ملخص
منذ عام 1938 وحتى اليوم، عادةً ما يخسر حزب الرئيس تأييداً في انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، وهو ما حدث في 20 من أصل 22 عملية انتخابية سابقة، وكلا الاستثناءين يعكس ظروفاً استثنائية.
من بين التقاليد الدستورية الأميركية، تأتي عملية انتخابات التجديد النصفي، وفيها يجري الاقتراع على جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 عضواً، إضافة إلى ثلث أعضاء مجلس الشيوخ الـ100.
قصد الآباء المؤسسون من وراء هذه الانتخابات، تجديد الحياة السياسية في دماء الدولة الشابة الفتية، وفي الوقت ذاته الحفاظ على الاستقرار والمسيرة السياسية.
غير أن هذه النوعية من الانتخابات عادةً ما يكون لها سياق تاريخي مثير، من حيث نوعية الفائزين، وتوجهات الناخبين، ومن تكون له اليد العليا بعدها وعلى مدى عامين، قبل الدخول مرة جديدة في انتخابات مشابهة. وعادةً ما تحمل معها تعبيراً سياسياً أميركياً، مثيراً للانتباه، وهو "البطة العرجاء"، أي تحول الرئيس الأميركي، وقبل أن تنتهي ولاية بعامين، إلى رئيس فاقد للقدرة السياسية على المناورة والمداورة، ويعود هذا تقليدياً إلى فوز الحزب المناوئ له في الكونغرس بغالبية مطلقة، أو غالبية نسبية، مما يمكن الفريق الآخر من تعطيل مشروعات القوانين، وإعاقة تنفيذ السياسات الخارجية، ومن ثم فقدان الصلاحية ولو بصورة مجازية.
هنا السؤال، "ما الذي يعنيه مصطلح البطة العرجاء في البداية ثم ما النتائج المتوقعة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل وفقاً لسردية هذا النوع من الانتخابات تاريخياً؟ ثم وهو الأهم، وبخاصة في وجود الرئيس ترمب: هل ستتمتع هذه الانتخابات بنزاهة مؤكدة أم أن الرجل يمكن أن يشكك فيها، بل قد يصل الأمر حد إلغائها إن استطاع إلى ذلك سبيلاً؟".
وفي الأثناء لا يمكن أن يوفر أي محلل سياسي متابع للشؤون الأميركية، التوقيت المثير والخطر الذي تُجرى فيه هذه الانتخابات، والذي لم يتكرر منذ أكثر من عقدين، حيث يقترع المقترعون في ظل ما يشبه الحرب الأميركية في الخارج، كما الحال مع إيران، عطفاً على فخاخ منصوبة لـ"الناتو" في أوروبا، واستقطاب أميركي داخلي غير مسبوق.
انتخابات التجديد النصفي تاريخياً
منذ عام 1938 وحتى اليوم، عادةً ما يخسر حزب الرئيس تأييداً في انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب، وهو ما حدث في 20 من أصل 22 عملية انتخابية سابقة، وكلا الاستثناءين يعكس ظروفاً استثنائية، فقد تأثرت انتخابات عام 2002 بصورة حاسمة بهجمات الـ11 من سبتمبر (أيلول) عام 2001 الإرهابية، والتي أعقبتها ارتفاعات كبيرة في نسبة تأييد جورج بوش الابن، لتصل إلى 63 في المئة يوم الانتخابات، أما الاستثناء الثاني فكان في انتخابات التجديد النصفي عام 1998، فقد جرت بعد محاولة الجمهوريين الفاشلة لعزل الرئيس بيل كلينتون من منصبه، على رغم أن 66 في المئة من الشعب كانوا راضين عن أدائه.
في هذه الانتخابات يؤثر مستوى رضا الجمهور عن أداء الرئيس تأثيراً كبيراً في نتائج انتخابات التجديد النصفي لمجلس النواب. وعلى رغم وجود تباينات واسعة، فإن العلاقة العامة واضحة فكلما ارتفع مستوى رضا الجمهور عنه، قلت الخسائر التي سيتكبدها حزبه ومع اقتراب يوم الانتخابات تزداد هذه العلاقة قوة.
