Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

درس الفيضان... ليبيا "الغنية بالنفط" فقيرة الإمكانات

وضعتها الكارثة أمام حقائق صعبة كضعف بنية السدود واهتراء شبكات الصرف وانقطاع الكهرباء وتلوث المياه ونقص المستلزمات الطبية

أضافت فيضانات الأودية والسيول الغزيرة التي أتت على المنشآت والأرواح معاناة جديدة لليبيين (أ ف ب)

ملخص

قبل سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، تضمن مشروع "ليبيا الغد" الذي أطلقه نجله سيف الإسلام برنامجاً تنموياً لتطوير وإعادة بناء سدي "درنة" و"أبو منصور"، إضافة إلى إنشاء سدود جديدة، لكن هذه المشاريع توقفت بعد 2011 بسبب الانقسام السياسي والمؤسساتي وتدهور الأوضاع الأمنية، مما أدى إلى مغادرة الشركات الأجنبية المعنية بالتشييد. 

تتصدر ليبيا احتياطات النفط في القارة الأفريقية، بعائدات نفطية بلغت 98.98 مليار دينار (15.8 مليار دولار أميركي) خلال الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي. وشكلت مبيعات النفط المصدر الأكبر لهذه الإيرادات، مسجلة 80.8 مليار دينار (12.63 مليار دولار أميركي)، إضافة إلى الإتاوات النفطية المقدرة بنحو 15.3 مليار دينار (2.39 مليار دولار أميركي) خلال الفترة من فبراير (شباط) إلى أغسطس (آب) من العام الحالي، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي. 

لكن هذه الأرقام الكبيرة يقابلها مستوى خدمي يصنف بالضعيف وفق التقارير الدولية، وبخاصة تلك الصادرة أخيراً من البنك وصندوق النقد الدوليين، والتي تشير إلى ضعف إمدادات الكهرباء وتلوث مياه الشرب في عدد من المناطق ونقص المستلزمات الطبية واهتراء شبكة الصرف الصحي إضافة إلى ضعف بنية السدود. 

وبينما عانى المواطن الليبي هذا الصيف غياب الكهرباء لأيام وانقطاع للمياه وأزمة في التزود بالوقود نتيجة عجز محطات التوليد وتهالك الشبكة العامة، أضافت فيضانات الأودية والسيول الغزيرة التي أتت على المنشآت والأرواح البشرية معاناة جديدة على كاهله.

سنوات الإهمال والتمزق

وتواجه الطرقات والسدود إهمالاً في الصيانة والتوسعة، مما جعلها عاجزة عن استيعاب كمية الأمطار والسيول الغزيرة الناتجة من التغيرات المناخية. وأكدت كارثة الإعصار "دانيال" في سبتمبر (أيلول) 2023 اهتراء البنية التحتية للسدود في ليبيا، ولعل انهيار سدي "وادي درنة" أبرز المؤشرات إلى نتيجة الفساد المتراكم في عمليات صيانة السدود، وفق تقارير ديوان المحاسبة والتحقيقات التي قادها مكتب النائب العام الليبي، والتي أشارت إلى وجود تقاعس حكومي طويل الأمد وشبهات فساد في شأن تعثر عقود صيانة السدود على رغم تخصيص الموازنات.

وتمتلك ليبيا نحو 16 سداً مائياً يعود معظمها إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حيث لم تنجز الحكومات المتعاقبة سدوداً جديدة منذ انهيار نظام الرئيس السابق معمر القذافي عام 2011.

 

وقبل سقوط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي، تضمن مشروع "ليبيا الغد" الذي أطلقه نجله سيف الإسلام برنامجاً تنموياً لتطوير وإعادة بناء سدي "درنة" و"أبو منصور"، إضافة إلى إنشاء سدود جديدة، لكن هذه المشاريع توقفت بعد 2011 بسبب الانقسام السياسي والمؤسساتي وتدهور الأوضاع الأمنية، مما أدى إلى مغادرة الشركات الأجنبية المعنية بالتشييد. 

وتواصلت مشكلات البنية التحتية للسدود بسبب غياب الصيانة وصولاً إلى انهيار سدي "وادي درنة" خلال الإعصار "دانيال" عام 2023. وبعد الكارثة أعلنت خطط لبناء ثلاثة سدود جديدة في وادي درنة، غير أن هذه المشاريع ظلت حبيسة الأدراج ولم تدخل حيز التنفيذ.

أخيراً حاصرت السيول مناطق ليبية عدة على غرار سرت ومزدة وأوباري والشقيقة وسوكنة والقريات ونسمة، التي أعلنت منطقة منكوبة، لتلحق أضراراً بالطرقات والمرافق والمنازل والمستشفيات والبنية التحتية، وتعصف بالخدمات جميعاً، وبحسب إحصائية أولية لوزارة الصحة أسفرت الفيضانات عن 147 إصابة موزعة بين مستشفيات مزدة والشقيقة ونسمة، بينها خمس حالات خطرة، فيما توفيت عائلة بأكملها في سوكنة، وطاولت الأضرار أيضاً مرافق صحية، من بينها مستشفى نسمة.

خريطة الخطر والتنبؤات

وزارة الشؤون الاجتماعية التابعة لحكومة الوحدة الوطنية سيرت قافلة إغاثة إلى المناطق المتضررة من السيول تضم حاجات أساسية. يقول المتحدث الرسمي باسم مركز طب الطوارئ والدعم مالك مرسيط لـ"اندبندنت عربية"، إن الإسعاف الطائر سير جسراً جوياً بين المناطق المتضررة، مؤكداً أنه تم أمس السبت، بالتنسيق مع وزارة الصحة، إرسال فريق طبي إلى مستشفيي مزدة ونسمة، للإسهام في دعم الخدمات الطبية، مشيراً إلى أن الفريق يتكون من 29 عنصراً من أطباء وفنيي تخدير وعناية فائقة و12 ممرضاً، ترافقه مركبات محملة بالمستلزمات الطبية والأدوية.

وحول ما إذا كانت منظومة الاستجابة للطوارئ والإنذار المبكر قادرة على التعامل مع هذه السيول، يقول إن ما حدث في نسمة ومزدة وغيرها من المناطق يوضح أن لدينا قدرة على الاستجابة الميدانية، وأن الفرق تستطيع التحرك والتعامل مع الحالات الطارئة.

ويستدرك أن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء منظومة متكاملة تبدأ قبل وقوع الكارثة وليس بعد حدوثها. متابعاً أن ليبيا تحتاج إلى ربط الرصد والتنبؤ والإنذار المبكر بقرار ميداني واضح من إغلاق الطرق إلى إخلاء المناطق المعرضة للخطر وتحريك فرق الإنقاذ مسبقاً.

ويؤكد مرسيط أن غياب التواصل بين التوقعات الجوية والاستجابة الميدانية يبقى هو المشكلة الأبرز، فمعرفة أن هناك أمطاراً غزيرة متوقعة لا تكفي وحدها لدرء آثار الكارثة، بل يجب تحويل هذه المعلومة إلى خريطة خطر تحدد أي واد قد يفيض، وأي من الطرقات يجب إغلاقها، وأية مناطق ينبغي إخلاؤها.

فجوة الموارد والخدمات

عن الفجوة بين الموارد النفطية ومستوى الخدمات الأساسية في ليبيا، يرى عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة "نالوت" إلياس الباروني، أن ليبيا تواجه مفارقة واضحة، فهي تمتلك مورداً مالياً استثنائياً يتمثل في النفط، لكن ضعف المنظومة المؤسسية يحول دون تحويل هذه الموارد بصورة مستدامة إلى بنية تحتية وخدمات عامة متوازنة. ويشير إلى أن كلفة استيراد المحروقات في ليبيا بلغت خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 نحو 6.122 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 33 في المئة من إجمال قيمة الصادرات النفطية البالغة 18.46 مليار دولار خلال الفترة نفسها، منوهاً بأن الانقسامات المؤسسية وضعف إدارة المالية العامة تؤثران في قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ، والمشكلة لا تكمن في حجم الموارد النفطية، وإنما في كيفية إدارتها وتوزيعها وتحويلها إلى أصول عامة مستدامة.

ويؤكد الباروني أن العلاقة بين الإيرادات النفطية والموازنة والاستثمار والصيانة وجودة الخدمات لا تزال ضعيفة، إذ يمكن أن تتحول عائدات النفط إلى أجور ودعم ونفقات تشغيلية، بدلاً من توجيهها إلى الطرق والجسور وشبكات الصرف الصحي والمياه والمدارس والمستشفيات، إضافة إلى أن اعتماد الاقتصاد الليبي على النفط يجعل المالية العامة شديدة التأثر بتغيرات الإنتاج والأسعار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير إلى أن الإنفاق الحالي قد يستوعب مليارات على الأجور والدعم والتشغيل، من دون أن يقابله إنفاق رأسمالي مماثل على البنية التحتية مثل السدود وشبكات الصرف الصحي والطرقات، لأنها تحتاج إلى جانب الإنشاء، نفقات للتشغيل والصيانة الدورية والتأهيل والتحديث، في حين يؤدي غياب الصيانة إلى ارتفاع كلفة إعادة البناء لاحقاً.

وبحسب الباروني، فإن "الانقسام المؤسسي يزيد صعوبة تحديد الأولويات الوطنية، إذ يصبح السؤال ليس فقط أية منطقة أو مشروع أكثر حاجة، بل من يقرر، ومن ينفذ، ومن يراقب، وأن وجود هياكل موازية للموازنة والاعتماد الكلي على النفط يضعفان الانضباط المالي ويحدان من القدرة على التخطيط والتنفيذ".

ويدعو إلى عدم النظر إلى السيول باعتبارها مجرد ظاهرة طبيعية، لأن حجم الخسائر يرتبط أيضاً بقدرة البنية التحتية على استيعابها، فعندما تؤدي الأمطار الموسمية إلى غمر الطرق الرئيسة، وتعطل شبكات الصرف، ودخول المياه إلى المنازل، وتضرر الكهرباء والمياه وإغلاق المرافق، يصبح الأمر متعلقاً أيضاً بمدى جاهزية البنية التحتية.

ويوضح عميد كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة "نالوت" أن التقييم السريع للأضرار والحاجات الذي أعده البنك الدولي والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عقب فيضانات شرق ليبيا، أظهر أن قطاعات النقل والمياه كانت الأكثر تضرراً. وقدرت الأضرار والخسائر بنحو 1.65 مليار دولار، فيما ارتبط نحو 70 في المئة من حاجات إعادة الإعمار بالبنية التحتية، مما يعكس كلفة عدم الاستثمار المسبق في بنية تحتية قادرة على الصمود.

 

ويقول إن تقييم الإنفاق العام يجب ألا يتوقف عند حجم الأموال المصروفة، بل عند كفاءتها وأولوياتها وجودتها واستدامتها وتوزيعها، فمشروع بمليار دينار، على سبيل المثال، قد لا يحل المشكلة إذا كان سيئ الدراسة أو التنفيذ، أو يفتقر إلى الصيانة والرقابة، أو لم يدمج ضمن شبكة خدمية متكاملة.

ويشير إلى أن ليبيا تمتلك القدرة المالية على بناء بنية تحتية أكثر قدرة على مواجهة الأخطار المناخية، لكن المال وحده لا يكفي، إذ تبقى الكفاءة المؤسسية لتحويل الموارد إلى مشاريع مستدامة هي التحدي الأساس. ويحصر الباروني ذلك في عدد من العوائق من بينها غياب التخطيط الوطني طويل الأمد، وعدم توحيد الموازنة، وضعف الصيانة والرقابة والشفافية، والتوسع العمراني غير المنظم، والبناء في مجاري السيول والمناطق المنخفضة، إلى جانب ضعف إدارة أخطار المناخ.

نحو إدارة الأخطار

ويتفق الباروني مع مرسيط في حاجة البلد إلى خرائط لأخطار الفيضانات، وأنظمة إنذار مبكر، وشبكات تصريف وصيانة مستمرة وخطط إجلاء، بما ينقل التعامل مع الكوارث من إدارة الضرر إلى إدارة الأخطار.

ويؤكد أن استمرار الاعتماد على النفط يصعب التخطيط طويل الأمد، مما يستحضر توجيه جزء مستدام من عائداته نحو الاستثمار في البنية التحتية بدلاً من استهلاكها بالكامل في النفقات الجارية.

ويختصر الباروني المفارقة بين الثروة النفطية وسوء الخدمات الأساسية في أن البلاد ليست فقيرة من حيث الموارد، وإنما تعاني ضعف تحويل هذه الثروة إلى مؤسسات وبنية تحتية مستدامة، مقترحاً إنشاء قاعدة بيانات وطنية لحال الطرق والجسور وشبكات المياه والصرف والكهرباء، وخريطة وطنية لأخطار المناخ، وصندوق للبنية التحتية والقدرة على مواجهة الأخطار المناخية يمول من جزء محدد من عائدات النفط، مع إعطاء الصيانة أولوية وربط الإنفاق بالنتائج الفعلية.

 

ويوضح أن السيول لا تكشف فقط عن ضعف شبكات التصريف، وإنما أيضاً طريقة إدارة الدولة لمواردها، فإعادة البناء بعد الكوارث قد تكون أكثر كلفة من إنشاء بنية تحتية قادرة على الصمود منذ البداية. والمسألة لا تتعلق فقط بامتلاك ليبيا المال، بل بقدرتها على تحويل عائدات النفط من دخل يستهلك إلى ثروة تستثمر وتبقى للأجيال المقبلة.

ويلخص المشكلة الليبية في ثلاث نقاط: ثروة بلا تخطيط كافٍ، وإنفاق بلا أولوية واضحة، وبنية تحتية بلا صيانة مستدامة، مستدركاً أن "هناك نقطة أكثر أهمية تتمثل في أن الأمطار لا تكشف فقط ضعف شبكة الصرف بل تكشف عن جودة الدولة نفسها. فالدولة القادرة على إدارة مواردها النفطية بصورة رشيدة تستطيع أن تحول جزءاً من تلك الموارد إلى بنية تحتية تحمي المواطن من آثار الفيضانات، وتقلل الخسائر، وتحافظ على قيمة الاستثمار العام. أما إذا ظل النفط يمول أساساً الإنفاق الجاري، بينما تؤجل الصيانة والاستثمار طويل الأجل، فإن كل موجة أمطار قوية ستتحول إلى فاتورة جديدة يدفعها المواطن من المال العام ومن سلامته وتعطيل حياته اليومية". 

أما المهندس غالب القبلاوي فيوضح أن "ما حدث في نسمة ومزدة وسرت وبني وليد وغيرها من المناطق هو جزء من إهمال تعود جذوره إلى سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، ويندرج ضمن التهميش الممنهج للمناطق القروية"، موضحاً أن مناخ هذه المناطق يتسم عادةً بالجاف، ولكن بحكم التغيرات المناخية نزلت كميات هائلة من الأمطار فاقت قدرة البنية التحتية للسدود هناك، وسببت أضراراً عزلت مدناً من بينها نسمة التي صنفت "منكوبة".

ودعا القبلاوي إلى الإسراع في إنجاز دراسات هندسية تتماشي والتغيرات المناخية التي ظهرت في ليبيا منذ كارثة الإعصار "دانيال" عام 2023، على غرار البوابات الكبيرة عوض الصغيرة الموجودة حالياً في عدد من الوديان مما حال دون تدفق كميات كبيرة من السيول، ورفع مستوى الطرقات المحاذية للوديان حتى لا تجرفها المياه وينهار الأسفلت، مشدداً على أهمية التهيئة العمرانية بهذه المناطق بما يتناسب والتغيرات المناخية.

وتواصل وزارة الموارد المائية متابعة الوضع الحالي للسدود، وتشير إلى أنه مستقر وآمن من حيث السعات التخزينية المتاحة، مع استمرار الفرق الفنية المتخصصة في أعمال الرصد والقياس والمتابعة الميدانية، تحسباً لأية تغيرات في معدلات التدفق أو الظروف الجوية خلال الساعات المقبلة.

وتشير التقارير الصادرة عن البنك الدولي وصندوق النقد الدولي باستمرار إلى أن ليبيا تمتلك المقومات المالية اللازمة لإحداث طفرة عمرانية وخدمية، إلا أن استدامة هذه التنمية تظل رهينة بتحقيق الاستقرار السياسي الشامل، وتوحيد المؤسسات السيادية، وتوجيه العوائد النفطية نحو الصناديق الإعمارية والاستثمارية الخاضعة للرقابة والشفافية.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي