليارات تومان (5500 و 27300 دولار)، لكن هذه الأرقام تمثل أسعاراً مطلوبة في الإعلانات، ولا تعني بالضرورة أن صفقات فعلية أبرمت بهذه القيم.

ومن بين الحالات رجل يبلغ 48 سنة، يقبع في السجن بسبب الديونـ وعرض كليته بـ 3 مليارات تومان (13600 دولار)، وامرأة في الـ 29 تعيد يومياً نشر إعلان "بيع عاجل بسعر قابل للتفاوض"، وشاب يبلغ 24 سنة من أذربيجان الغربية، قال إنه يريد بيع كليته لتغطية نفقات علاج طفله.

وفي حالة أخرى، عرض رجل يبلغ 42 سنة بيع كِليته، وحتى إحدى خصيتيه، بسبب ديون ثقيلة، من دون أن يعلم أن زرع الخصية لا يجرى في إيران، وحدّد سعر كليته بنحو 1.3 مليار تومان (5900 دولار)، مؤكداً استعداده للتفاوض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول الرجل إنه وزوجته دخلا قبل ثلاثة أعوام في مشروع استثماري، لكن شريكهما احتال عليهما، لتتراكم عليهما ديون بقيمة 6 مليارات تومان (27300 دولار)، فيما اعتقلت زوجته وسجنت مرتين بسبب الشيكات، وقد أجرى الرجل الفحوص المطلوبة قبل الجراحة، ويعيد نشر إعلانه يومياً بحثاً عن مشتر.

أما رجل آخر يبلغ 35 سنة، فأعلن استعداده بيع كليته في مقابل 1.5 مليار تومان (6800 دولار) بسبب الديون، وكان سؤاله الأول للمشتري: الكلية اليمنى أم اليسرى؟ قبل أن يؤكد استعداده القبول بمبلغ أقل.

ولا تقتصر الإعلانات على الكلى، إذ تظهر عروض تتعلق بنخاع العظم وأجزاء من الكبد، وفي بعض القنوات المجهولة تعرض أرقام بمليارات التومانات، لكن تحقيقات مستقلة تحذر من أن الأسعار التي يروّج لها الوسطاء قد تكون أعلى بكثير من الأسعار التي يعرضها المتبرعون مباشرة، وأن بعضها قد يرتبط بعمليات احتيال، ويبرز العمر والحال الصحية كعنصرين أساسين في الإعلانات، فمعظم المعلنين تقل أعمارهم عن 40 سنة، فيما تظهر أعداد أقل بين 40 و45 سنة، وتشمل الإعلانات نساء ورجالاً على السواء.

"نبيع أعضاءكم بأعلى سعر"

في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلن وزير الصحة الإيراني محمد رضا ظفرقندي إجراء نحو 1100 جراحة زرع للكبد والكلى والقلب خلال عام، وقال إن كلفة زرع العضو في إيران تعادل نحو ثمن كلفتها في دول أخرى.

وفي موازاة النظام الطبي الرسمي، تنشط قنوات على منصة "تيليغرام" تقدم نفسها باعتبارها جمعيات أو جهات متخصصة في الكلى والكبد ونخاع العظم، وتزعم أنها تتولى الفحوص الطبية ومطابقة المتبرع بالمتلقي، ودخول المستشفى والجراحة، فيما تعد بعض القنوات البائعين بالحصول على أعلى سعر، وتدّعي جهات تنشط في هذه السوق أن لديها مشترين من دول الخليج العربي، غير أن القواعد المنظمة لزرع الكلى في إيران وضعت قيوداً لمنع ما يعرف بـ "سياحة زرع الأعضاء"، ولا تسمح بزرع كلية من متبرع إيراني حي غير قريب لمريض أجنبي، وتؤكد الأدبيات الطبية المتعلقة بالنظام الإيراني وجود هذه القيود منذ عقود.

وتكشف هذه الفجوة بين القانون والإعلانات جانباً أساساً من السوق السوداء، فمجرد ادعاء وسيط قدرته على بيع عضو لمشتر أجنبي، لا يثبت أن الجراحة يمكن تنفيذها قانونياً داخل المنظومة الطبية الإيرانية.

البحث عن تجار الأعضاء والدفع بالدولار

في إحدى قنوات بيع الأعضاء، كتب شاب أنه يبحث تحديداً عن تاجر أو وسيط في سوق الأعضاء البشرية، ورأى أن الأسعار المحلية خسارة صافية، مشيراً إلى أن الديون هي التي دفعته إلى البيع، فيما عرض شاب آخر يبلغ 28 سنة كليته في مقابل 2.5 مليار تومان (11400 دولار)، وأبدى استعداده أيضاً للتبرع بنخاع العظم بسعر يتفق عليه، وفي زاهدان عرض رجل يبلغ 34 سنة كليته في مقابل 4.5 مليار تومان (20500 دولار)، وكتب في إعلانه "بيع عاجل بسبب مشكلات مالية".

ورجل آخر يبلغ 37 سنة، يبحث عن وسيط لأنه يعتقد أن التعامل معه يتيح سعراً أعلى، ويقول إن أسعار السلع قفزت، فيما لم ترتفع قيمة الكلى بالمقدار نفسه، مدعياً أن كلفة الكلية في دول مجاورة لإيران تراوح ما بين 45 و55 ألف دولار، وأنه ينتظر وسيطاً يمكنه بيع كليته في دولة عربية، بما يصفه بـ "السعر العالمي".

لكن مقارنة هذه الأرقام تحتاج إلى الحذر، فالتقارير عن عمليات الاتجار غير القانونية بالأعضاء في المنطقة قد تتحدث عن عشرات آلاف الدولارات التي يدفعها المتلقي، لكن هذا المبلغ قد يشمل العضو والوساطة والجراحة والإقامة والخدمات الطبية، ولا يعني أن البائع سيحصل على كامل المبلغ، وهذا التفاوت بين ما يدفعه المريض وما يحصل عليه المتبرع، هو تحديداً ما يجعل الوسطاء طرفاً مؤثراً في السوق غير القانونية، ويفسر في الوقت نفسه انتشار شعارات من قبيل "لا تبع نفسك بثمن بخس".

الفقر يحول الجسد إلى مورد أخير

تكشف الإعلانات، على اختلاف أسعارها وأصحابها، عن قاسم مشترك يتمثل في الحاجة إلى المال، فالديون والشيكات المتعثرة وكُلف العلاج وخطر السجن وغياب مصدر دخل كاف، كلها أسباب تتكرر وراء قرار بيع الكِلية، وفي الوقت نفسه يواجه الطرف الآخر من المعادلة نقصاً حقيقياً في الأعضاء المتاحة للزرع، وبينما توسعت إيران خلال العقدين الماضيين في الاعتماد على التبرع بعد الوفاة الدماغية، لا يزال زرع الكلى من متبرعين أحياء جزءاً من النظام الإيراني.

وتشير الأدبيات الطبية الحديثة إلى تحول تدرجي نحو زيادة الاعتماد على المتبرعين المتوفين، لكنها تؤكد أيضاً استمرار الفجوة الكبيرة بين الحاجة إلى الكلى، وعدد الأعضاء المتاحة، وهكذا تتقاطع أزمتان في سوق واحدة: مرضى يحتاجون إلى أعضاء ولا يستطيع بعضهم الانتظار طويلاً، وأشخاص دفعتهم الضائقة المالية إلى النظر إلى أجسادهم باعتبارها آخر ما يمكن تحويله إلى مال.

وبين التعويض الرسمي الذي يعده كثير من المتبرعين غير متناسب مع التضخم، والأسعار المليارية المعلنة في شبكات التواصل، تنمو مساحة رمادية يدخل إليها الوسطاء والمحتالون، وتختلط فيها الحاجة الطبية بالاستغلال الاقتصادي، وعندما يصل الأمر بشخص مثقل بالديون إلى البحث عن تاجر أعضاء بشرية، ليبيع كِليته بالدولار، فإن القضية تتجاوز سوق زرع الأعضاء، لتصبح مؤشراً على عمق أزمة معيشية، تدفع بعض الأفراد إلى عرض جزء من أجسادهم للبيع بحثاً عن المال.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير