Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لاف دياز يكشف وجه الاستعمار الإسباني المتستر بالدين

أفلامه تحفل بالعنف وتتناول الهجرة والمنفى وتفضح فساد السلطة

"باتانغ الجانب الغربي" فيلم صوره لاف دياز في أميركا (ملف الفيلم) 

ملخص

أفلام بالأبيض والأسود، من خمس ساعات، ثماني ساعات، 10 ساعات… بهذه الأعمال الطويلة اشتهر المخرج الفيليبيني لاف دياز الذي حاول تشييد كاتدرائية سينمائية، واستعادة أمور فقدته أفلام كثيرة: الوقت والإحساس به. الوقت الذي يسمح للمكان كي يحضر على الشاشة بالشكل الذي يليق به، وللأشياء بأن تأخذ مداها، وللتاريخ بأن يتسرّب إلى الحاضر من دون أن يُختزَل في عناوينها العريضة. كل من حضر "البرليناله 2016"، لا بد من أنه يتذكر كيف اختار مديره ديتر كوسليك "تهويدة لغموض مؤلم"، في المسابقة، مجبراً الصحافيين والنقاد على البقاء في الصالة لمشاهدته طوال… ثماني ساعات وخمس دقائق!

في السابعة والستين، يحمل دياز على كتفيه سيرة الفليبين كاملة. من الفقر الذي عاشه طفلاً إلى أثر الاستعمارين الإسباني والأميركي، ثم حكم فرديناند ماركوس، فالعنف والهجرة والمنفى وفساد السلطة والدين والموت. هذا كله تجمّع في سينماه، بعدما شكّل أجزاء من ذاكرته الشخصية. يقول "كل فيلم هو حوار مع الذات، مع الأنا والماضي والروح". جملة تختصر مشروعه أكثر من أي تحليل نقدي آخر.

نشأ دياز في بلدة صغيرة، بعيداً من مراكز الحياة الثقافية. كان والده مولعاً بالسينما، وعلى رغم أن أقرب أربع صالات كانت تبعد نحو ساعتين من بلدته، فكان يصطحب أبناءه إليها خلال العطل. هناك، أمام الشاشة، كان الطفل دياز يشاهد أحياناً ما يصل إلى ثمانية أفلام خلال أيام قليلة. يتذكّر "نشأتُ وسط هذا السيل الجارف من الصور التي ظلت تتردد في ذهني وتغذّي مخيلتي".

لكن طفولته لم تكُن رومانسية، عاشها في منزل بلا كهرباء حتى أعوام دراسته الجامعية. "عشنا طويلاً في قلب الغابة، محاطين بالثعابين والبعوض والتماسيح". وفي القرية، كان الجيش يداهم البيوت ناشراً الخوف. كان ذلك في أواخر الستينيات، في زمن بدأت فيه السلطة العسكرية تفرض حضورها على الحياة اليومية.

حين انتقل إلى مانيلا للدراسة، تعرف إلى سينما فيليبينية تعيش أجمل لحظاتها. أسماء مثل لينو بروكا، إشمايل برنال ومايك دي ليون بدأت تنجز سينما مختلفة، متناولة الواقع الاجتماعي والسياسي. لكن اللحظة التي غيّرت مساره تجسدت في طلب أستاذة الأدب منه مشاهدة "مانيلا في مخالب النيون" (1975)، رائعة لينو بروكا، وكتابة مراجعة عنه. يستعيد تلك اللحظة بالقول "ما إن شاهدت الفيلم، حتى تبدّل كل شيء في داخلي". تلقّى الفيلم كصفعة. للمرة الأولى رأى سينما فيليبينية تتكلم بلسان الناس وتواجه واقعهم. أصبح بروكا بطله، بسبب أفلامه ولكن أيضاً بسبب موقعه في مواجهة نظام ماركوس. هذا الاكتشاف جعله يعي بأن يمكن للسينما أن تكون فناً ومقاومة في الوقت نفسه.

لكن طريق دياز لم يبدأ من السينما المستقلة. بعد تخرجه، راح يكتب سيناريوهات لأفلام تجارية، وبعضها كان ممولاً من النظام نفسه. صنع ثلاثة أفلام ضمن آلة إنتاج تعمل بسرعة مذهلة، سبعة أيام للتصوير وسبعة أيام للمونتاج. ثم غادر إلى نيويورك كعامل فيليبيني، حيث أقام معارض فوتوغرافية وأداءات فنية، قبل أن تجرفه السينما أكثر فأكثر.

