ملخص
اجتمع ترمب وشي آخر مرة على مأدبة عشاء رسمية في بكين منتصف مايو، في إطار قمة سريعة اتسمت بكثير من المظاهر الاحتفالية، لكنها افتقرت في نهاية المطاف إلى نتائج ملموسة، ويتوقع عديد من المراقبين للشأن الصيني نتيجة مماثلة هذه المرة.
يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ إلى تعزيز استقرار التجارة وتحقيق مكاسب اقتصادية، لكن هذه الأهداف قد تتعثر بسبب الجدل المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي، إلى جانب التغييرات في الرسوم الجمركية الأميركية وعملية العقوبات المرتبطة بالحرب على إيران.
ومن المتوقع أن يسعى الزعيمان إلى إيجاد سبل لتعزيز الهدنة التجارية الهشة بين البلدين، عندما يلتقيان في واشنطن في ثاني قمة تجمعهما وجهاً لوجه هذا العام.
وعلى الرغم من بوادر حسن النية التي أحاطت بالتحضيرات للقمة، يواصل الجانبان تبادل الاتهامات واتخاذ إجراءات تجارية انتقامية.
وقال وزير الخزانة سكوت بيسنت إن "الاحترام الكبير" الذي يكنّه ترمب وشي لبعضهما البعض ينعكس على المفاوضات الأوسع بين الولايات المتحدة والصين. لكنه أشار بعد ذلك إلى أن "لدينا بعض الالتزامات التي لم تنفذ بالكامل" من جانب الصين، في إطار اتفاق تجاري توصل إليه ترمب وشي في بوسان بكوريا الجنوبية قبل نحو عام.
وأعرب عدد من المحللين المتخصصين في الشأن الصيني عن مخاوفهم بشأن الترتيب الدبلوماسي غير المعتاد الذي يتسم بقدر كبير من المركزية بين القوتين الاقتصاديتين العظميين.
وقالت كلير ريد، الزميلة البارزة في كرسي أمناء الأعمال والاقتصاد الصيني لدى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن "عدداً من وجهات النظر المتناقضة يبدو أنها تتنافس في ما بينها"، إذ يحدد ترمب "النهج العام" تجاه الصين، "بينما يسمح بحدوث مزيد من الإجراءات السلبية على الهامش".
وتأتي القمة قبل أقل من ستة أسابيع على انتهاء دورة انتخابية أميركية تركزت إلى حد كبير على مخاوف الأميركيين بشأن تكاليف المعيشة.
ويواجه ترمب، الذي تراجعت معدلات تأييده في استطلاعات الرأي بشأن هذه القضية الرئيسة إلى مستويات منخفضة جديدة، حافزاً أكبر للخروج من القمة مع شي معلناً عن نوع من الاتفاق الاقتصادي.
ما وضع العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين؟
شهدت حرب التجارة المتصاعدة في العام الماضي رفع القوتين الاقتصاديتين العظميين الرسوم الجمركية على سلع بعضهما البعض إلى مستويات قياسية؛ إذ بلغت الرسوم الأميركية على الواردات الصينية ذروتها عند 145 في المئة، بينما وصلت الرسوم الانتقامية التي فرضتها بكين إلى 125 في المئة.
وجرى خفض هذه الرسوم في مايو (أيار) 2025، بعدما توصل المفاوضون التجاريون في سويسرا إلى اتفاق مؤقت، ثم جرى تمديده في منتصف أغسطس (آب). وبعد ذلك، توصل ترمب وشي إلى اتفاق في بوسان أدى إلى مزيد من تقليص الإجراءات التجارية المتبادلة بين البلدين.
وبموجب ذلك الاتفاق، وافقت الصين على تعليق ضوابط تصدير المعادن الأرضية النادرة وشراء منتجات زراعية أميركية، في حين خفضت الولايات المتحدة بعض الرسوم الجمركية وعلقت إجراءات انتقامية تجارية أخرى. وكان من المقرر أن يستمر الاتفاق لمدة عام، على أن ينتهي في الـ10 من نوفمبر (تشرين الثاني)، أي بعد أسبوع من الانتخابات الأميركية، ما لم يتم تمديده.
وعلى الرغم من التهدئة، فلا يزال البلدان يفرضان رسوماً جمركية مرتفعة على سلع بعضهما البعض، وفقاً لتحليلات متعددة. واعتباراً من يوليو (تموز)، بلغ معدل الرسوم الجمركية الفعلي على المنتجات الصينية 22.8 في المئة، وهو الأعلى بين الشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة، فيما تواجه واردات الصلب والألومنيوم أعلى الرسوم، وفقاً لنموذج الميزانية لدى كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا.
ويقدّر مكتب أبحاث الكونغرس المعدل بمستوى أعلى، إذ بحسب متوسط معدل الرسوم الجمركية الأميركية على الصين في يوليو عند نحو 36.5 في المئة، مقابل 31 في المئة فرضتها بكين على السلع الأميركية.
وانخفضت التجارة الأميركية مع الصين بصورة حادة في عام 2025، إذ تراجعت تجارة السلع الإجمالية بنحو 30 في المئة مقارنة بالعام السابق، فيما أظهرت الأشهر السبعة الأولى من عام 2026 استمرار الانخفاض، وفقاً لبيانات مكتب الإحصاء الأميركي. ومع ذلك، لا تزال بكين شريكاً اقتصادياً رئيساً لواشنطن، ولا تسبقها في ذلك سوى المكسيك وكندا. وفي عام 2019، كانت الصين أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة.
لطالما اشتكى ترمب من العجز التجاري الكبير الذي تسجله الولايات المتحدة مع دول أخرى، بما فيها الصين، في الوقت الذي يدعو فيه إلى إحياء قطاع التصنيع المحلي. ورغم أن عجز تجارة السلع الأميركية مع الصين منذ بداية العام وحتى الآن أقل من مستواه خلال الفترة نفسها من عام 2025، فإنه لا يزال من بين أعلى مستويات العجز في العالم، عند نحو 91.2 مليار دولار.
كيف استعد ترمب وشي للقمة، وما النتائج المتوقعة منها؟
اجتمع ترمب وشي آخر مرة على مأدبة عشاء رسمية في بكين منتصف مايو، في إطار قمة سريعة اتسمت بكثير من المظاهر الاحتفالية، لكنها افتقرت في نهاية المطاف إلى نتائج ملموسة، ويتوقع عديد من المراقبين للشأن الصيني نتيجة مماثلة هذه المرة.
وقال محللو الشأن الصيني لدى "بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش" في مذكرة للعملاء الأسبوع الماضي، إن تمديد الهدنة التجارية لمدة عام هو "السيناريو الأساس" لديهم. ومن شأن هذا التمديد الحفاظ على الوضع القائم للرسوم الجمركية ومنع فرض ضوابط تصدير جديدة، وهي نقطة خلاف رئيسة قبل اجتماع بوسان.
وكتب المحللون أن الصين قد توافق أيضاً على إجراء مشتريات إضافية من السلع الأميركية، "بما في ذلك على الأرجح مزيد من طائرات بوينغ". وبعد زيارة بكين، أكد البلدان أن الصين ستشتري 200 طائرة من شركة "بوينغ"، وهو عدد أقل مما كان بعض المستثمرين يتوقعونه.
وقال محللو البنك إنهم "يتوقعون تقدماً محدوداً في مجالات أخرى"، بما في ذلك احتمال توسيع نطاق الوصول إلى أشباه الموصلات المتقدمة أو تغيير ضوابط التصدير التي لا تزال سارية.
واتفق خبراء آخرون في الشأن الصيني مع هذه التقديرات. وقال رايان هاس، مدير مركز "جون إل. ثورنتون للصين" في مؤسسة "بروكينغز"، إن ترمب وشي "يبدوان وكأنهما يديران الأمور لتحقيق مكاسب صغيرة وتجنب الصراع".
وأوضح هاس أن "التوازن غير المستقر يستمر لأنه يخدم وظيفتين للزعيمين". وأضاف: "أولاً، يمنح ذلك كلا الزعيمين القدرة على إظهار لمواطنيهما أنهما يسيطران على الوضع مع منافسهما الجيوسياسي الرئيس. وثانياً، يمنحهما الوقت والمساحة لتقليل الاعتماد على الطرف الآخر ونقاط الضعف الناجمة عنه".
وبدا أن بيسنت يؤكد بعض هذه التوقعات، إذ قال: "أعتقد أننا سنحافظ" على الهدنة التجارية. وقال بيسنت إن "ذلك كان محوراً رئيساً" للمحادثات التي جرت خلال عطلة نهاية الأسبوع مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ، مضيفاً: "لقد شهدنا استقراراً كبيراً في العلاقات منذ الخريف الماضي".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما لمح بيسنت إلى إحراز تقدم بشأن ترتيب لخفض الرسوم الجمركية المتبادلة بقيمة 30 مليار دولار، وهو اقتراح طرحته بكين في وقت سابق من هذا الشهر.
وقال بيسنت إن الممثل التجاري الأميركي جيميسون غرير "حوّل هذا الاقتراح إلى ترتيبات عملية"، واصفاً إياه بأنه "اتفاق تجاري 30 مقابل 30 للسلع غير الحيوية".
وأوضح بيسنت أن الجانب الأميركي من الاتفاق سيتضمن بيع منتجات زراعية وطاقية ومنتجات أخرى مثل الأجهزة الطبية، بينما "ستستورد الصين مزيداً من السلع اليومية".
وقالت كلير ريد، من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن الولايات المتحدة قد ترغب فقط في تمديد محدود للهدنة التجارية.
وأضافت ريد، التي كانت مساعدة للممثل التجاري الأميركي لشؤون الصين خلال إدارة أوباما، أن هذه الهدنة تمثل مصدراً رئيساً للنفوذ الأميركي، ولذلك "لن يرغبوا في التخلي عن هذا النفوذ المرتبط بالهدنة من خلال السماح بتمديدها بعيداً جداً في المستقبل".
لماذا يتصدر الذكاء الاصطناعي جدول أعمال ترمب وشي؟
تتنافس الولايات المتحدة والصين على قيادة الذكاء الاصطناعي، الذي أصبح أكثر مركزية في الاقتصاد العالمي. ويرى ترمب أن الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي والتفوق الاقتصادي الأميركي مرتبطان بشكل وثيق، وقد شجع بقوة على التوسع في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي مع الحد الأدنى من التدخل التنظيمي.
وكتب ترمب على منصة "تروث سوشال" الأسبوع الماضي: "هناك مؤامرة مرضية تجري ضد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات، والصين هي الطرف الوحيد السعيد بذلك". وأضاف: "من يفوز بالذكاء الاصطناعي يفوز! نحن نتقدم على الصين وجميع الآخرين، وسنواصل ذلك".
لكن بعض رؤساء شركات الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة أطلقوا تحذيرات بشأن الأخطار التي قد تكون كارثية نتيجة تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة بسرعة مفرطة.
وأثارت هذه الدعوات انتقادات من ترمب. لكنه قال في منشور على "تروث سوشال" إن الحكومة "ستفرض قيوداً إذا اضطررنا إلى ذلك"، في إشارة إلى تحول طفيف في الأقل عن موقفه الأكثر تحرراً في التعامل مع القطاع، وهو تحول قد ينعكس على المحادثات مع شي.
كيف يمكن أن تؤثر عقوبات إيران على محادثات ترمب وشي؟
قد تؤثر أحدث تحركات ترمب في الحرب ضد إيران أيضاً على زيارة شي. ففي الشهر الماضي، أطلقت الولايات المتحدة جهودها لتكثيف الضغوط الاقتصادية على إيران من خلال استهداف الجهات التي تمكّنها مالياً، وهي خطة سلطت الضوء فوراً على الصين، أكبر شريك تجاري لطهران.
وقالت إدارة ترمب إن أي دولة ليست مستثناة من العقوبات المحتملة، لكنها لم تستهدف بكين بصورة مباشرة حتى الآن.
من هم أبرز المشاركين في مأدبة العشاء الرسمية؟
كما حدث في بكين، سينضم عدد كبير من كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات إلى الاحتفالات مجدداً. وقال مسؤول أميركي كبير للصحافيين الأسبوع الماضي، إن الرؤساء التنفيذيين المشاركين في مأدبة العشاء الرسمية الخميس، سيكون من بينهم جيف بيزوس من شركة "أمازون"، وإيلون ماسك من "تيسلا" و"سبيس إكس"، وسوندار بيتشاي من "غوغل"، ومايكل ديل من "ديل"، ورئيس مجلس إدارة "أبل" تيم كوك. كذلك الرئيس التنفيذي لـ"جي بي مورغان تشيس" جيمي ديمون، والرئيسة التنفيذية لـ"سيتي غروب" جين فريزر، والرئيس التنفيذي لـ"إنفيديا" جنسن هوانغ، والرئيس التنفيذي لـ"أوبن أي آي" سام ألتمان سيحضرون أيضاً.
وظهرت مؤشرات أخرى إلى أن ترمب يخطط لاستقبال حافل للزعيم الصيني. وقال مكتب السيدة الأولى ميلانيا ترمب، بحسب تقارير، إن مراسم استقبال شي ستتضمن تحية رئاسية من مشاة البحرية الأميركية في الحديقة الجنوبية للبيت الأبيض، تليها مراسم استعراض عسكري في حديقة الورود، بمشاركة أبواق احتفالية من أسطح المباني، وتنتهي بتحليق عدة طائرات فوق المكان.
ونشرت السيدة الأولى الأسبوع الماضي مقطع فيديو تستعرض فيه استعداداتها الدقيقة لمأدبة العشاء الرسمية. ومن المقرر أن يستقبل الرئيس الأميركي نفسه شي على مدرج قاعدة أندروز المشتركة في ماريلاند لدى وصوله.