وبحسب العادة، كلما زاد عدد مقاعد مجلس النواب التي يمتلكها حزب الرئيس، زادت خسائره في انتخابات التجديد النصفي، ويبدو تفسير هذه العلاقة واضحاً، ذلك أنه بقدر ما يتمتع المرشح الرئاسي الشعبي بشعبية واسعة، مما يساعد أعضاء حزبه على الفوز بمقاعد كانوا سيخسرونها لولا شعبيته، فإن غيابه عن الاقتراع في الانتخابات التالية سيكون له تأثير كبير.
وخلال الانتخابات الأربع الماضية، برز ارتباط قوي بين نسبة الأصوات التي يحصل عليها كل حزب في مجلس النواب على المستوى الوطني ونسبة المقاعد التي يفوز بها، بل إن هناك ارتباطاً أكثر وضوحاً.
عند مقارنة انتخابات التجديد النصفي الست منذ عام 2000 بالانتخابات الرئاسية السابقة، نجد أن التغيرات في عدد مقاعد مجلس النواب التي يحصل عليها كل حزب بعد انتخابات التجديد النصفي، تتوافق بصورة كبيرة مع التقلبات في الانتخابات الرئاسية وانتخابات التجديد النصفي في نسب الأصوات التي يحصل عليها الحزبان.
وفي كل الأحوال، يكاد حزب الرئيس يخسر الغالبية في التجديد النصفي التي تلي فوزه، ويبدو أن الظروف الاستثنائية التي أدت إلى الاستثناءين منذ ثلاثينيات القرن الماضي لم تعد قائمة اليوم. علاوة على ذلك، فإنه بعد انتخابات عام 2024، لم يحصل الجمهوريون إلا على هوامش متواضعة في النواب والشيوخ، وباستثناء مفاجآت أكتوبر المعروفة، التي تغير قواعد اللعبة، فإن احتمال فقدان الجمهوريين السيطرة على مجلس النواب مرتفعة للغاية.
هنا يطفو تساؤل مهم: "هل تقييم أداء الرئيس يؤثر في مجريات الأحداث الانتخابية النصفية؟". مؤكد ذلك كذلك، ويجري الأمر من خلال بعدين: صفاته الشخصية وسلوكه، وطريقة تعامله مع القضايا الرئيسة، وعبر هذين البعيدين يصوت الأميركيون.
هل تقودنا نتيجة الانتخابات المقبلة، حال فوز الديمقراطيين بغالبية مجلس النواب، إلى حدوث الحال التاريخية المعروفة بـ"البطة العرجاء"، إذ يضحى الرئيس الأميركي وكأنه مفرغ من نفوذه أو في الأقل هناك من يضع له عديداً من العصي في دواليب إدارته.
جذور مصطلح البطة العرجاء
بحسب قاموس أكسفورد الإنجليزي، فإن أقدم إشارة معروفة لهذه العبارة وردت في رسالة كتبها النبيل البريطاني "هوارس والبول" عام 1761، حين سأل فيها: "هل تعرف ما هو الثور والدب والبطة العرجاء؟".
كان والبول يلمح إلى بورصة لندن، حيث كانت "البطة العرجاء" تطلق على المستثمر التعس الذي تخلف عن سداد قروضه. بعد 10 سنوات، ذكر الكاتب المسرحي ديفيد غاريك العبارة في مقدمة مسرحية "خادمة باث" لصامويل فوت "مفلسو سوق الصرف يخرجون كالبط العرجاء".
استمر المواطنون البريطانيون في استخدام عبارة "البطة العرجاء"، عند مناقشة سوق الأوراق المالية طوال القرن الـ19، وعندها بدأت هذه العبارة تكتسب رواجاً بين الممولين الأميركيين أيضاً.
لاحقاً وبصورة متزايدة ومتسارعة امتد استخدام المصطلح إلى مجالات نفوذ أخرى. فعلى سبيل المثال، استخدم الكاتب جورج دبليو بانجي لانتقاد مؤيدي حركة الاعتدال (الامتناع عن المسكرات) الأوائل الذين فقدوت ثقتهم بها.