هناك، في المهجر، خطر في باله إنجاز فيلمه "باتانغ الجانب الغربي"، العمل الذي لفت الانتباه إلى اسمه. اشترى كاميرا 16 مليمتراً وبدأ التصوير من دون خطة واضحة، مستنداً إلى ما يسميه "الغريزة". كان يعمل في صحيفة "الفيليبين دايلي إكسبرس" ثلاثة أيام في الأسبوع، ويكتب السيناريو مساءً، من دون أن يعفيه هذا من القيام بأعمال أخرى لتمويل الفيلم. ثم يخرج بالكاميرا إلى الشارع. "حين تكتب داخل غرفة مغلقة، تدور الأفكار في حلقة مفرغة. لكن حين تخرج بالكاميرا إلى الشارع، ينكشف لك الواقع فتستيقظ حواسك". ومن خلال تحقيق مفتش في جريمة قتل، يكشف الفيلم عن واقع الجالية الفيليبينية في أميركا ومأساة انتشار الميثامفيتامين بين شبابها.

سينما الساعات الطويلة

هذه العلاقة بين الواقع والخيال هي التي قادته لاحقاً إلى أفلام تمتد ساعات طويلة. فدياز لا يريد اختزال العالم كي يلائم الفيلم. أفلامه تبدو بطيئة لأن العالم نفسه، في نظره، ليس سريعاً. الإنسان يحتاج إلى وقت كي يدرك ما يحدث حوله. عن هذا الجانب من عمله، يقول "أشتغل على أفكار كبيرة، لكنني أعبّر عنها من خلال تفاصيل صغيرة". وهذه التفاصيل تسمح له بقراءة التاريخ، فالفيلم لا يحتاج دائماً إلى خطاب سياسي كي يكون سياسياً. يكفي أن نرى كيف يعيش الناس وكيف يحملون آثار الماضي في أجسادهم، خصوصاً أنه يرى أن تجربة الزمن في الفيليبين مختلفة عن التصور الغربي لها. "حياتنا قائمة على الانتظار: أن يتوقف المطر، أن ينحسر الفساد، أن ينتهي شيء ما. بلد يتعرض لنحو 20 إعصاراً كل عام، ويعيش مع آثار الاستعمار والفقر والهجرة والفساد، لا يمكن أن يختبر الزمن بالطريقة نفسها التي تختبره بها مجتمعات مستقرة. نحن نصارع لننجو. وهناك شاعرية ما في هذا النضال المستمر من أجل النجاة".

خلف تجربة مخرج احتفت به أكبر المهرجانات الدولية، من كان وبرلين وصولاً إلى البندقية حيث نال "الأسد الذهبي" عن "المرأة التي رحلت" قبل 10 أعوام، هناك تاريخ لا فكاك عنه يعود له دياز مراراً، إذ يرى بلاده مجتمعاً تشكل بالقوة. الإسبان ثم الأميركيون، ثم حقبة ماركوس، ثم اقتصاد الهجرة. "نحن نسيج مرقّع، جسد من ثقافات مفروضة ومستوردة"، يقول. حتى تفاصيل مظهره تصبح عنده استعارة.

الاستعمار حاضر بقوة هائلة في فيلمه الجديد، "من فضلك، اسمح لي بالمرور" الذي يعود للقرن الـ17. تدور أحداثه عام 1617، حول الراهب الإسباني بادري إنشيسو الذي كان يحكم إحدى الجزر الفيليبينية بوحشية وشهوة لا تشبع، مستنداً إلى الخطاب الديني لتبرير إخضاع السكان الأصليين. الفيلم يعود للحظة تأسيسية، حين أعادت إسبانيا تشكيل البلاد بالقوة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي كلمة له منشورة ضمن الملف الصحافي للفيلم، يصف دياز هذا التاريخ بعبارات شديدة القسوة، الاستعمار قام، في قراءته، على الجنس والجشع والوعد بالخلاص الذي انتهى إلى كارثة. بناء الكنائس والموانئ والحصون والقصور والطرق والمزارع والمناجم لم يكُن، في نظره، مجرد عملية تحديث عمراني، بل ارتبط بعمل قسري مات خلاله آلاف السكان الأصليين. حتى الكنائس نفسها تصبح في الفيلم شاهداً مادياً على العنف. العظمة المعمارية التي يفترض أن ترمز إلى الإيمان، يمكن قراءتها، بالنسبة إلى دياز، باعتبارها آثاراً للرعب الاستعماري.

لا يبدو جديده قطيعة مع سينماه. إنه عودة للجذر. فإذا كانت أفلامه قد اشتغلت على آثار الاستعمار والديكتاتورية والهجرة والموت في الحاضر، فإن العودة لقرون عدة إلى الخلف تعني البحث عن اللحظة التي بدأ فيها هذا التاريخ الطويل من العنف. كعادته، لا يبدي دياز أي اهتمام بشرح الفيليبين في أفلامه، سينماه تنبذ الديداكتية، تاركاً بلده يتنفس أمامنا، بكل تناقضاته، وبكل ما يحمله من ذاكرة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما