Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لماذا لم تنجز القمة الأميركية - الصينية سوى القليل؟

يسعى الطرفان إلى علاقة أقل صدامية والاستفادة من عامل الوقت ريثما تتغير الأحوال

ترمب (الثاني من اليمين) وتشي جينبينغ لدى مغادرتهما متحف الأرشيف الوطني، 25 سبتمبر في واشنطن العاصمة (غيتي/ أ ف ب)

ملخص

لم تحقق القمة سوى منجزات محدودة للغاية، فقد اكتفى الجانبان بتمديد الهدنة الهشة لمدة شهرين فقط، التي كانت قد خففت من حدة الحرب التجارية بينهما، كما صرح شي بأن الصين سترسل اثنين من حيوانات الباندا إلى حديقة حيوان أتلانتا، واتفق الجانبان على عقد لقاءين آخرين هذا العام، الأول في نوفمبر خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين، والثاني خلال اجتماع مجموعة الـ20 في فلوريدا بعد ذلك بشهر.

اتسمت قمة واشنطن بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني تشي جينبينغ بكثير من المراسم الاحتفالية، بدءاً من البساط الأحمر والعروض الجوية العسكرية ومأدبة عشاء رسمية، وانتهاء بزيارة متحف الأرشيف الوطني وتقديم هدية من النسر الأميركي للضيف الصيني، لكن مظاهر الأبهة والإشادة المتبادلة بالصداقة، غطت على قضايا التوتر الرئيسة بين البلدين، فباستثناء تمديد الهدنة التجارية لمدة شهرين، وتقديم الصين هدية من حيوانات الباندا، ودعم الرئيس الصيني الظاهر مسعى ترمب إلى إعادة تسمية الذكاء الاصطناعي بالذكاء الفائق، لم يكشف أي من الطرفين عن خطط جوهرية جديدة بشأن الخلافات حول الذكاء الاصطناعي والصراع التجاري والحرب في إيران وقضية تايوان. فما أسباب عدم إحراز تقدم يذكر، ولماذا يراهن الجانبان على عامل الوقت، وما التغيير الذي طرأ على هذه القمة مقارنة بسابقاتها؟ 

منجزات محدودة

بعد ثلاثة أيام من زيارة الدولة التي غلفتها مظاهر من الأبهة والفخامة وكلمات الإطراء، غادر الرئيس الصيني شي جينبينغ وزوجته بنغ لي يوان واشنطن، مودعاً الرئيس ترمب وزوجته ميلانيا بكلمات الثناء، مؤكداً أنه وترمب بمثابة شخصين يرسمان مسار السفينة الكبيرة للعلاقات بين الصين والولايات المتحدة، وقد اتفقا على إضفاء مضمون جديد على العلاقات بين بلديهما، في وقت أشاد الرئيس الأميركي بالعلاقة الشخصية مع الرئيس الصيني، مشيراً إلى أن الاجتماع كان رائعاً وقائماً على الصداقة والقوة والنجاح، لكل من الصين والولايات المتحدة.

 

ومع ذلك، لم تحقق القمة سوى منجزات محدودة للغاية، فقد اكتفى الجانبان بتمديد الهدنة الهشة لمدة شهرين فقط، التي كانت قد خففت من حدة الحرب التجارية بينهما، كما صرح شي بأن الصين سترسل اثنين من حيوانات الباندا إلى حديقة حيوان أتلانتا، واتفق الجانبان على عقد لقاءين آخرين هذا العام، الأول في نوفمبر (تشرين الثاني) خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ (أبيك) في الصين، والثاني خلال اجتماع مجموعة الـ20 في فلوريدا بعد ذلك بشهر.

الدبلوماسية الشخصية

قد يبدو الأمر من الوهلة الأولى وكأنه فشل ذريع لدبلوماسية ترمب، لكن تحول الرئيس الأميركي نحو الدبلوماسية الشخصية وإدارة التوترات مع الرئيس الصيني بدلاً من الدفع نحو صراع فوري، يبدو كمزيج مدروس يجمع بين السياسة القائمة على مبدأ الصفقات، والحفاظ على الوضع الاقتصادي الهش، والمناورات الدبلوماسية.

ينظر ترمب إلى ديناميكيات العلاقة بين الولايات المتحدة والصين من منظور تجاري في المقام الأول، وبدلاً من المخاطرة بحدوث تداعيات اقتصادية جسيمة، يهدف إلى استخدام التواصل رفيع المستوى لانتزاع تنازلات اقتصادية، لا سيما في ما يتعلق بالصادرات الزراعية الأميركية، والوصول إلى الأسواق الصينية، والحفاظ على الهدنة القائمة بشأن الرسوم الجمركية، على اعتبار أن الدخول في صراع مباشر ينطوي على أخطار انهيار الأسواق المالية وتعطيل سلاسل التوريد الحيوية، وهو ما يتعارض مع أولوياته الاقتصادية.

ويعتقد ترمب أن الحفاظ على توقف موقت للمواجهة الحادة، من شأنه أن يمنح الولايات المتحدة وقتاً لمعالجة نقاط الضعف الحرجة في سلاسل التوريد، إذ إن واشنطن تعمل حالياً على تقليل الاعتماد على الصين في مجالات مثل المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، وإعادة توطين عمليات التصنيع الاستراتيجية، ويسهم خفض التصعيد الدبلوماسي الموقت في منع بكين من قطع إمدادات المواد الحيوية في الوقت الذي لا تزال خطوط التوريد، قيد التعزيز والتحصين كما يشير تقرير للمجلس الأطلسي.

 

يفسر ذلك، لماذا يعتمد ترمب بشكل كبير على العلاقات المباشرة بين القادة، وغالباً ما يبرز صداقته التي يصفها بالعظيمة مع شي جينبينغ، ويستخدم زيارات الدولة ومآدب العشاء الثنائية، كتكتيك لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، والحفاظ على نفوذه الشخصي، وإبقاء بكين في حالة عدم يقين بشأن التحركات الأميركية المستقبلية.

ومن خلال خفض التوترات موقتاً وطرح القضايا بمرونة، مثل تجميد صفقة مبيعات أسلحة ثانية لتايوان بقيمة 17 مليار دولار أو تعليق القيود التكنولوجية المفروضة على الصين، يحاول ترمب الاحتفاظ بعناصر استراتيجية مهمة لاستخدامها كأوراق مساومة في مفاوضات تجارية مستقبلية عالية المخاطر، مما يؤدي إلى كسب الوقت للتحرك، بدلاً من التوصل إلى حل دائم للمنافسات الاستراتيجية الكامنة.

مقاومة الضغوط الأميركية

من الواضح أن بكين لم تقدم أي تنازلات جوهرية خلال هذه القمة مثلما فعلت في قمة مايو (أيار) الماضي في بكين بين الرئيسين، ويعود ذلك إلى عوامل هيكلية وتكتيكية عدة تفسر قدرة الرئيس شي على مقاومة الضغوط الأميركية من دون تقديم تسويات مهمة، إذ تمتلك الصين نفوذاً اقتصادياً كبيراً على الولايات المتحدة بفضل احتكارها شبه الكامل معادن الأرض النادرة، وهي مواد أساسية للصناعات الأميركية عالية التقنية، والمركبات الكهربائية، والمعدات الدفاعية، ولا شك أن القيود التي فرضتها بكين سابقاً على صادرات المعادن الحيوية، شكلت رادعاً مباشراً ضد التصعيد الأميركي برفع الرسوم الجمركية، مما أدى فعلياً إلى تخفيف الموقف الأميركي لاحقاً، وتقليص قدرة ترمب على انتزاع تنازلات تجارية كبرى.

ومن خلال الاتفاق بين الجانبين على تمديد بسيط للهدنة التجارية لمدة شهرين أي حتى أوائل عام 2027، تجنبت بكين الموافقة على تغييرات هيكلية في مجالات التكنولوجيا أو تنظيم الذكاء الاصطناعي أو السياسة التجارية، وحققت هدفها الرئيس المتمثل في الحفاظ على الوضع الراهن من دون الرضوخ للمطالب الأميركية وتجنب فرض رسوم جمركية اقتصادية إضافية، مما يبرز مكانة الصين كقوة عالمية مكافئة، ويحافظ على الاستقرار الدبلوماسي. وعبر تركيز الصين على خطاب عام حول منع الصراع وبناء الاستقرار الاستراتيجي، خلق الرئيس شي جينبينغ أجواء بناءة أتاحت للطرفين تجنب الصراع المباشر من دون الحاجة إلى تقديم تنازلات فعلية في السياسات.

