ملخص
أمام المراكز الحكومية يتبين حجم المعاناة، إذ يضطر كبار السن إلى طلب المساعدة من عابري السبيل، أو اللجوء إلى "أكشاك" الخدمات التجارية مقابل مبالغ مالية لإنهاء معاملات تصفها الحكومة بأنها "مجانية ومتاحة للجميع".
يقف الحاج السبعيني أبو محمد حائراً أمام شاشة هاتفه الذكي، محاولاً التعامل مع تطبيق "سند" الحكومي للوصول إلى هويته الرقمية وتجديد بعض أوراقه الرسمية من دون الحاجة إلى الذهاب إلى المؤسسات الحكومية.
لم يعد الوقوف أمام شباك حكومي ضرورياً لإنجاز كثير من المعاملات في الأردن، إذ إن بضع نقرات على الهاتف، وتسجيل الدخول إلى أحد التطبيقات، ثم استخدام الهوية الرقمية، قد تختصر رحلة كانت تستغرق ساعات، وربما أياماً.
لكن بالنسبة إليه وآلاف من كبار السن في الأردن، أصبح التحول الرقمي السريع والمتطور يشكل معضلة حقيقية تحول دون الحصول على الخدمات بسهولة بفعل ما يسميه مراقبون "فجوة معرفية" تضع أبو محمد وكثيرون غيره خارج نطاق الخدمة الرقمية.
العدالة الرقمية
يتحدث مراقبون عن نشأة ظاهرة جديدة مرتبطة بالتحول الرقمي تدعى "العدالة الرقمية"، وهي ظاهرة تحاول وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة الأردنية التغلب عليها عبر تحديثات متواصلة للخدمات الحكومية الرقمية.
فأمام المراكز الحكومية يتبين حجم المعاناة، إذ يضطر كبار السن لطلب المساعدة من عابري السبيل، أو اللجوء إلى "أكشاك" الخدمات التجارية مقابل مبالغ مالية لإنهاء معاملات تصفها الحكومة بأنها "مجانية ومتاحة للجميع".
بينما يدعو نشطاء إلى إيجاد بدائل مرنة خشية تحول الخدمات الرقمية إلى أداة إقصاء اجتماعي للفئات التي لا تملك هواتف حديثة، أو تعاني أمية رقمية، أو تفتقر لشبكات إنترنت مستقرة في المحافظات البعيدة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكتسب الفكرة أهمية إضافية في ضوء الأرقام الرسمية، فبينما يستخدم الإنترنت نحو 95.6 في المئة من الأفراد في الأردن، أفاد 38.1 في المئة فقط باستخدام خدمة حكومية إلكترونية واحدة في الأقل في مسح 2024.
لكن المفارقة أن الحكومة نفسها أقرت بوجود فجوة رقمية، وأطلقت سياسة للشمول الرقمي ووحدة متخصصة بهذا الملف ضمن استراتيجية التحول الرقمي 2026–2028، لتصميم الخدمات بما يراعي كبار السن ومحدودي المهارات الرقمية.
تؤكد الناطقة الإعلامية باسم وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة شروق هلال، أن الوزارة تؤمن بأن الشمول الرقمي يشكل إحدى الركائز الأساسية للتحول الرقمي، ويقوم على ضمان وصول جميع أفراد المجتمع إلى الخدمات الرقمية والاستفادة منها بسهولة ومن دون تمييز، بما في ذلك كبار السن.
وتشير إلى تطوير خدمات حكومية عدة وتعزيز الوعي والمهارات الرقمية، بما يساعد كبار السن على مواكبة التحول الرقمي، إضافة إلى توفر الدعم والمساندة من خلال مراكز الخدمات الحكومية المنتشرة في مختلف محافظات المملكة، إذ يقدم الموظفون المساعدة المباشرة لكبار السن وجميع المواطنين.
شمول رقمي أم إقصاء؟
وتدفع هذه الفجوات متخصصين إلى التحذير من خطورة الإقصاء الرقمي، إذ يرى ممثل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في غرفة تجارة الأردن، هيثم الرواجبة أن "الشمول الرقمي لا ينبغي أن يقتصر على توفير شبكات الإنترنت فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل إتاحة الأجهزة الذكية بأسعار معقولة وتدريب المواطنين بفعالية"، مضيفاً أن إقرار سياسة وطنية واضحة في هذا الصدد يعد ركيزة أساسية لتقليص الفجوة التكنولوجية، وتحسين جودة الخدمات الصحية والتعليمية، فضلاً عن تمكين المرأة والشباب في سوق العمل الرقمي الجديد.
