ملخص
حظي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتصفيق حار وقوفاً، عقب إلقائه خطابه الأخير أمام الجمعية العامة، فيما بدأت مجموعة صغيرة من الساسة ومسؤولين أمميين سابقين حملة علنية وخلف الكواليس لخلافته.
غادرت مواكب الليموزين التي تقل قادة العالم مقر الأمم المتحدة أمس الجمعة، بعد أسبوع حافل بالخطب والاجتماعات والدبلوماسية في أروقة المنظمة.
وعلى رغم عدم تحقيق أي اختراق في أكثر النزاعات العالمية صعوبة، فقد أحرزت المحادثات في شأن الحربين في إيران وأوكرانيا تقدماً محدوداً، بينما استغلت القوى الكبرى المناسبة لمناقشة أخطار الذكاء الاصطناعي مع قادة القطاع، وفي ما يلي النقاط الرئيسة بعد عشرات الجلسات ومئات الاجتماعات وساعات الانتظار والاستماع إلى الخطب، فضلاً عن عدد لا يحصى من أكواب القهوة.
استئناف المسار الدبلوماسي مع إيران
ربما تمثلت الفائدة الأكبر للأمم المتحدة في تيسير أولى المحادثات بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين منذ انهيار وقف إطلاق النار في يوليو (تموز) الماضي، إذ جرى التواصل بين وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من خلال وسطاء، وقال مسؤول إيراني كبير لـ "رويترز" إن هذه الجهود يجب أن تستمر، على رغم تبادل القادة الإيرانيين والأميركيين كلمات حادة داخل قاعة الجمعية العامة، إذ هددت الولايات المتحدة بإبادة إيران، بينما اتهمت طهران واشنطن بانتهاج عقلية تنمر.
وأضاف المسؤول أن طهران تراجع رد واشنطن على مقترحاتها التي تشمل رفع حصار بحري أميركي على الموانئ الإيرانية وإعادة فتح مضيق هرمز، لكن لا مؤشرات على اقتراب التوصل إلى اتفاق، وقد حذّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن أي اتفاق سيتطلب عملاً شاقاً على مدى فترة من الزمن.
أوكرانيا والحبوب والطاقة
وعقد روبيو أيضاً محادثات مع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، وقال بعدها إن أوكرانيا وروسيا أبدتا اهتماماً بوقف إطلاق نار محدود، يشمل أهدافاً مرتبطة بالحبوب والطاقة، إذ تسابق أوكرانيا وحلفاؤها الزمن للتوصل إلى تفاهمات محدودة في شأن البنية التحتية للطاقة والشحن عبر البحر الأسود قبل حلول الشتاء، خشية تجدد الضربات الروسية على منشآت الكهرباء والتدفئة.
لكن لافروف تحدث أمام اجتماع لمجلس الأمن في شأن أوكرانيا، بعد ساعات من تصريحات روبيو الأربعاء الماضي، من دون أن يبدي أية إشارة إلى استعداد روسيا للدخول في أي موضوع، وقال إن "أوروبا مهما كانت قناعاتها، تريد فقط هدنة موقتة وتريد استغلالها للإغداق على نظام كييف بالأسلحة".
الذكاء الاصطناعي يخطف الأضواء من المناخ
تراجعت قضية التغير المناخي التي شكلت محوراً رئيساً لمناقشات الأمم المتحدة خلال الأعوام القليلة الماضية، لمصلحة الجدل المتصاعد في شأن الذكاء الاصطناعي.
وتزامنت فعاليات الدبلوماسية الدولية مع موجة غير مسبوقة من القلق حيال الذكاء الاصطناعي، بعد خروقات عدة تتعلق بالسلامة، ومع تحذيرات أطلقها كبار الباحثين من أنه قد يدمر البشرية.
وعقدت الأمم المتحدة اجتماعاً لمجلس الأمن، شارك فيه شخصياً الرئيس التنفيذي لشركة "أوبن أيه آي"، سام ألتمان، إضافة إلى الرئيس التنفيذي لشركة "أنثروبيك" داريو أمودي، ودعا المسؤولان الحكومات إلى التعاون لإدارة أخطار الذكاء الاصطناعي.
وفي دلالة على هذه المخاوف، أعلن رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، تزامناً مع انعقاد الجلسة، أن وكيلاً للذكاء الاصطناعي طورته "أوبن أيه آي" تمكن في يونيو (حزيران) الماضي من اختراق موقع حكومي أسترالي، والوصول إلى ملفات عامة وغير عامة.
