ملخص
بعد أن أنقذها بيديه من تحت أنقاض بيته ومكتبته في بيت لاهيا، تحوّل محمد سعد من بائع كتب إلى "حارس للذاكرة" المكتوبة وسط غزة.
في الليل، حين تهدأ مدينة دير البلح، لا يعود محمد سعد لبيت، وإنما يمد جسده داخل خيمة، وبين جانبيه تنتشر آلاف الكتب، بعضها مكدس فوق بعض، وبعضها موضوع في أكوام، هنا ينام وهنا يقضي أيامه أيضاً، محاطاً بما بقي من مكتبة جمعها على مدى ثلاثة عقود.
قرابة 30 ألف كتاب، يقول سعد إنه تمكن من انتشالها من تحت ركام منزله ومكتبته في بيت لاهيا شمال القطاع، أصبحت الآن أمانة في مكان لا يشبه المكتبة التي كانت تعيش فيها من قبل، وتنتشر وتتكدس في خيمة، لذلك اختار أن يبقى إلى جوارها.
ينظف ما يمكن تنظيفه، ويرتب الكتب ويراقب حالها، وفي الليل ينام قربها، لم يعد لديه بيت ولا مكتبة ولا رفوف تحيط بها، ولا غرفة مغلقة تحمي الورق من الرطوبة والغبار، حيث باتت هذه الكتب تعيش نزوحها الخاص داخل خيمة قماشية، وبات هو حارسها الذي يقتسم معها الهواء والمكان والشتاء.
لكن هذه الكتب لم تصل إلى دير البلح بالصدفة، قبل أن تصبح مكدسة تحت سقف من القماش، فقد كانت جزءاً من مكتبة ضخمة داخل منزل سعد في بيت لاهيا، وعندما عاد لمدينته بعد نزوحه، وجد المنزل الذي أمضى فيه أعوام حياته مدمراً، والكتب التي جمعها طوال عقود مدفونة تحت الركام.
على أنقاض بيته تجاهل سعد أثاث المنزل ومقتنياته التي يمكنه انتشالها، وأخذ يبحث عن الكتب، وكان كل كتاب يخرج من بين الركام، يعني أن شيئاً من المكتبة لم يختف بالكامل.
وبحسب رواية سعد، استمرت عملية الانتشال أسابيع بمساعدة من جيرانه، حتى تمكن من إخراج نحو 30 ألف كتاب ونقلها إلى دير البلح.
لكن إنقاذها من الركام لم يكن نهاية القصة، فالكتب التي نجت من القصف وانهيار المبنى، وجدت نفسها في مواجهة خطر آخر، وهو البقاء في خيمة في ظروف لا تلائم الكتب.
لم يرد سعد أن تبقى هذه الكتب حبسية خيمة، إذ أعاد فتحها أمام الناس، فأنشأ مساحة موقتة أطلق عليها اسم "مكتبة أثر"، وبدأ القرّاء في الوصول إليها للبحث عن رواية أو كتاب تاريخ أو قصة.
لكن كي نفهم لماذا عاد سعد للركام بحثاً عن الكتب قبل أي شيء آخر، ولماذا قضى نحو ثلاثة عقود في جمعها أصلاً، علينا أن نعود لما قبل الحرب، للأعوام التي لم تكن فيها هذه الكتب أكواماً تحت خيمة، بل مكتبة تتسع عاماً بعد عام.
مكتبة بدأت قبل الحرب بـ 36 عاماً
قبل 36 عاماً، كان محمد سعد قد بدأ طريقاً مختلفاً، لم يكن يعرف أنه سيقوده في النهاية إلى النوم داخل خيمة محاطة بآلاف الكتب التي أنقذها من أنقاض منزله، ويقول "بدأت جمع الكتب والاهتمام بها وأنا في الـ24، ومنذ ذلك الوقت أصبح الكتاب عملي واهتمامي اليومي، أشتري الكتب وأبيعها وأتنقل بها بين مناطق مختلفة في قطاع غزة، قبل أن أدشن مكتبة كبيرة داخل منزلي في بيت لاهيا".
لم يكن طريقه إلى عالم الكتب يمر عبر مؤسسة ثقافية، فبحسب روايته، توقف سعد عن الدراسة في الصف السادس، لكنه أمضى قرابة نصف حياته بين الكتب، كان يجمعها كتاب وراء آخر، ومجموعة تضاف إلى أخرى، حتى تحولت المهنة التي بدأها في شبابه إلى مكتبة ضخمة.
يضيف سعد "كنت أملك قبل الحرب ما بين 80 ألفاً و100 ألف كتاب قبل أن تتحول مكتبتي إلى ركام، كانت الكتب موزعة في مبنى العائلة المكون من أربعة طوابق، الذي جمع بين المنزل ومخزن الكتب والمكتبة، وبمرور الوقت أصبح المكان أشبه بمستودع كبير، مئات الصناديق والرفوف والعناوين التي تراكمت".
كان سعد مستعداً لإنقاذ كتاب واحد من تحت الركام إن استطاع، وهذه العلاقة تفسر شيئاً مما حدث لاحقاً، فعندما نشبت الحرب واضطر الرجل إلى النزوح وترك بيت لاهيا، لم يأخذ معه سوى ما استطاع حمله، بينما بقيت عشرات آلاف الكتب.
ومع تدمير المنزل دُفنت المكتبة الضخمة تحت أربعة طوابق من الركام، ولهذا فعندما عاد سعد للمكان لم تكن أولويته استعادة ما يمكن استعادته من أثاث المنزل أو مقتنياته الشخصية، بل كان يبحث عن الكتب.
هنا تتغير طبيعة الحكاية، فلم يعد السؤال كم كتاباً كان يملك سعد قبل الحرب، وإنما كم كتاباً استطاع أن ينقذ بعدما دُفنت مكتبته تحت الأنقاض؟ والإجابة التي يقدمها هي قرابة 30 ألف كتاب، لكن الرقم مهما كان كبيراً، فهو وحده لا يخبرك ماذا يعني أن تقف أمام أربعة طوابق من الركام ثم تنقذ 30 ألف عنوان.
العودة لبيت لاهيا
بعد عام ونصف العام من النزوح، عاد محمد سعد للمكان الذي كان يضم منزله ومخزن كتبه ليجد المبنى مدمراً، والكتب التي جمعها طوال عقود مدفونة تحت كتل الأسمنت والحديد والركام، يقول "كانت المكتبة، بكل ما تضمه، مختلطة بالأنقاض".
بدأ يرفع الركام ويستخرج الكتب التي يعثر عليها، ثم ينقلها إلى دير البلح، وقد أمضى ثلاثة أيام في إزالة الأسمنت والحديد بيديه، بينما كان إطلاق النار مستمراً في محيط بيت لاهيا، واستغرقت فترة انتشال الكتب أسابيع عدة.
كتاباً بعد آخر، كانت المكتبة تخرج من مكانها القديم مختلفة في حالها، بعضها أمكن إنقاذه وبعضها تعرض للغبار والتلف، ولم يكن أمام سعد سوى نقلها إلى دير البلح ليحافظ عليها، ووجودها في دير البلح لا يعني أنها أصبحت في أمان، فالمكان المفتوح عرضها للشمس، وبدأت عوامل الطقس تهدد ما نجا أصلاً من انهيار المنزل.
الوصول إلى الخيمة لا يعني أن عملية الإنقاذ انتهت، فالسؤال لم يعد فقط كم كتاباً استطاع سعد أن يخرج من تحت الركام؟ بل أي نوع من الكتب نجا؟ وما حالها بعد أن عاشت تحت الركام ثم الشمس والرطوبة والغبار؟
قصة الـ 30 ألف كتاب
النجاة من الركام لم تكن نهاية ما تعرضت له الكتب، فبعضها خرج مغبراً ومصاباً بآثار الدمار، وبعضها وجد نفسه بعد ذلك في ظروف تخزين لا تشبه تلك التي تحتاج إليها الكتب، كي تبقى أعواماً أخرى، وفي الخيمة التي أقامها في دير البلح، تظهر بين الكتب عناوين تتناول القضية الفلسطينية والأدب والتاريخ والعلوم والفلسفة، وهي مواد لم تعد بالنسبة إليه مجرد بضاعة يعرضها للبيع، وإنما جزء مما استطاع إخراجه من المكان الذي كان بيته ومكتبته في آن.
وحتى بعد إخراجها من الركام، لم تدخل الكتب إلى مكان آمن بالمعنى التقليدي، ففي البداية عرض سعد ما أنقذه على الرصيف في دير البلح، لكن الشمس بدأت تؤثر في بعضه، فالحرارة والرطوبة والضوء والغبار يمكن أن تصبح مع مرور الوقت عوامل تلف بطيء للكتب.
بالنسبة إلى سعد، بعد أن خرجت الكتب من تحت الخرسانة والحديد، أصبحت مسؤوليته حمايتها من الشمس والغبار والرطوبة وتقلبات الطقس، في مكان لا توجد فيه رفوف مكتملة ولا غرفة مجهزة لحفظ عشرات آلاف الكتب، ولحفظها بات سعد يحرص على تنظيفها وترتيبها وإبعادها من الشمس والماء والغبار، ثم يبيت بين الكتب التي أنقذها، وفي اليوم التالي يسأل نفسه "هل أستطيع أن أعيد لها حياتها التي كانت عليها قبل الحرب؟".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مكتبة "أثر"
داخل خيمة سعد تمتد العناوين أمام الزائر، فيتصفح بعضها، ويسأل عن بعضها الآخر، ثم يقرر إن كان سيشتريه أو يستعيره أو يكتفي بالقراءة، لتشكل المجموعة مكتبة موقتة، وقد أطلق سعد على مكتبته الجديدة اسم "أثر"، ولم تكن الفكرة بالنسبة إليه مجرد مكان لعرض ما بقي من مجموعته، يقول "ما أريده أن تظل الكتب متاحة للناس، حتى في الظروف التي جعلت الوصول إلى المكتبات والكتب أكثر صعوبة في غزة".
إبراهيم أبو عمشة، أحد الذين وصلوا إلى الخيمة بحثاً عن الكتب، يقول "جئت لتصفح العناوين واختيار ما يناسبني، أهتم بالروايات والتاريخ الفلسطيني وكتب الأطفال، والحقيقة أن العثور على كتاب أمر غير متاح كما كان من قبل، بعدما تضررت مكتبات كثيرة وأصبح الوصول إلى الكتب أكثر صعوبة".
وبالنسبة إلى سعد، فإن عودة الكتب للقارئ هي المرحلة التي تكتمل فيها قيمة الكتاب، وفي هذه المساحة الصغيرة لا تستعيد غزة مكتبتها القديمة، لكن بعض ما بقي منها وجد طريقه مرة أخرى إلى القراء، وهنا تتجاوز قصة سعد حدود مكتبته الشخصية، إلى ماذا حدث للمكتبات الأخرى في غزة؟
حين فقدت غزة مكتباتها
ما حدث لمكتبة محمد سعد لم يكن حالاً منفردة، ففي أنحاء أخرى من القطاع، كانت مكتبات عامة وجامعية ومؤسسات ثقافية تواجه المصير ذاته، بينما اختفت مجموعات كاملة من الكتب والوثائق تحت الأنقاض، وبحسب وزارة الثقافة الفلسطينية، كانت غزة تضم قبل الحرب 87 مكتبة عامة ومؤسسة تابعة لها تعرضت جميعها لتدمير ساحق، إضافة إلى تضرر المؤسسات الثقافية والجمعيات والمراكز المسجلة لديها، وتدمير أو تضرر عدد من دور النشر والمطابع.
لكن الصورة الأوسع تتجاوز المكتبات وحدها، فـ"يونيسكو" وثقت أضراراً لحقت بـ 164 موقعاً ثقافياً في قطاع غزة، وتشمل القائمة مباني تاريخية وفنية ومتاحف ومواقع أثرية ومستودعات للممتلكات الثقافية، ومواقع دينية ونصباً تذكارية.
وتقول رئيسة "المجلس الدولي للأرشيف"، جوسلين كيربس، إن "الأرشيفات والوثائق والمجموعات المكتوبة في غزة تشكل التراث الثقافي الذي لا يمكن استبداله، وتدميرها يلامس بصورة مباشرة حق الشعوب في حفظ ذاكرتها وتاريخها، وإعادة بناء مجتمعاتها بعد النزاعات".
وبينما يواصل محمد سعد في دير البلح ترتيب الكتب التي استطاع انتشالها من بين أنقاض مكتبته، كانت هناك كتب ووثائق ومخطوطات أخرى لم تجد من يصل إليها في الوقت المناسب.