عامل الوقت

في ظل خلافات هيكلية عميقة بين البلدين تشمل القيود الأميركية الصارمة على تصدير الرقائق الأميركية فائقة التطور وأشباه الموصلات للصين، ومبيعات الأسلحة لتايوان، وتباين المواقف بشأن الصراعات الخارجية مثل الحرب في إيران، يخشى الجانبان التأثير على الأمن القومي، ونظراً لأن هذه الملفات تمثل خطوطاً حمراء غير قابلة للتفاوض بالنسبة لبكين، لم يكن لدى الرئيس الصيني حافز كبير أو مساحة سياسية لتقديم تنازلات بشأنها خلال قمة قصيرة الأمد.

وبدلاً من تسوية النزاعات طويلة الأمد، اختار الزعيمان تأجيل المفاوضات الشاقة، مما يتيح تأجيل القرارات الكبرى للصين من أجل كسب الوقت مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لمناقشات مستقبلية، في قمة مجموعة الـ20 المرتقبة في فلوريدا، مما أدى عملياً إلى ترحيل القضايا الأكثر إثارة للجدل إلى وقت لاحق.

يمنح هذا بكين الوقت اللازم للتعامل مع انهيار سوق الإسكان الذي أدى إلى تبخر مدخرات عشرات الملايين من الأسر الصينية، كما يمنحها أيضاً الوقت لمعالجة أزمات نقص السيولة لدى الحكومات المحلية، ومزيداً من الوقت لجعل الصين أقل عرضة للضغوط الاقتصادية من جانب الولايات المتحدة والدول الصناعية الأخرى.

وربما الأهم من ذلك كله، الوقت اللازم للتحضير للمؤتمر الوطني للحزب الشيوعي في الخريف المقبل، الذي يعقد مرة كل خمس سنوات، حيث سيتم اختيار قائمة جديدة من كبار القادة للعمل تحت قيادة الرئيس الصيني، ومن خلال محاولة تحقيق الاستقرار في العلاقات مع الولايات المتحدة، تستطيع الصين التركيز بشكل أفضل على أولوياتها الخاصة.

مساحة لالتقاط الأنفاس

منذ عودة الرئيس ترمب إلى السلطة العام الماضي، لم يكن لدى بكين أسباب تذكر لتوقع الحصول على مثل هذه المساحة لالتقاط الأنفاس، إذ بنى ترمب حملته الانتخابية على وعود بفرض رسوم جمركية باهظة للغاية على الواردات الصينية كجزء من مساعيه لإعادة بناء القاعدة الصناعية الأميركية، وبعد ثلاثة أشهر من توليه منصبه، رفع الرسوم الجمركية لفترة وجيزة لتصل إلى 145 في المئة، في حين فرضت إدارته قيوداً جديدة صارمة على تجارة التكنولوجيا مع الصين.

لكن المواجهة لم تتطور بالشكل الذي كانت تخشاه بكين في البداية، إذ أثبتت الصين أنها تمتلك أسلحتها الاقتصادية الخاصة، وأهمها هيمنتها على المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات الضرورية لتصنيع السيارات والإلكترونيات والأسلحة، وبعد أن قيدت بكين صادرات المعادن الأرضية النادرة إلى الولايات المتحدة، تراجعت واشنطن عن بعض إجراءاتها الأكثر حدة، إذ انخفضت الرسوم الجمركية عن مستوياتها القصوى، وخففت بعض قيود التصدير، وبدأت الحكومتان في التفاوض بشأن سلسلة من الهدن الموقتة.

علاقة أقل صدامية

على الرغم من أن سياسة حافة الهاوية الاقتصادية لا تزال مستمرة بين البلدين، لا سيما في الصناعات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات، فإن إدارة ترمب تحولت من نهج التصعيد الاستثنائي الذي اتسمت به أشهرها الأولى إلى علاقة أقل صدامية، إذ أظهرت الصين أنها قادرة هي الأخرى على إلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الأميركي.

ويرى آر نيكولاس بيرنز السفير الأميركي السابق لدى الصين في عهد الرئيس جو بايدن، الذي تولى مناصب عليا أيضاً في إدارة الرئيس جورج دبليو بوش، أن السياسة الأميركية الحالية ضعيفة للغاية وتتعارض مع آراء كبار القادة في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، إذ تتبع إدارة ترمب سياسة أقل صدامية تجاه بكين مقارنة بالنهج الذي يفضله كثيرون من قادة الحزبين.

ونتيجة لذلك، تراجعت حدة التوترات التجارية مع الولايات المتحدة كقضية ملحة في الصين، بعد أن كانت تبدو وكأنها تشكل تهديداً خطراً في بداية الولاية الثانية للرئيس ترمب، ومع ذلك، لم تبطئ بكين من مساعيها المستمرة لتقليل اعتمادها على بقية العالم في مجالي التكنولوجيا والطاقة.

ويبدو أن الصينيين يريدون الاستفادة من الوقت والاستقرار، لأن ذلك يساعدهم على بناء اقتصاد أكثر مرونة واعتماداً على الذات، إذ يمنحهم ذلك وقتاً لتقليل انكشافهم على الولايات المتحدة، كما يقول الأستاذ بجامعة جورج تاون إيفان ميديروس، المسؤول السابق عن ملف آسيا في مجلس الأمن القومي في إدارة الرئيس باراك أوباما.

على مدى عقدين من الزمن، اتبعت بكين سياسة ثابتة تهدف إلى استبدال الواردات عالية التقنية بمنتجات محلية الصنع، مما ساعد الصين لتصبح منتجاً مهيمناً لكل شيء، بدءاً من البطاريات والألواح الشمسية ووصولاً إلى معدات الاتصالات والمركبات الكهربائية، كما جعل هذا النهج الصين أقل عرضة للضغوط الاقتصادية الخارجية، في حين أصبحت الدول الصناعية الأخرى تعتمد بشكل متزايد على الإمدادات الصينية من المواد الخام الأساسية أو السلع المصنعة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انتهجت بكين استراتيجية مماثلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، إذ أسهمت استثماراتها الضخمة في المركبات الكهربائية وطاقة الرياح والطاقة الشمسية، فضلاً عن شبكة الكهرباء الوطنية، في تقليل اعتمادها على الوقود الأحفوري المستورد، مما ساعد في حماية الاقتصاد من تقلبات أسعار النفط ونقص الإمدادات الناجم عن الحرب في إيران.

وتستغل الصين فترة الهدوء في التوترات التجارية بشكل مثمر، فقد شهد فائضها التجاري الإجمالي ارتفاعاً كبيراً منذ عودة ترمب إلى السلطة، وهو في طريقه لمضاهاة أو تجاوز الرقم القياسي المسجل العام الماضي والبالغ نحو 1.2 تريليون دولار، وتوسع المصدرون الصينيون بسرعة في أسواق جنوب شرقي آسيا وأميركا اللاتينية وأسواق أخرى، مما قلل من اعتمادهم المباشر على الولايات المتحدة، حتى مع استمرار وصول عديد من السلع إلى المستهلكين الأميركيين عبر دول وسيطة.

ومع إعلان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت أن الصين والولايات المتحدة اتفقتا على تمديد الهدنة التجارية بينهما حتى الـ10 من يناير (كانون الثاني) المقبل، قد يعكس هذا التمديد القصير نسبياً تقديراً لدى بكين بأن موقفها التفاوضي ربما يتحسن بمرور الوقت، لا سيما إذا مني الحزب الجمهوري بهزيمة ساحقة في انتخابات التجديد النصفي، إذ تتغير فجأة شروط التفاوض، لأن ترمب سيجد نفسه في موقف دفاعي حرج.

عواقب تمديد الهدنة التجارية

يحمل تمديد الهدنة التجارية تداعيات واسعة النطاق على الاقتصاد العالمي، إذ يبدو أنه يتضمن تأجيلاً للخطط الصينية الرامية لفرض قيود أكثر صرامة على المعادن الأرضية النادرة، وهي مواد تستخدم على نطاق واسع في مكونات السيارات، وأشباه الموصلات، وتوربينات الرياح، والهواتف الذكية، وشاشات الحواسيب، وأجهزة الليزر، والطائرات المسيرة، ومئات التقنيات الأخرى، بما في ذلك المعدات العسكرية.

ولأن الصين أصدرت سابقاً لوائح للرقابة على الصادرات تمنحها الحق، بدءاً من 10 نوفمبر، في الموافقة على أي عملية نقل عبر الحدود لأي منتج تدخل المعادن الأرضية النادرة الصينية في تكوينه بنسبة لا تقل عن 0.1 في المئة من قيمته، أثارت هذه القاعدة المرتقبة قلقاً عالمياً خصوصاً في أوروبا، حيث حذرت شركات تصنيع السيارات هناك من أن مجرد نقل مقعد سيارة من مصنع في بولندا إلى مصنع لتجميع السيارات في ألمانيا قد يتطلب الحصول على إذن من الصين.

كما أن القواعد الصينية المؤجلة ستؤدي إلى توسيع نطاق الرقابة على الصادرات ليشمل خمسة أنواع إضافية من المعادن الأرضية النادرة التي لم تكن تخضع لرقابة الصين من قبل ما يجعل هذا التمديد القصير عاجزاً عن معالجة مخاوف مجتمع الأعمال الأوروبي في ما يتعلق بإيجاد حلول تحقق الشفافية والقدرة على التنبؤ، وهما أمران بالغا الأهمية لتخطيط الأعمال.

تحديات أخرى

إضافة إلى تمديد الهدنة التجارية، لم تحسم بكين عديداً من المطالبات الأميركية، إذ لم تؤكد الصين علناً أو توافق رسمياً على آلية الإخطار المقترحة للذكاء الاصطناعي التي اقترحها وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والتي تعد بمثابة قناة تنبيه للإبلاغ عن الحوادث المتعلقة بالذكاء الاصطناعي العابرة للحدود والتي قد تؤثر على الأمن القومي، ففي حين أبدى المسؤولون الأميركيون تفاؤلاً بشأن انخراط الصين في هذه المبادرة، أفادت وسائل الإعلام الرسمية ومسؤولون صينيون بإجراء مناقشات وصفت بأنها صريحة ومعمقة وبناءة حول إدارة أخطار الذكاء الاصطناعي، من دون تأكيد الموافقة الصريحة على إطار عمل الإخطار المقترح.

وعلى الرغم من تأكيد ترمب مجدداً موافقة الصين على شراء 200 طائرة ركاب من طراز "بوينغ"، مصوراً الأمر كصفقة فعلية تدعم وظائف التصنيع الأميركية، فإنه مع إحراز شركات الطيران الصينية تقدماً بطيئاً نحو إتمام طلبيات مؤكدة لهذه الطائرات، تجنبت بكين الالتزام بجداول زمنية محددة للتسليم أو تقديم ضمانات علنية ملزمة.

وبينما التزمت الصين أهداف استيراد فول الصويا منذ الإعلان عن هذا الاتفاق في مايو الماضي إلا أن حجم المشتريات الزراعية الأوسع نطاقاً لا يزال دون مستوى الـ17 مليار دولار المتفق عليها.

يبقي هذا كله للصين ورقة ضغط تجارية مهمة، مع إبقاء الباب مفتوحاً لمواصلة المفاوضات بشأن ضوابط تصدير الرقائق الإلكترونية وقيود المعادن الأرضية النادرة.

مؤشر إلى تدهور العلاقات

عندما زار الزعيم الصيني شي جينبينغ الولايات المتحدة عام 2015 في أول زيارة رسمية له، اصطحب معه وفداً من كبار المديرين التنفيذيين الصينيين للقاء نظرائهم الأميركيين، وعلى رغم أن الخلافات حول حقوق الإنسان والهجمات السيبرانية والتجارة كانت تضع العلاقات تحت ضغط شديد، فإن واشنطن وبكين كانتا لا تزالان تتشاركان مصلحة مشتركة لا يمكن إنكارها وهي تحقيق الأرباح في أسواق كل منهما.

لكن بعد مرور عقد كامل، لم يحضر أي من كبار المديرين التنفيذيين الصينيين البارزين مأدبة العشاء الرسمية التي أقيمت في البيت الأبيض مساء الخميس الماضي، وهو ما تعد إميلي كيلكريس، مسؤولة العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين في مركز الأمن الأميركي الجديد، مؤشراً محبطاً للغاية إلى مدى تدهور العلاقات في ظل العجز عن التوصل إلى اتفاقات تجارية مهمة.

تغير جذري

كان غياب قادة الأعمال الصينيين دليلاً صغيراً، ولكنه معبر عن مدى التغير الجذري الذي طرأ على العلاقات الاقتصادية بين البلدين، ففي عام 2015، كان من بين المرافقين للرئيس شي في رحلته مسؤولون تنفيذيون بارزون في قطاع التكنولوجيا، بمن فيهم جاك ما، مؤسس شركة "علي بابا"، وبوني ما، مؤسس شركة "تنسنت"، إذ كانت شركاتهما تتوسع بسرعة، وكان الجانبان يريان فرصاً هائلة في تعميق الروابط التجارية، لكن تلك الحقبة ولت على ما يبدو.