لذلك يقترح المتخصص التقني حمزة العكاليك، حزمة من الحلول العملية لمعالجة الأزمة، تبدأ من توسيع شبكات الألياف الضوئية في المحافظات النائية كمعان والمفرق، وتطوير البنية التحتية، وصولاً إلى تقديم دعم حكومي مباشر لأسعار الأجهزة، وإدراج مساق "الثقافة الرقمية" في المناهج التعليمية، وتصميم تطبيقات حكومية مبسطة تدعم تقنيات ذوي الإعاقة.
وفي خطوة تعكس اعترافاً رسمياً بضرورة بناء مظلة أمان رقمية تحمي الجميع بعيداً من معايير السن، أو الجغرافيا، أو الحال الاقتصادية، تتجه الحكومة من خلال وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة إلى إقرار سياسة "الشمول الرقمي" رسمياً.
وفي مقابل الشكاوى الميدانية من صعوبة استخدام التطبيقات، تكشف مسودة "السياسة الأردنية للشمول الرقمي 2025" الصادرة من وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة عن توجه رسمي صريح لردم هذه الفجوة. وتستهدف السياسة كسر "العزلة الرقمية" وضمان عدم سقوط كبار السن والأشخاص ذوي الإعاقة أو قاطني المناطق النائية من حسابات التحول الرقمي، عبر التزام حكومي شامل يغطي خمسة محاور رئيسة تتصدرها البنية التحتية، المهارات الرقمية، والعدالة في النفاذ.
"سند" يتصدر
وتدفع الحكومة الأردنية جاهدة باتجاه جعل تطبيق "سند" منصة مركزية للخدمات الحكومية الرقمية، إذ يتيح التطبيق حالياً أكثر من 100 خدمة حكومية رقمية، بحسب وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة.
وتظهر الأرقام الرسمية سرعة التحول في رقمنة الخدمات، إذ أعلنت الوزارة أن عدد مفعلي الهوية الرقمية عبر "سند" وصل إلى 3 ملايين مواطن، بينهم أكثر من 600 ألف مستخدم جديد فعلوا هويتهم الرقمية منذ بداية عام 2026.
وارتفع مؤشر نضوج الخدمات الحكومية الإلكترونية والنقالة في الأردن إلى 71 في المئة عام 2025، مقارنة بـ63 في المئة خلال 2024، وفق البيانات التي أعلنتها الوزارة استناداً إلى مؤشر صادر من "الإسكوا".
واليوم، أصبحت التكنولوجيا شرطاً لإنجاز المعاملة، بينما في الماضي كان المواطن يستطيع في كثير من الحالات الذهاب إلى الموظف وشرح مشكلته وتسليم الأوراق المطلوبة حتى لو لم يكن يعرف شيئاً عن أجهزة الكمبيوتر.
وقد تبدو خطوات الخدمات الرقمية بسيطة، لكنها قد تصبح عقبة أمام شخص يفتقر إلى المهارات الرقمية أو لا يمتلك هاتفاً مناسباً أو لا يستطيع التعامل مع كلمات المرور والتطبيقات. وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما لا تكون الخدمة الرقمية مجرد خيار إضافي، وإنما الطريق الأسرع أو الوحيد المتاح لإنجاز معاملة معينة.
وهنا يطرح مراقبون قضية أخرى تتجاوز سهولة الاستخدام إلى الخصوصية والاستقلالية. فإذا كان المواطن لا يستطيع إنجاز معاملته بنفسه، واضطر إلى تسليم هاتفه أو بياناته لشخص آخر، فإن التحول الرقمي قد يخلق نوعاً جديداً من الاعتماد الاجتماعي لم يكن موجوداً بالطريقة نفسها في المعاملة الورقية.