أما الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سبق أن وصف أخطار الذكاء الاصطناعي بأنها "خدعة ونظرية مؤامرة مريضة"، فقال أمام الأمم المتحدة إنه "يرفض أية محاولة لبناء مخطط عالمي للسيطرة" على هذه التكنولوجيا، واصفاً إياها بالمذهلة، مع تعهده أن تتعامل الولايات المتحدة معها بحذر.
مشاركة غير متوقعة
كانت المفاجأة الأكبر في اجتماعات الأمم المتحدة وصول الرئيسة الفنزويلية الموقتة ديلسي رودريغيز، التي استغلت زيارتها لإجراء أول محادثات مباشرة مع ترمب منذ توليها السلطة، بعد أن اعتقلت القوات الأميركية الرئيس آنذاك نيكولاس مادورو خلال عملية دهم ليلية، وصفت بالدراماتيكية.
وركز الوفد الفنزويلي خلال اجتماعاته مع مسؤولين أميركيين وشركات ومؤسسات إقراض متعددة الأطراف، على إعادة هيكلة ديون سيادية بمليارات الدولارات.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستغل ترمب خطابه أمام الهيئة المعنية بالسلام العالمي ليعلن أنه في فنزويلا "الغنائم من نصيب المنتصر"، ووصف اتفاقاً نفطياً وقعته الولايات المتحدة مع كاراكاس في أغسطس (آب) الماضي بأنه "ربما أكبر صفقة أبرمت على الإطلاق"، وفي الوقت الذي التقت رودريغيز وترمب في نيويورك، قامت زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بثلاث محاولات غير ناجحة للعودة لبلادها.
غياب مفاجئ
كان الغياب الأبرز المفاجئ لقائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان، إذ حجبت الولايات المتحدة تأشيرته، في خطوة قالت مصادر سودانية وأخرى مطلعة إنها ترتبط بمقترح لوقف إطلاق النار، تدعمه واشنطن وتقاومه الخرطوم.
وأثار الخلاف، الذي كانت "رويترز" أول من كشف عنه، مخاوف من تعميق التوتر بين واشنطن والجيش السوداني، خلال مرحلة حرجة من الحرب الأهلية التي تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم، ومثّل البرهان السودان في الجمعية العامة منذ عام 2021.
ومن بين الغائبين البارزين أيضاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي خاطب المندوبين عبر تقنية الفيديو، وانتقد القيود الأميركية على وصول البعثة الفلسطينية إلى الأمم المتحدة.
مستقبل ضبابي
المحلل في مجموعة الأزمات الدولية، ريتشارد جوان، قال إن الأمم المتحدة التي تعاني ضائقة مالية ربما لم تعد في حال "سقوط حر"، لكنها لا تزال عالقة في "أزمة مفتوحة الأمد"، إذ تواجه المنظمة تراجعاً في الموازنات وتقلصاً في النفوذ وتزايداً في الصراعات الجيوسياسية.
وتستمر حربا أوكرانيا وإيران، بينما يواصل ترمب انتقاد المنظمة الدولية التي تضم 193 دولة عضواً، واصفاً إياها بأنها متضخمة وتتبنى توجهاً عالمياً، وقد خفض التمويل الأميركي وانسحب من عشرات الوكالات التابعة لها.
وبينما حظي الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتصفيق حار، وقوفاً، عقب إلقائه خطابه الأخير أمام الجمعية العامة، بدأت مجموعة صغيرة من الساسة ومسؤولين أمميين سابقين حملة علنية وخلف الكواليس لخلافته، إذ تنتهي ولايته الثانية الممتدة لخمسة أعوام في الـ 31 من ديسمبر (كانون الأول) المقبل، مما لا يترك سوى وقت قصير أمام القوى الكبرى في العالم للاتفاق على بديل.
ولا يزال السباق، الذي يجرى عبر عملية معقدة ومتعددة المراحل، تتضمن ما يعرف "بالاستطلاعات غير الرسمية"، من دون مرشح متصدر بوضوح، لكن نائبة رئيس كوستاريكا السابقة، ريبيكا غرينسبان، ومندوبة غويانا الدائمة لدى الأمم المتحدة، كارولين رودريغيز بيركيت، تتصدران المشهد.
وأياً يكن الفائز بما يوصف بأنه أصعب منصب في العالم، فسيرث منظمة تواجه أزمات متلاحقة، وتراجعاً في المعنويات، وانحساراً في تأثيرها السياسي، وسيتولى كذلك استقبال قادة العالم في نيويورك خلال قمة عام 2027.