ملخص
أبدى نقيب محامي شمال القاهرة عمرو محيي الدين، تخوفه من أن تؤدي رسوم منظومة "التقاضي عن بعد" إلى رفع الكلفة على المواطنين، بالتالي قد يلجأ بعضهم إلى استيفاء حقوقهم خارج إطار القانون، معتبراً أن غالبية المحامين غير قادرين على سداد رسوم التقاضي الجديدة بسبب الظروف المعيشية الصعبة.
قبل أيام من تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد مطلع الشهر المقبل، أعلنت وزارة العدل المصرية إطلاق منصة رقمية للمحامين، لكن أسعار الخدمات التي تقدمها المنصة أثارت اعتراضات عديدة من محامين يرونها "غير دستورية"، وقد تؤدي إلى "تسليع العدالة بدلاً من تسهيلها".
وتتيح المنصة الجديدة للمحامين حضور جلسات بعض القضايا عن بعد، والاطلاع على ملفات القضايا، والحصول على صور محاضر الجلسات إلكترونياً، وإخطارهم بقرارات وأحكام محاكم الجنايات فور صدورها عبر رسائل على هواتفهم المحمولة، وذلك بهدف "اختصار زمن إجراءات الدعوى الجنائية وتوفير الوقت والجهد من دون الحاجة إلى الحضور بمقار المحاكم"، وفق بيان لوزارة العدل.
إلا أن كلفة تلك الخدمات هو ما أثار اعتراض قطاع كبير من المحامين وممثليهم في النقابة العامة والنقابات الفرعية، إذ تبلغ كلفة اشتراك المحامي في المنصة 500 جنيه (10 دولارات) سنوياً، إضافة إلى دفع 2500 جنيه (50 دولاراً) للحصول على خدمة "الباقة" للرسائل الخاصة بالأحكام، فيما يدفع 500 جنيه نظير حضور أية جلسة إلكترونياً في دعوى جنايات و300 جنيه لدعاوى الجنح، وذلك في الجلسة الواحدة، و100 جنيه لحضور جلسة تجديد الحبس، في حين تبلغ كلفة التصوير الضوئي لأوراق الدعاوى 10 جنيهات عن كل صفحة، مما يعني أن دعوى قضائية تحتوي على ألف ورقة يتكلف تصويرها 10 آلاف جنيه (200 دولار).
من يتحمل الكلفة الجديدة؟
وعلى رغم أن الرسوم يدفعها المحامي إلا أن الكلفة النهائية ستكون على المواطن أو "الموكل"، وفق التعبير القانوني، إذ أبدى نقيب محامي شمال القاهرة عمرو محيي الدين، تخوفه من أن تؤدي رسوم منظومة "التقاضي عن بعد" إلى رفع الكلفة على المواطنين، بالتالي قد يلجأ بعضهم إلى استيفاء حقوقهم خارج إطار القانون، معتبراً أن غالبية المحامين غير قادرين على سداد رسوم التقاضي الجديدة بسبب الظروف المعيشية الصعبة.
يقول محيي الدين، لـ"اندبندنت عربية"، إن القلق الأكبر بين جموع المحامين ينحصر في صعوبة تطبيق منظومة التقاضي الجديدة جراء ضعف البنية التحتية واللوجيستية في المحاكم المختلفة، وكذلك عدم استعداد المحامين وإمكان تحملهم للكلفة الجديدة سواء عبر امتلاك أجهزة حديثة أم دفع رسوم كبيرة للحصول على الإنترنت، مشيراً إلى أن تطبيق التقاضي عن بعد أغفل جانباً تشريعياً يتعلق بتعديل قانون المرافعات ليتضمن مواد تنظم إجراءاته ومواعيده الإجرائية، واصفاً قرار الرسوم الجديدة بأنه "غير دستوري"، لأنه صدر بقرار لا بقانون، كما تنص المبادئ الدستورية.
وتنص المادة 38 من الدستور على أن القانون يحدد "طرق وأدوات تحصيل الضرائب والرسوم وأي متحصلات سيادية أخرى، وما يودع منها في الخزانة العامة للدولة".
وبعد يوم واحد من إطلاق المنصة، أقام محامون، من بينهم المرشح الرئاسي السابق خالد علي، دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري ضد وزير العدل، للطعن على رسوم الاستفادة بخدمات "منصة خدمات المحامين الرقمية للتقاضي الجنائي عن بعد"، وأكد مقدمو الطعن أن الرسوم لم يصدر بها قرار من البرلمان.
كانت وزارة العدل قد أكدت عبر صفحتها على "فيسبوك" أن خدمات منصة المحامين اختيارية لا إجبارية بهدف "التيسير على المحامين"، إلا أن الطعن القضائي ذكر أن التعامل مع منصة التقاضي الرقمي سيكون "السبيل الوحيد المتاح أمام المحامين لممارسة مهنتهم والدفاع عن موكليهم في التحقيقات وجلسات التقاضي عن بعد"، كما أكدوا أن تطوير القضاء لا يجب أن يكون ذريعة لفرض أعباء إضافية "خارج أطر الشرعية وسيادة القانون".