وعلى رغم أن الحكومة لديها بالفعل محطات لمساعدة المواطنين في تفعيل الهوية الرقمية على تطبيق "سند"، فضلاً عن إطلاق وزارة الاقتصاد الرقمي "سند جو" كمركز افتراضي للتفاعل مع المواطنين والرد على استفساراتهم، إذ سجل المركز أكثر من 564 ألف استفسار منذ إطلاقه، لكن ذلك لم يمنع وجود فئة كبيرة لا تزال تواجههم معضلة مع تحرك الأردن بسرعة كبيرة نحو حكومة أكثر اعتماداً على التكنولوجيا.
ماذا يفعل كبار السن؟
تبدو الفئة الأكبر سناً هي الأكثر تعرضاً لهذه الفجوة، ووفقاً لآخر الأرقام والتقديرات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة الأردنية، فإن كبار السن (من عمر 60 سنة فما فوق) يشكلون 5.5 في المئة من إجمال سكان الأردن.
وبناءً على هذه النسبة الرسمية من إجمال عدد السكان البالغ قرابة 11.734 مليون نسمة، يقدر عدد المسنين في الأردن بنحو 645 ألف مسن ومسنة، يتوزعون بنسبة 5.3 في المئة بين الذكور و5.7 في المئة للإناث.
ويشير مسح استخدام تكنولوجيا المعلومات داخل المنازل لعام 2024، إلى أن نسبة 8.7 في المئة من كبار السن في الفئة العمرية (55-64 سنة) يستخدمون الحاسوب، في حين بلغت هذه النسبة 3.7 في المئة لمن تجاوزت أعمارهم الـ65 سنة.
أما في ما يتعلق بامتلاك الهواتف الذكية من قبل الفئات العمرية المختلفة، فقد أشارت الأرقام الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة، إلى أن نسبة كبيرة من كبار السن يمتلكون هواتف ذكية وصلت إلى 94.3 في المئة بالفئة العمرية (60-64 سنة)، و80.2 في المئة للذين بلغت أعمارهم الـ65 سنة فأكثر.
والمشكلة لا تبدأ دائماً عند تحميل تطبيق "سند"، وإنما عند قراءة التعليمات، أو إنشاء كلمة مرور، أو تذكرها، أو فهم المصطلحات المستخدمة، أو التعامل مع تحديثات التطبيق، أو معرفة أين توجد الخدمة المطلوبة داخل عشرات الخيارات.
وفي بعض الحالات، يصبح الخطأ مكلفاً نفسياً وعملياً، فالمستخدم غير المتمرس قد يخشى الضغط على خيار خاطئ، أو فقدان بياناته، أو تعطيل حسابه، فيفضل عدم المحاولة أصلاً. وهنا تصبح الثقة بالتكنولوجيا جزءاً من المشكلة، إلى جانب القدرة على استخدامها.
تقول وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، إنها أطلقت تطبيق "سند لايت" كنسخة مبسطة تتيح الوصول إلى الخدمات الحكومية الرقمية بسهولة أكبر من خلال تجربة استخدام مرنة تتناسب مع الأجهزة ذات الإمكانات المحدودة أو الأنظمة الأقدم. وتشير إلى ارتفاع نسبة استخدام تطبيق "سند" بين الأردنيين البالغين إلى 50 في المئة.
لكن ثمة دراسة تبحث في الجاهزية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمشاركة الرقمية في الأردن، توصلت إلى وجود مشكلات مرتبطة بالكلفة والمهارات الرقمية، خصوصاً لدى كبار السن وسكان المناطق الريفية، وأن النجاح الأكاديمي والتقني للتطبيقات والخدمات الحكومية الرقمية لا يقاس فقط بحجم الأتمتة أو عدد المعاملات المنجزة، بل بمستوى سهولة الاستخدام والنفاذية.
وما بين التطلع الحكومي المشروع لنقل البلاد إلى عصر الرقمنة الشاملة، وواقع قطاعات مجتمعية ما زالت تجد صعوبة في مواكبة هذا التحول، لا تتحدد المساحة الفاصلة بين نجاح التجربة التكنولوجية وتجسيد أهداف العدالة الاجتماعية بحجم البيانات المخزنة أو عدد الخدمات المرقمنة على المنصات الذكية، وإنما بمدى قدرة الدولة على ضمان ألا تغلق الشاشات الرقمية الأبواب في وجوه أكثر الفئات احتياجاً للخدمة الرسمية.