Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"اليونسكو" تنقذ مكتبة حبان اليمنية من الاندثار

تضم نحو 400 كتاب ومخطوطة نادرة وتختزن بين صفحاتها جانباً من التاريخ العلمي والاجتماعي لمدينة كانت مركزاً للعلم والثقافة على مدى قرون

أدرجت "اليونسكو" مدينة حبان وستة مواقع تراثية يمنية أخرى ضمن قائمة الحماية المعززة (اندبندنت عربية)

ملخص

تستعيد مكتبة الزهراء الحبانية جزءاً من عافيتها بتمويل من "اليونسكو"، ضمن جهود أوسع لحماية تراث حبان ومخطوطاتها ومعالمها التاريخية، وسط دعوات إلى توسيع الترميم وصون ذاكرة المدينة.

في مدينة تتكئ على مجدها الحضاري، تظل الكتب القديمة ذاكرة تقاوم النسيان، وفي حبان، حيث تتجاور المساجد العتيقة والمباني الطينية وشواهد تاريخ طويل، لا تزال مكتبة الزهراء الحبانية تحتفظ بجزء من تلك الذاكرة، كتباً ومخطوطات ووثائق تحمل في صفحاتها آثاراً من حياة المدينة وأهلها، وتروي جانباً من تاريخها العلمي والاجتماعي.

اليوم، تتلقى المكتبة دفعة جديدة لاستعادة عافيتها، إذ وافقت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ممثلة بقسم الثقافة والطوارئ، وفي إطار "اتفاقية لاهاي" لعام 1954 وبروتوكولها، على تمويل مشروع حماية وإحياء مكتبة حبان التاريخية بمبلغ 30 ألف دولار أميركي.

وجاءت الموافقة بعد طلب تقدمت به المندوبية الدائمة للجمهورية اليمنية لدى "اليونسكو"، بالتنسيق مع فرع الهيئة العامة للمدن التاريخية في محافظة شبوة، وفق ما أفاد سفير اليمن لدى المنظمة الدكتور محمد جميح.

ولا ينفصل هذا التمويل عن مسار أوسع بدأ يتشكل حول حبان خلال الفترة الأخيرة، ففي ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي، أدرجت "اليونسكو" مدينة حبان وستة مواقع تراثية يمنية أخرى ضمن قائمة الحماية المعززة.

وجاء اختيار حبان، وفق ما أوضحه جميح حينها، في ضوء القيمة التاريخية والإنسانية للموقع، ومستوى الأخطار التي تهدد تراثه، فضلاً عن استكمال الجهات اليمنية للوثائق والخطط المطلوبة للحماية والترميم.

لكن وراء القرار الدولي مدينة لها حكايتها الخاصة، ومكتبة قطعت طريقاً طويلاً قبل أن تصل إلى هذه اللحظة التاريخية.

مكتبة نجت من تقلبات الزمن

تُعرف المكتبة اليوم بمكتبة الزهراء الحبانية، وارتبطت في العقود الأخيرة بالعلامة محمد الحوت المحضار الذي أسهم في إعادة إحيائها بعد أعوام من التراجع خلال سبعينيات القرن الماضي، عندما أغلقها نظام عدن الماركسي آنذاك.

ويروي المحضار لـ"اندبندنت عربية" أن أصل المكتبة يعود لوقف الشيخ العلامة الحسين بن محمد الأبريقي الحباني، في حدود عام 1250 هجري (1834 ميلادي تقريباً)، وأنها لم تكُن تمتلك في بداياتها مقراً ثابتاً، فتنقلت من دار إلى أخرى، وكان لهذا التنقل ثمنه، إذ فقدت المكتبة على امتداد عقود جزءاً من مقتنياتها، فيما بقي جانب مهم من إرثها محفوظاً حتى اليوم.

وتضم المكتبة، بحسب المحضار، نحو 400 كتاب ومخطوطة مهمة ونادرة، تتوزع مواضيعها بين الفقه والتفسير والحديث واللغة والتراجم والأنساب، فضلاً عن المصاحف القديمة والوثائق والمخطوطات التي تسجل جوانب من الحياة الاجتماعية في حبان.

ومن بين مقتنياتها كتب ومخطوطات معروفة في التراث الإسلامي، بينها "فتح الباري شرح صحيح البخاري" و"إحياء علوم الدين" و"فتاوى بامخرمة"، فضلاً عن مواد مخطوطة ذات قيمة تاريخية ووثائقية.

لكن قيمة المكتبة لا تكمن في عدد ما تحويه وحسب، فالمخطوط، في مدينة مثل حبان، يتجاوز كونه أثراً مكتوباً إلى كونه شاهداً على البيئة التي أنتجته، وعلى شبكة العلماء والطلاب والقراء التي جعلت من المدينة مركزاً للعلم والثقافة في فترات مختلفة من تاريخها.

ولهذا تبدو حماية المكتبة جزءاً من حماية ذاكرة المكان نفسه.

من الكتاب إلى المدينة

ويرى المحضار أن المكتبة لا يمكن عزلها عن محيطها التاريخي، ولا سيما المساجد القديمة التي ظلت فضاءات للعلم والعبادة وقراءة الكتب وتداول المعرفة.