ربما تركت هذه العبارة انطباعاً طفيفاً لدى قراء بانجي الممتنعين عن شراء الكحول، لكنها بدأت تترسخ في الأوساط السياسية. فبحسب موقع "ذا فريز فايندر"، استخدمت صحيفة "ذا كونغرسيونال" مصطلح "البطة العرجاء"، لوصف السياسيين المستهلكين عام 1863، وسرعان ما بدأ هذا المصطلح بالظهور في مقالات الصحف التي تتناول الشؤون السياسية في الداخل الأميركي.
في أوائل عشرينيات القرن الماضي، قفز الرئيس المنتهية ولايته كالفين كوليدج، قفزة أخيرة نحو أعلى منصب في البلاد. فقد نشرت صحيفة "غراند رابيدز برس" في ميشيغان عام 1926 مقالاً افتتاحياً بعنوان "تحويل كوليدج إلى رئيس مُنتهٍ"، تناول تأثير انتخابات مجلس الشيوخ القادمة على العامين الأخيرين من ولاية الرئيس الجمهوري.
في تلك الأوقات، لم يستخدم مصطلح "البطة العرجاء" للإشارة إلى الفترة الفاصلة بين انتخاب الرئيس أو إعادة انتخابه وتوليه منصبه، ولكنه سرعان ما ارتبط بتلك الفترة تحديداً. آنذاك كانت مراسم تنصيب الرؤساء تقام في مارس (آذار)، وهو الشهر نفسه الذي تبدأ فيه دورة جديدة للكونغرس. وقد أدى هذا الفاصل الطويل بين نوفمبر ومارس إلى ظهور عديد من السياسيين الأميركيين الذين يطلق عليهم "البطة العرجاء".
لهذا السبب قرر الكونغرس تغيير موعد بدء ولاية المجلس، والرئاسة من مارس إلى يناير (كانون الثاني)، حتى إن التعديل الـ20 للدستور، الذي صدق عليه عام 1933، كان يطلق عليه أحياناً "تعديل البطة العرجاء". فهل يتوقف مصطلح البطة العرجاء عند حدود الرئيس الأميركي فحسب؟
عن كونغرس البطة العرجاء
قد لا يدرك الكثيرون أن هناك مصطلحاً مثيراً بدوره وهو كونغرس البطة العرجاء، إذ تعرف جلسة ما بعد انتهاء ولاية الكونغرس بأنها أي اجتماع لمجلس النواب أو مجلس الشيوخ يعقد بعد انتخابات نوفمبر وقبل بدء الكونغرس الجديد دورته الأحدث. وينطبق هذا أيضاً على الرؤساء وغيرهم من المشرعين الذين يتقاعدون أو لم يفوزوا في الانتخابات.
تمتد فترة ما قبل الانتخابات البرلمانية لبضعة أشهر بين منتصف نوفمبر وديسمبر أو أوائل يناير بعد الانتخابات. ويبلغ متوسط مدتها 37 يوماً، بينما تصل أطول فترة إلى 56 يوماً.
ما الذي يمكن للكونغرس فعله؟
تستخدم جلسات ما بعد انتهاء ولاية الرئيس عادة لمعالجة القضايا العاجلة، أو وضع اللمسات الأخيرة على الموازنة الفيدرالية، أو لمجرد حضور أعضاء الكونغرس. وفي بعض الأحيان، يعقد الكونغرس جلسات مصغرة لمنع الرئيس من إجراء تعيينات خلال العطلة البرلمانية أو استخدام حق النقض ضد التشريعات. وتستغرق الجلسات المصغرة أحياناً ثواني معدودة.
هل حدث أي شيء مهم خلال فترة ولاية الكونغرس المنتهية؟
نعم، فبعد أحداث الـ11 من سبتمبر، أقر الكونغرس المنتهية ولايته قانوناً أنشأ وزرارة الأمن الداخلي. وفي عام 2010، ألغى المجلس المنتهية ولايته سياسة "لا تسأل، لا تخبر"، التي كانت تمنع سابقاً أفراداً من "مجتمع الميم" من الخدمة علناً في القوات المسلحة. وفي عام 1970 أقر الكونغرس المنتهية ولايته قانون السلامة والصحة المهنية، الذي أدى إلى الحماية العمالية الحالية وقدرة الحكومة على وضع معايير الصحة والسلامة وإنقاذها للعاملين في القطاع الخاص.