وبدأ العمل في "المنصة الرقمية للتقاضي الجنائي عن بعد" في نهاية أغسطس (آب)، عقب إطلاقها من وزارة العدل.
هل البنية التحتية جاهزة؟
يرى المحامي بالنقض أحمد مصطفى أن تطبيق منظومة "التقاضي الجنائي عن بعد" تثقل كاهل المحامين والمتقاضين، مضيفاً أن الرسوم التي وصفها بالمرتفعة للتسجيل على المنصة ستصبح عبئاً في المقام الأول على المواطنين، ولن يتحملها المحامي، مما يحد من قدرة المواطنين على اللجوء إلى القضاء لاستيفاء حقوقهم.
وتنص المادة 97 من الدستور المصري على أن "التقاضي حق مصون ومكفول للكافة، وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضي، وتعمل على سرعة الفصل في القضايا، ويحظر تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء".
واعتبر مصطفى في حديثه، لـ"اندبندنت عربية"، أن تطبيق المنظومة الجديدة يصطدم بتحديات عدة، أبرزها احتمالية انقطاع الإنترنت وقت انعقاد الجلسات الإلكترونية عبر "الفيديوكونفرانس"، مما قد يعطل المحامي عن مرافعته أو استكمال استجواب الشهود وغيرها من الحالات الأخرى، ولفت إلى أن بعض المحامين من كبار السن ليس لديهم القدرة على استخدام الإنترنت بصورة محترفة، مما يشكل عبئاً عليهم في تمثيل موكليهم.
وتوقع أن ترتفع أتعاب المحامين إلى الضعف في الأقل في ظل دفعهم رسوماً للاشتراك في المنصة ورسوم لحضور الجلسات وتصوير الأوراق، وكذلك الاشتراك في باقة إنترنت ذات سعة كبيرة، تفادياً لأي عطل محتمل خلال الجلسة، حرصاً على مصلحة موكله.
الجلسات العرفية الخيار البديل
وأشار إلى أن الكلفة المرتفعة لحق التقاضي قد تدفع المواطنين إلى الجلسات العرفية، لحل مشكلاتهم عبر تسويات ودية تتجنب اللجوء إلى المحاكم.
ولم تكن رسوم منصة التقاضي عن بعد الأولى في زيادات كلفة التقاضي خلال السنوات الأخيرة، إذ ازدادت كلفة عدد من الإجراءات، وأثارت اعتراضات سابقة من المحامين، وآخرها العام الماضي حين أضرب المحامون عن العمل ونظموا وقفات احتجاجية اعتراضاً على زيادة قيمة الخدمات المقدمة في المحاكم بداعي "ميكنة" الخدمات.
ووفق دراسة لـ"المرصد المصري للصحافة والإعلام"، فقد أدت زيادة الرسوم القضائية خلال الأعوام الأخيرة إلى تراجع عدد الدعاوى القضائية المنظورة أمام المحاكم المصرية من 15 مليوناً عام 2019 إلى ما يقارب 11 مليون دعوى عام 2022.
ولم يستبعد المحامي والباحث القانوني عبدالرازق مصطفى أن يتسبب ارتفاع رسوم التقاضي في تفشي الجلسات العرفية خاصة بالمحافظات، وهو ما يضيع حقوق الضعفاء منهم على رغم كفالة الدستور لحق التقاضي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتوقع مصطفى أن الرسوم الجديدة ستزيد الكلفة على المتقاضين بصورة كبيرة، لافتاً إلى أن الأزمة الأكبر تتعلق بفئة "غير القادرين" على التقاضي، إذ إن ارتفاع الرسوم سيقلل من مبادرات المحامين للتطوع دفاعاً عنهم.
أما عن انعكاسات القرار على المحامين، فأوضح لـ"اندبندنت عربية" أن هناك قلقاً كبيراً بين المحامين من عدم قدرة "السيستم" على تحمل عدد القضايا اليومية التي تنظرها المحاكم، موضحاً أن التسجيل على منصة وزارة العدل إجباري، لكن هناك ضبابية تتعلق بمصير المرافعات سواء إلكترونياً أم في المحاكم.
ووصلت أصداء الاعتراضات إلى البرلمان، إذ تقدم عضو مجلس النواب بسام الصواف بسؤال برلماني في شأن التوسع في فرض الرسوم القضائية، وقال في تصريحات تلفزيونية إن التقاضي عن بعد يثير تساؤلات حول مدى جاهزية البنية التحتية، إضافة إلى التساؤل في شأن ماذا لو لم يقدر المواطن على دفع مقابل الخدمات، وهو ما قد يصعب وصوله للقضاء ويخالف مبدأ إتاحة الحق في التقاضي المكفول دستورياً.
كما تساءل عضو مجلس النواب ياسر الهضيبي عن السند القانوني لإقرار الرسوم الجديدة، مؤكداً أنها ستؤدي إلى زيادة الأعباء على المواطن في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة حالياً، بحسب تعبيره في تصريحات تلفزيونية، كما تساءل في شأن جاهزية البنية التحتية لتطبيق منظومة التقاضي الرقمي.