منذ بداية الولاية الأولى للرئيس ترمب، تبادل البلدان فرض موجات من الرسوم الجمركية، إذ قيدت واشنطن فرص الوصول إلى بعض أكثر التقنيات الأميركية تطوراً، وحدت من الاستثمارات الأميركية في قطاعات محددة من صناعة التكنولوجيا المتقدمة في الصين، كما فرضت الولايات المتحدة رسوماً جمركية بنسبة 100 في المئة وقيوداً على المركبات الصينية المتصلة بالإنترنت، مما جعل دخول السيارات الكهربائية الصينية إلى السوق الأميركية أمراً غير مجد مالياً.

في المقابل، ردت بكين بفرض قيود تجارية خاصة بها، شملت ضوابط على صادرات المعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات المصنوعة منها، وفي الوقت ذاته، تحولت الشركات الصينية من مجرد عملاء وشركاء محتملين للشركات الأميركية إلى منافسين أشداء لها.

كما أن عديداً من أبرز رواد الأعمال في الصين ينتمون إلى قطاعات مثل الذكاء الاصطناعي والروبوتات والمركبات الكهربائية، وهي التقنيات ذاتها التي تتنافس عليها واشنطن وبكين بأقصى درجات الحدة.

عقبات مختلفة

كانت هناك أيضاً عقبات مختلفة تواجه بعض الشركات الصينية البارزة، مما يجعل ظهورها في مأدبة عشاء رسمية بالبيت الأبيض أمراً محفوفاً بالمخاطر السياسية، ففي يونيو (حزيران)، أدرجت وزارة الدفاع الأميركية شركتي "علي بابا" و"بي واي دي" ضمن قائمتها الموسعة للشركات التي صنفتها على أنها شركات عسكرية صينية، مما يعني أن البعض قد ينظر إلى اصطحاب هذه الشركات باعتباره خطوة استفزازية كما تقول إيلاريا مازوكو، نائبة مدير في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية والمتخصصة في قطاع الأعمال والاقتصاد الصيني، ولهذا عبر الرئيس شي عن أمله في أن تعامل الشركات الصينية بإنصاف في الولايات المتحدة.

وعلى رغم أن الشركات الأميركية لم تتخلّ عن الصين، فإنها تواجه صعوبة في منافسة نظيراتها الصينية، فقد خسرت شركات صناعة السيارات الأميركية حصة سوقية لصالح الشركات الصينية المصنعة للسيارات الكهربائية، وتواجه "أبل" منافسة شرسة من "هواوي"، بينما تصارع "نايكي" علامات تجارية صينية تزداد شعبيتها باطراد.

ومع ذلك، تظل الصين سوقاً ضخمة وجزءاً متجذراً بعمق في منظومة التصنيع العالمية، مما يجعل من الصعب على عديد من الشركات الأميركية تجاهلها. وقد أظهر استطلاع للرأي أجراه "مجلس الأعمال الأميركي - الصيني" أن 80 في المئة من الشركات الأميركية لا تزال تعد السوق الصينية "مهمة للغاية" أو "مهمة" نظراً لحجمها وبيئتها الصناعية المتكاملة.

أما بالنسبة للشركات الصينية، فقد أصبحت الحسابات المتعلقة بالولايات المتحدة مختلفة تماماً، إذ أدت الرسوم الجمركية، والتدقيق السياسي، وقيود الاستثمار، وقواعد الأمن القومي إلى جعل دخول السوق الأميركية أو التوسع فيها أمراً بالغ الصعوبة، لا سيما بالنسبة للشركات العاملة في القطاعات الاستراتيجية.

اختلال توازن العلاقة

ويرى يورغ ووتكي، الشريك في مجموعة "ألبرايت ستونبريدج الاستشارية" ومقرها واشنطن أن رؤية هذا العدد الكبير من المديرين التنفيذيين الأميركيين وهم يُظهرون خضوعاً تاماً للرئيس الصيني في إشارة تعبيرية توحي بالتبعية، سلط الضوء على مدى اختلال توازن العلاقة بين الطرفين، إذ لا توجد أي جهة صينية مهتمة بممارسة الأعمال التجارية في أميركا، لأن ذلك غير ممكن، وهو ما يجعل قادة الأعمال الصينيين غير راغبين في تضييع وقتهم، بينما يرغب الأميركيون في العمل والاستفادة من السوق الصينية.

المزيد من تحلیل