هل هناك أي متطلبات رسمية يستمر الكونغرس في الوفاء بها خلال فترة ما بعد انتهاء ولايته؟
لا... بمجرد أن يعلن رئيس المجلس تعليق أعماله إلى أجل غير مسمى، لا يلزم المجلس بالاجتماع مجدداً إلا إذا جرى استدعاؤه. مع ذلك، عملياً، غالباً ما يؤجل الكونغرس الأمور إلى اللحظة الأخيرة، حيث تقر وتوقع مشاريع القوانين المختلف عليها عادة مع الرئيس خلال فترة ولايته.
هل دونالد ترمب مرشح لأن يكون بطة عرجاء؟
الجواب يتعلق حكماً بالسيناريوهات التي يمكن أن تسفر عنها الانتخابات؟ لكن هذه بدورها موصولة بأوضاع سيد البيت الأبيض الحالية، وانعكاساتها على العملية الانتخابية أول الأمر وأخره.
هل رئاسة ترمب متعثرة بالفعل؟
يبدو هذا التساؤل محل نقاش معمق في الداخل الأميركي، لا سيما في ضوء عديد من الملفات المثيرة للنقاش والخلافات، سواء ما هو موصول منها بالسياسات الخارجية، أو نظيرتها الداخلية.
يمكن البدء من عند مدى موثوقية الأميركيين في المناخ الديمقراطي، وما إذا كانت قناعات الأميركيين بفكرة السطو على دولة مستقلة مثل فنزويلا، واختطاف رئيسها وزوجته، أمر يتسق وفكرة "المدينة فوق جبل".
هنا التساؤل المطروح من جانب الأنتلجنسيا الأميركية، "هل يعقل أن يكون سيد البيت الأبيض اليوم، هو وريث توماس جيفرسون، وألكسندر هاميلتون، وبنجامين فرانكلين، أو جيمس ماديسون؟"... وهذا تساؤل أخلاقي لكن سيكون له أثر كبير في تصويت الأميركيين.
نقطة خلاف جوهرية أخرى، اختلف فيها الجمهوريون أنفسهم، وهي المتعلقة بالمواجهة مع إيران، وهل كان في صالح ومصالح الولايات المتحدة الدخول في تلك المغامرة، والتي كلفت أميركا كثير مما تبقى لها من رصيدها الأدبي في أعين العالم الخارجي.
قبل فوزه برئاسته الثانية، صرح ترمب بأنه لو كان في البيت الأبيض رئيساً عوضاً عن "جو النعسان"، على حد تعبيره، لما اندلعت الحرب الروسية – الأوكرانية، ووعد بأنه سينهي هذه الحرب في العام الأول له في البيت الأبيض.
لم تتحقق أي من وعود الرئيس ترمب، بل إن الأزمة الروسية – الأوكرانية، تكاد تنفلت وتتحول إلى مواجهة روسية –أوروبية، تنذر وتحذر من حرب عالمية ثالثة.
ومن جانب آخر، بدا وكأن ترمب أخطأ في قراءته لـ"مبدأ مونرو"، بمنعى أنه نظر إلى الحضور الأميركي في النصف الغربي من الكرة الأرضية من منظور الهيمنة والتوسع الجغرافي، وليس من خلال أطروحات الشراكة والتعاون الجيوسياسي.
التطبيق الواضح والفاضح لما نقول به، هو علاقات ترمب بكندا، ففي بدايات الأيام التي أعقبت فوزه بالرئاسة الثانية، لم يستنكف يصرح بأنه ربما حان الوقت لانضمام كندا إلى الولايات المتحدة بوصفها ولاية جديدة. واليوم وبعد عامين، تكاد كندا تتحول من خانة الأصدقاء إلى جانب الأعداء، وربما تتغير الوضعية إلى حديث الأعداء مباشرة.
في حساب عامين من رئاسة ترمب، لا تبدو الأوضاع بين واشنطن وبكين على أفضل حال، وحتى زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ الأخيرة لواشنطن في سبتمبر 2025، لم تسفر إلا عن تأكيد الحضور الصيني عالمياً، وبالشروط التي يريدها الصينيون أنفسهم، وكأنهم هم من يرسمون لترمب مسارات التاريخ ومساقات الجغرافيا.
الداخل الأميركي ليس أقل ضعفاً واهتراءً من الخارج، وعلى غير المصدق أن يتابع حال النسيج المجتمعي الأميركي، حيث التفكك والتفسخ يكاد يعصف به، على أسس من العرق تارة، والدين تارة أخرى، إلى جانب الجنس واللون، مما يعني أن مفهوم "بوتقة الانصهار" قد ولى زمنه.
وإلى جانب كارثة الهويات القاتلة، اللزجة المتصارعة، من جراء عولمة أميركية تحتضر في الداخل، يطفو على السطح أهم ما يتماس والحياة الأميركية، أي الأوضاع الاقتصادية، في ظل أزمة طاقوية غير مسبوقة في العقود الأخيرة، أدت إلى ارتفاع مخيف في أسعارها، مما جعل بعض الأصوات تقول إن كثيراً من الناخبين، غير مستعدين لدفع مبالغ كبيرة لملء خزانات وقود سياراتهم، للذهاب إلى مراكز الاقتراع، والتصويت سواء مع أو ضد الجمهوريين.
هل يمكن لمثل هذه المشاهد المختزلة، والتي لا تعبر بصورة كاملة عن إشكاليات المشهد السياسي الأميركي الداخلي والخارجي قبل التصويت، أن تكون عاملاً حاسماً في السيناريو الذي ستسفر عنه انتخابات التجديد النصفي؟
4 سيناريوهات لنتائج متوقعة
يمكن ومن دون تطويل ممل رسم ملامح لخمسة سيناريوهات متوقعة لانتخابات التجديد النصفي، وفي ضوئها، يمكن أن نحدد ما إذا كان الرئيس ترمب، سيتحول في عاميه الأخيرين إلى بطة عرجاء في البيت الأبيض أم لا.
السيناريو الأول: وفيه تتعزز مسألة الانقسام في الداخل الأميركي. هذا يحدث من خلال فوز الديمقراطيين بغالبية معززة في مجلس النواب، بينما تظل الغالبية في مجلس الشيوخ ولو على حالها للجمهوريين.
هنا غالباً سيقضي الرئيس ترمب عاميه في أزمات متواصلة، لا سيما أن الديمقراطيين سيكون شغلهم الشاغل هو مساءلة ما قدمته هذه الإدارة خلال العامين الماضيين، ومراجعة تصرفات أسرة الرئيس المالية، وصفقاتهم العلنية والسرية، إلى جانب مؤسسات الرئيس المالية.
والمقطوع به أن السياسات الخارجية ستكون مثار التشارع والتنازع الكبيرين، لا سيما التحقيق في الأسباب التي أدت إلى حرب إيران غير المبررة للديمقراطيين، لكن وعلى رغم ذلك، لا يمكن لمجلس النواب أن يفرض ما يراه من تشريعات على الرئيس الحامل حق النقض، وبذلك تدخل الخلافات بين الجانبين، البلاد والعباد في حال شلل وإغلاق طويلين، وساعتها يمكن حقاً القول إن ترمب تحول إلى بطة عرجاء.
السيناريو الثاني: ويعرف بالسيناريو الكارثي بالنسبة إلى ترمب، وفيه يفوز الديمقراطيون بغالبية مجلسي الشيوخ والنواب معاً.
هنا لن يضحى ترمب "بطة عرجاء"، بل من الوارد جداً أن يتحول إلى "بطة ميتة"، إذ ستخضع تعيينات كبار المسؤولين لمجلس الشيوخ، مما يجعل اختيارات ترمب غير مقبولة. وستطفو إشكالية تمويل الحكومة، ورفع سقف الدين، وبذلك تعود عمليات الإغلاق من جديد.
الأمر الأخطر هو أن الديمقراطيين على هذا النحو، سيملكون أخطر سلاح يمكن أن يتهدد الرئيس وهو سلاح العزل، والمعروف أن الديمقراطيين قاموا بالتصويت على عزل ترمب في نهاية ولايته الأولى، وأقروه بالفعل.
السيناريو الثالث: وهو إطار نظري وليس واقعاً عملياً، وفيه يفوز الجمهوريون بالغالبية في مجلسي الشيوخ والنواب، وساعتها ستكون يد الرئيس وحزبه منطلقة تفعل ما تريد في ملفات معقدة ومركبة من عينة الضرائب والهجرة، والتجارة والطاقة، والسياسات والحروب الخارجية.