ويشير في هذا السياق إلى جامع حبان الذي يقدّر عمره بنحو 1200 عام، وإلى مساجد النور وباسيلان والهدار وغيرها من المعالم التي تشكل مع المكتبة طبقات متجاورة من الذاكرة الدينية والثقافية للمدينة.

لكن حبان لا تُختصر في مبانيها الدينية، فطابعها العمراني، بمبانيها الطينية متعددة الطوابق، يفتح نافذة أخرى على تاريخها، وفي تفاصيل المدينة ما يتجاوز العمارة إلى أنماط الحياة القديمة، من منشآت المياه التي أقامها الأهالي للاستفادة من مياه الأمطار والسيول، إلى آثار مرحلة كانت فيها حبان مركزاً للسلطنة الواحدية ومقراً للحكم وسوقاً رئيسة لها على مدى قرون.

كذلك، تحتفظ المدينة بذاكرة اجتماعية متعددة المشارب، من بينها وجود الطائفة اليهودية فيها قبل هجرتها إلى فلسطين، وهي صفحة أخرى من تاريخ التعايش والتسامح والتركيب الاجتماعي الذي عرفته حبان.

لهذا، فإن المخاوف التي تحيط بالمكتبة لا تتعلق بسقف يحتاج إلى صيانة أو مخطوط يحتاج إلى حماية وحسب، وإنما بمشهد تراثي كامل يمكن أن يفقد بعض ملامحه إذا لم تواكب الحماية الدولية والمحلية إجراءات عملية على الأرض.

 

المخطوط أول الحكاية

بالنسبة إلى المحضار، لا ينبغي أن ينتهي الدعم عند حدود المبنى، فالمخطوطات التي نجت من تقلبات العقود تحتاج إلى وسائل حماية ملائمة، والمكتبة نفسها بحاجة إلى تأهيل يقيها آثار الزمن والتعرية، فيما تحتاج المدينة بأكملها إلى خطة متصلة لا تتعامل مع معالمها بوصفها جزراً منفصلة.

ولهذا يعوّل القائمون على المشروع على أن يكون التمويل الحالي فاتحة لمراحل أخرى، وأن يترافق العمل الفني مع حملات توعية مستمرة، فيصبح المجتمع المحلي شريكاً في حماية ما بقي من ذاكرة المدينة.

ففي حبان، لا تقف الحكاية عند مكتبة تستعيد شيئاً من عافيتها، ولا عند مخطوطات تُنقذ من التلف، المسألة أوسع من ذلك، أن تبقى المدينة قادرة على قراءة تاريخها في مبانيها وفي مساجدها وفي كتبها القديمة، وأن تجد الأجيال المقبلة ما يدلها على أن هنا، ذات يوم، كانت مدينة تصنع المعرفة وتحفظها.

ومن هذه الزاوية، تبدو حماية مكتبة حبان أكثر من مشروع لترميم مكان، إنها محاولة لإنقاذ خيط من الذاكرة قبل أن ينقطع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ليست حماية مكتبة حبان إنقاذاً لمبنى أو مجموعة من المخطوطات وحسب، بل إنها صونٌ لجزء من ذاكرة مدينة تختزن في كتبها وعمارتها ومساجدها حكاية أجيال متعاقبة، وربما يكون هذا التمويل بداية الطريق نحو حماية أوسع لذاكرة حبان، قبل أن يأخذ الزمن منها ما بقي.

بداية لمسار أطول

في فرع الهيئة العامة للمدن التاريخية بمحافظة شبوة، ينظر المسؤولون إلى مشروع المكتبة على أنه بداية لمسار أوسع.

ويقول مدير الفرع الدكتور محمد السدلة لـ"اندبندنت عربية" إن فريق المسح التابع للهيئة عمل خلال فترة زمنية محدودة على استكمال حصر المعالم الحضارية والعمرانية في حبان، وانتهى إلى أكثر من 15 توصية تتعلق بالإجراءات العاجلة لحماية المدينة وتراثها.

وتشمل التوصيات أعمال الترميم والصيانة، وإعادة بناء بعض العناصر المعمارية وفق نمطها التقليدي، إضافة إلى تعزيز الوعي المحلي بقيمة المعالم التاريخية وطرق الحفاظ عليها.

ولم يكُن المسح مجرد جرد للمباني، بل محاولة لرسم صورة أوسع لما بقي من النسيج التاريخي للمدينة، وتعمل الهيئة، وفق السدلة، على إعداد تقرير بالعربية والإنجليزية، مدعوم بالصور، يتناول تاريخ حبان وأبرز معالمها، تمهيداً لمخاطبة الجهات المحلية ووزارة الثقافة و"اليونسكو" في شأن حاجات المدينة.

ويقول السدلة إن إعداد ملف حبان استغرق نحو ستة أشهر من العمل مع خبراء في "اليونسكو" والمندوبية اليمنية لدى المنظمة، قبل أن يفضي هذا الجهد إلى اعتماد مشروع المكتبة ضمن المشاريع التي حصلت على التمويل.

لكن الطريق، بحسب المعنيين بالملف، لا يتوقف عند هذا الحد، فثمة حاجات أخرى تنتظر دورها، من إعادة تأهيل سور المدينة وبواباتها، إلى ترميم مصنعة حبان والمنازل الطينية، فضلاً عن أعمال الصيانة التي تتطلب دراسات وتقييمات هندسية تحدد أولويات التدخل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير