ملخص
يرى جون رينتول أن صفقة تشاغوس أصبحت في حكم المنتهية بعد رفض ترمب لها، فيما أدركت الحكومة البريطانية متأخرة صعوبة تمريرها من دون موافقة واشنطن. وبينما تدرس لندن اتفاقاً بديلاً، يظل مصير سكان تشاغوس، الذين تعرضوا للتهجير، القضية الأهم التي ينبغي أن تعالجها أي تسوية جديدة.
كانت صفقة تشاغوس أصبحت في حكم الميتة عندما وصل آندي بيرنهام إلى نيويورك. فإذا كانت الحكومة الأميركية تعارضها، فلا يمكن أن تمضي قدماً. وكانت الاتفاقية التي تقضي بالتنازل عن الجزر لموريشيوس واستئجار دييغو غارسيا مجدداً، حيث توجد القاعدة العسكرية البريطانية - الأميركية، قد أبرمت بين بريطانيا وموريشيوس، لكن دونالد ترمب يحتاج إلى الموافقة على تعديل الاتفاقية المبرمة عام 1966 بين بريطانيا والولايات المتحدة في شأن القاعدة.
ولا ننسى أن موقف الرئيس الأميركي من هذه القضية تبدل أكثر من مرة: فقد أيد دونالد ترمب الصفقة بعدما كان يعارضها، ثم عاد إلى معارضتها من جديد. ومن ثم، ليس مستحيلاً أن يغير رأيه مرة أخرى، لكن هذا الاحتمال بدا مستبعداً خلال مؤتمره الصحافي المشترك مع بيرنهام أمس، حين قال الرئيس: "أنا لا أؤيدها"، ووصفها بأنها "فظيعة" و"سخيفة".
والواقع أن إقناع ترمب بدا مستبعداً منذ أشهر، لكن الحكومة البريطانية احتاجت إلى بعض الوقت لاستيعاب ذلك. وقبل بضعة أسابيع، أفادت تقارير بأن حكومة بيرنهام "لا تزال ملتزمة" بالصفقة، وكان ذلك تفسيراً منطقياً لموقف رئيس الوزراء الجديد، إذ إن هذا تحديداً ما قاله وزير الدفاع الجديد ويس ستريتينغ.
لكن ما أغفلناه كان جملة أخرى في رسالة ستريتينغ إلى جيمس كارتليدج، وزير الدفاع في حكومة الظل، قال فيها إنه يعمل "بصورة وثيقة" مع الولايات المتحدة في شأن الاتفاقية. وإذا كان الأمر كذلك، فنحن نتحدث عن صفقة مختلفة، لأن الولايات المتحدة لا توافق على الاتفاق الذي وقعته بالفعل بريطانيا وموريشيوس، وإن لم تصادق عليه الدولتان بعد.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم ينتبه كثيرون أيضاً إلى أن بيرنهام تحدث الإثنين مع رئيس وزراء موريشيوس. وجاء في بيان صادر من "10 داونينغ ستريت" أن بريطانيا ملتزمة "العمل مع موريشيوس والولايات المتحدة لإيجاد سبيل للمضي قدماً". بعبارة أخرى، لم تكن الصفقة قد ماتت فحسب، بل دقت المسامير في نعشها ودفنت تحت متر من التراب.
وقلت قبل عام ونصف العام، عندما وقعت الصفقة، إنها كانت خطأً، وقد أثبتت الأحداث ذلك، لكن إعلان الوفاة رسمياً استغرق وقتاً طويلاً. ففي ذلك الحين كانت الولايات المتحدة تؤيدها، وأحيلت المعاهدة إلى مجلس اللوردات للموافقة عليها. ثم، في يناير (كانون الثاني) الماضي، بدل ترمب موقفه، وكانت تلك، في حقيقة الأمر، نهاية الصفقة.
وظل كير ستارمر يتظاهر بأن الاتفاق لا يزال قابلاً للتنفيذ، ودافع عنه استناداً إلى القانون الدولي والأمن القومي، لكن حجته لم تكن منطقية. ولا بد من أن أسباباً وجيهة كانت وراءه، تتعلق بحماية قاعدة دييغو غارسيا من حال عدم اليقين القانوني. فقد تولى التفاوض عليه جوناثان باول، مستشار الأمن القومي في "10 داونينغ ستريت" حالياً، وهو ليس بالساذج، لكن موريشيوس لا تملك حقاً في الجزر، ومن المحير ببساطة أن تدفع بريطانيا أموالاً لقاء التخلي عنها.
وتستند مطالبة موريشيوس بالجزر إلى مبدأ "مناهضة الاستعمار"، لكن كلاً من موريشيوس وجزر تشاغوس كانتا غير مأهولتين عند وصول الأوروبيين، والأساس الوحيد لمطالبة موريشيوس هو أن الإقليمين كانا يداران من قبل البريطانيين انطلاقاً من موريشيوس حتى استقلالها عام 1968.
وكما قال النائب المنتمي إلى تيار "العمال الأزرق"، دان كاردن، حديثاً: "ما زلت مدهوشاً من أن عدداً قليلاً جداً من نواب حزب العمال كان لديهم أي شيء يقولونه في هذا الشأن. وكل ما أقوله لأي منهم هو: اذهب والتق أحد ناخبي دائرتك، وحاول أن تشرح له صفقة تشاغوس، وانظر كيف سيتقبلها".
ورأى كاردن أنه إذا لم تكن قادراً على شرح الأمر، فلا ينبغي لك أن تفعله. وأضاف "بالنسبة إليَّ، هذا هو جوهر السياسة، أن ترى ما إذا كان الناس يفهمون ما تفعله ولماذا أنت موجود في موقعك".
وثمة من أشار إلى وجود أسباب خفية وراء الصفقة، إما تتعلق بقدرات استخباراتية فائقة السرية في دييغو غارسيا، أو بمنع بحارة يائسين من امتلاك حق طلب اللجوء في الجزر، لكن عندما يتعلق الأمر بصفقة تدفع فيها بريطانيا لموريشيوس أموالاً طائلة إلى حد أن حكومتها كانت تخطط لإلغاء ضريبة الدخل، فإن الحكومة البريطانية مطالبة بتقديم تفسير أفضل للرأي العام.
ويكتسب ذلك أهمية أكبر لأن الاندفاع الواضح نحو التخلي عن الجزر يبدو وكأنه يقوض وضع أقاليم بريطانية أخرى ما وراء البحار، بما فيها جزر فوكلاند.
ومن ثم، استسلم بيرنهام البراغماتي لما لا مفر منه، وبات "يدرس" صفقة جديدة يمكن أن تقبل بها بريطانيا وموريشيوس والولايات المتحدة. وأتوقع أن يظل يدرسها لبعض الوقت.
وقد يكون في وزارة الخارجية البريطانية من يعتقدون أن عليهم ببساطة انتظار انتهاء رئاسة ترمب، وعندها سيكون في إمكانهم إحياء الصفقة مع خليفته. وإذا كان ذلك الخليفة جي دي فانس، فأظن أن هذه الخطة الماكرة لن تنجح، لكنني أعتقد أنها لن تنجح على أي حال، لأنها ببساطة صفقة سيئة.
ولن يترتب على التخلي عن الصفقة تماماً أي ضرر، باستثناء ما يتعلق بسكان تشاغوس، وهم أحفاد نحو ألف شخص رحلوا من الجزر عام 1971 لإفساح المجال أمام القاعدة العسكرية. لقد تعرضوا لظلم فادح، وينبغي أن تركز أي صفقة مستقبلية على إنصافهم.
© The Independent