لكن هنا ينبغي أن تكون غالبية الجمهوريين كاسحة وليست هامشية، ذلك أن أي جمهوريين معارضين لترمب، يمكن أن يعوقوا هذه الهيمنة المطلقة.
السيناريو الرابع: وهذا احتمال لم يحدث كثيراً، حيث ينتخب ما يسمى "كونغرس ذا رأسين"، والمعنى هنا أن يفوز الجمهوريون بمجلس النواب، فيما يحصل الديمقراطيون على غالبية مجلس الشيوخ. وفي هذه الحال، سيكون التساؤل المطروح على الأميركيين: "من سيقوم بالتشريع؟ ومن يمكنه القيام بالتعيينات الخاصة بكبار المسؤولين؟
في هذا الوضع سيكون الجمهوريون في تماهي مع مشروعات الرئيس الجمهوري بينما من الجائز جداً أن يعطل الديمقراطيون مشروعات ترمب واختياراته في مجلس الشيوخ.
هنا ولكي تمضي البلاد ولا تتعثر، لا بد من درجة من التفاوض الداخلي بين الجمهوريين والديمقراطيين، لكن النتائج في كل الأحوال ليست مضمونة.
والشاهد أنه لا يمكن الحديث عن أي نتائج متوقعة من دون المرور على بعض استطلاعات الرأي، ففي استطلاع "رويترز/ أبيسوس"، في الـ21 من سبتمبر الجاري، وجد أن تأييد ترمب بلغ 32 في المئة، وهو مستوى منخفض في استطلاعاته السياسية، مع تقدم الديمقراطيين بثماني نقاط في سؤال التصويت للكونغرس في ذلك الاستطلاع وهذه أرقام استطلاع واحد، وليست نتيجة انتخابية أو ضمانة لاتجاه نوفمبر.
هنا تبدو مفارقة، فالناخب الأميركي الذي يصوت بفعل تأثره بارتفاع أسعار المحروقات، لن يمكن تمييزه عن ذلك الذي ينطلق من فكرة التصويت العقابي.
وفي كل الأحوال يظل هناك التساؤل المهم التالي، "هل تتغير السياسات الأميركية الخارجية إذا فاز الديمقراطيون بالغالبية في النواب، واحتفظ الجمهوريون بغالبية الشيوخ، إن لم تحدث مفاجأة غير متوقعة، وهو أمر وراد مع سياسات الرئيس ترمب، وقراراته الانطباعية، وفاز الديمقراطيون بالمجلسين معاً ودفعة واحدة من دون شراكة جمهورية.
هل تتغير السياسات الخارجية الأميركية؟
بالقطع حال فوز الديمقراطيين بمجلس النواب، وهو الخيار الأرجح، حتماً سيكون لذلك بصمة واضحة على سياسات ترمب الخارجية في العامين المتبقين له، لكن وقبل الخوض في بعض من ملامح هذا التغير، ينبغي علينا أن نشير إلى الأمر برمته لن يأخذ صفة الفوقية، بمعنى أن العلاقات لن تمضي وكأنها أوامر ينبغي على سيد البيت الأبيض أن يطيعها، لا سيما أنهم يدركون أمرين:
أولاً: أن تحويل أي مشروع قانون، ينبغي أن يحصل على موافقة مجلس الشيوخ بداية، ثم إقراره من جانب الرئيس تالياً.
ثانياً: أن التعنت والعناد الكبيرين والمتزمتين، من جانب الديمقراطيين حال حدوثه، أمر له عواقبه السلبية عليهم أنفسهم، ويمكن أن يضر بهم على جبهتين، انتخابات التجديد النصفي للكونغرس 2028، وكذلك انتخابات الرئاسة في العام ذاته.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن وفي كل الأحوال ستظل هناك مساحة واسعة وكافية لأن يسعى الديمقراطيون من خلالها لرسم اتجاهات جديدة للبيت الأبيض، لا سيما بالنسبة إلى محاور ارتكاز من نوعية زيادة الرقابة على البيت الأبيض في ملفات الحرب والتسليح والعقوبات، إضافة إلى أن أولويات الموازنة ستتغير، وسيعاد النظر في مسألة المساعدات الخارجية، تلك التي تعرضت لعسف وخسف ترمبيين بصورة كبيرة، إضافة وربما يكون هذا هو الأهم المشتبك مع ملفات مفتوحة، تشديد شروط الكونغرس على بعض تحركات ترمب العسكرية، وسيكون من نافلة القول إن الأميركيين والعالم سيتابعون عبر الجلسات في مجلس النواب، وبصورة متكررة قد يدعو إلى الدهشة، إعادة فتح ملفات السياسة الخارجية المثيرة للجدال... فهل من أمثلة؟
ها هي بعض من خطوط المتغيرات السياسية المتوقعة:
الملف الأوكراني: حال وصول الديمقراطيين إلى غالبية مجلس النواب، ناهيك بالشيوخ، سيكون من الطبيعي أن تتغير اتجاهات الدعم العسكري، تلك التي قلصها الرئيس ترمب، بمعنى سيصبح الكونغرس أكثر ميلاً إلى مؤسسة الدعم لأوكرانيا، سياسياً، وربما عسكرياً، حتى ولو بصورة مختلفة عما كان عليه الحال في زمن جو بايدن.
لكن هذا الدعم حكماً سيكون مشروطاً برقابة على إنفاق المساعدات المالية، وربطها بالإنتاج الدفاعي الأميركي، ومطالبة الأوروبيين بتحمل حصة أكبر، وفي الوقت ذاته تشديد الرقابة على استخدام الأسلحة.
العلاقات مع روسيا: قد تبدو هذه الجزئية بالتحديد نقطة مفارقة كبرى، لا سيما في ضوء ما يعتبره الكثيرون، تماهياً إن لم يكن تواطؤاً من جانب ترمب مع بوتين.
حال فوز الديمقراطيين قد يبدو ترمب أكثر ميلاً إلى التفاوض السريع مع قيصر الكرملين، بينما الديمقراطيون سيعمدون إلى الضغط على بوتين، لكن في المشهد مغامرة خطرة، قد تدفع الرئيس الروسي، إلى فلسفة الهرب إلى الأمام من خلال عمل عسكري جديد في منطقة دول البلقان، ما يعقد الأمر على الأوروبيين قبل الأميركيين.
أزمات الشرق الأوسط: غالباً ستكون هذه الرقعة الجغرافية مثار كثير من التغيرات، والبداية من عند إسرائيل.
وهنا يقول الراوي إن متغيرات عدة طرأت بين الديمقراطيين، جلها يختصم من تاريخية العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، لا سيما وسط الجانب الراديكالي من الحزب.
على سبيل المثال، صوت أكثر من نصف الديمقراطيين في مجلس النواب خلال يوليو الماضي في مجلس النواب على تعديل لمصلحة حجب 3.3 مليار دولار من المساعدات العسكرية لإسرائيل، وهذا يعني أن كونغرس ديمقراطي يعني تشديد شروط المساعدة العسكرية لإسرائيل، ورقابة أقوى على استخدام الأسلحة الأميركية.
الحرب الإيرانية: قد يكون هذا هو أكثر الملفات الصدامية في الداخل الأميركي، حال فوز الديمقراطيين، وبخاصة أن هناك نفراً ليس بالقليل من الجمهوريين غير المؤيدين لترمب، قد انضموا بالفعل للديمقراطيين في رفض الصدام العسكري مع إيران.
لذا فإن المتوقع حال وصول الديمقراطيين إلى مجلس النواب، أن تفرض قيود شديدة على أي عمليات عسكرية أميركية جديدة في مواجهة الإيرانيين، مما يفتح الطريق للمفاوضات والوساطات الدولية.
غير أن المفارقة تتجلى في أن الديمقراطيين قد يصبحون أكثر تشدداً اقتصادياً تجاه إيران في وقت يكونون فيه أكثر تحفظاً تجاه استخدام القوة العسكرية.
وفي الخلاصة، تبدو جميع السيناريوهات في انتخابات نوفمبر قائمة وقادمة، لا سيما في ظل حال عدم اليقين المحلقة فوق سماوات الولايات المتحدة في الداخل من جانب، وعلى الأرجاء الكونية من جانب آخر، في انتظار نتيجة ربما تجعل من ترمب بطة عرجاء، أو قيصراً متوجاً لعاميه المقبلين.