Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مليون شاب بلا عمل في بريطانيا... والذكاء الاصطناعي يهدد الملايين

في ظل أزمة بطالة الشباب في المملكة المتحدة، ومع توقع تأثير الذكاء الاصطناعي بصورة أكبر في سوق العمل، يزداد القلق على مستقبل الوظائف في عالم تهيمن عليه تكنولوجيا تتطور باستمرار، فيما يحذر خبراء من أن الاضطرابات المدنية ستأتي قبل البطالة الجماعية بوقت طويل

نحو مليون شاب في المملكة المتحدة لا يعملون ولا يدرسون ولا يتدربون (غيتي)

ملخص

يواجه الشباب في بريطانيا سوق عمل تزداد صعوبة، مع تراجع فرص التوظيف وتحذيرات من أن الذكاء الاصطناعي قد يطاول ملايين الوظائف، فيما يرى خبراء أن الاضطرابات الاجتماعية قد تسبق الوصول إلى بطالة جماعية واسعة. ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الوظائف المكتبية، بل قد تمتد إلى المهن الحرفية أيضاً، مما يضع الحكومات أمام تحديات تتعلق بإعادة التدريب وشبكات الأمان وكيفية توزيع مكاسب الأتمتة والاستعداد لعالم تتغير فيه طبيعة العمل جذرياً.

توقفت الحركة في وسط لندن.

فقد اصطفت آلاف سيارات الأجرة السوداء من دون حركة على امتداد وايتهول، مما تسبب في شلل مروري حول وستمنستر و"ويست إند".

كان ذلك في يونيو (حزيران) 2014، حين خرج السائقون للاحتجاج على خدمة جديدة للنقل الخاص كانت أطلقت للتو، اسمها "أوبر".

وبحلول صيف العام التالي، اتخذت فرنسا إجراءات ضد خدمة مشاركة الرحلات التابعة لـ"أوبر"، بعدما شهدت الاحتجاجات قلب سيارات وتحطيم نوافذ وإضرام النار في إطارات.

وقال سائقو سيارات الأجرة في باريس إن التطبيق وخدماته المختلفة، التي أصبحت اليوم منتشرة في مدن حول العالم، كان ينافسهم بأسعار أدنى. تركزت الشكاوى على ما قيل إنها اختلافات في القواعد التنظيمية تجعل المنافسة غير عادلة.

 

كثيراً مما أدى ظهور تقنيات جديدة وما تفرضه من تهديد للوظائف إلى اضطرابات على مر التاريخ، لكن كل ما سبق قد يبدو ضئيلاً مقارنة بما قد يأتي لاحقاً.

ويرسم الاقتصادي كارل بنيديكت فراي، الأستاذ المشارك في الذكاء الاصطناعي والعمل في "معهد أكسفورد للإنترنت"، صورة قاتمة لما يعتقد أنه سيكون تأثير الذكاء الاصطناعي في مستقبل العمل بالمملكة المتحدة.

وبالعودة للاحتجاجات المناهضة لـ"أوبر"، قال فراي لـ"اندبندنت"، "لم تكن ’أوبر’ تهدف إلى استبدال سائقي الأجرة، بل أدت ببساطة إلى زيادة المنافسة". أما عن المستقبل، فأضاف "أعتقد أن الاضطرابات المدنية ستأتي قبل البطالة الجماعية بوقت طويل".

يساور الكثيرين تخوف من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل البشر، سواء كان ذلك على الصعيد المهني فحسب أو بمعنى أكثر كارثية.

وفي مايو (أيار) كشفت دراسة أجرتها "كينغز كوليدج لندن" أن أكثر من نصف البريطانيين يعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيتسبب في بطالة واسعة النطاق، فيما يرى واحد من كل خمسة أنه سيفعل ذلك بوتيرة قد تؤدي إلى اضطرابات مدنية.

وبحسب فراي، فإن ردود الفعل الرافضة للذكاء الاصطناعي، سواء بسبب آثاره البيئية أو بناء مراكز بيانات ضخمة، تظهر أنه "تقنية لا تحظى بقبول شعبي يذكر، حتى من دون أن تكون قد تسببت في أي شيء يشبه البطالة الجماعية". ويرى أن هذا النفور سيزداد مع تعمق تأثير الذكاء الاصطناعي في دخول الناس ومصادر رزقهم، في ظل تنامي قدرات نماذجه الجديدة وإقبال الشركات عليها لما تتيحه من خفض للكلف.

وأوضح فراي، "إذا هدد الذكاء الاصطناعي بخفض دخول الناس، حتى بنسبة خمسة أو 10 في المئة، علماً أن نسبة 10 في المئة تقارب مقدار الانخفاض الذي تسببت فيه ’أوبر‘ في دخول سائقي سيارات الأجرة العاملين في السوق آنذاك، فقد يؤدي ذلك أيضاً إلى اضطرابات". وأضاف "لا تمثل خدمات سيارات الأجرة سوى جزء صغير نسبياً من الاقتصاد، بينما الذكاء الاصطناعي التوليدي تقنية يمكن استخدامها في مجالات واسعة، وستطاول كثيراً من القطاعات والمهن، إن لم يكن جميعها". وتابع، "من المؤكد أننا قد نشهد قدراً كبيراً من الاستياء والاضطرابات قبل وقت طويل من ظهور أي شيء يشبه البطالة الجماعية".

 

وخلص تقرير أصدره "معهد أبحاث السياسات العامة" عام 2024 إلى أن المملكة المتحدة قد تفقد نحو ثمانية ملايين وظيفة بسبب الذكاء الاصطناعي، في حال عدم تدخل الحكومة، مما قد يؤدي إلى "كارثة في سوق الوظائف".

وقال مركز الأبحاث إن وظائف المبتدئين والوظائف بدوام جزئي والوظائف الإدارية هي الأكثر عرضة لأن يحل الذكاء الاصطناعي محلها، في أسوأ السيناريوهات، خلال الأعوام الثلاثة إلى الخمسة المقبلة. وبالمثل، أفاد تقرير نشرته بلدية لندن في أبريل (نيسان) بأن مليون وظيفة في الأقل في العاصمة "معرضة بدرجة كبيرة أو كبيرة جداً" لتأثير الذكاء الاصطناعي.

وفي الشهر الماضي أفاد "مكتب الإحصاءات الوطنية" بأن عدد الأشخاص الذين تراوح أعمارهم ما بين 16 و24 سنة، ولا يعملون ولا يدرسون ولا يتلقون تدريباً، وهم من يعرفون اختصاراً بفئة "نيتس" Neets، بلغ 981 ألفاً خلال الفترة من أبريل إلى يونيو (حزيران).

ويمثل ذلك انخفاضاً من مليون و12 ألفاً في الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار)، لكن نسبة هذه الفئة في المملكة المتحدة، البالغة 13 في المئة، لا تزال من بين الأعلى في أوروبا.

وفي بعض المناطق، لا تتوافر سوى وظيفة شاغرة واحدة لكل 22 شاباً، وفق نتائج جديدة توصل إليها "معهد أبحاث السياسات العامة".

وكانت روذرهام في ساوث يوركشير المنطقة التي سجلت أقل عدد من الوظائف الشاغرة المناسبة، إذ لم يتوافر فيها سوى 46 وظيفة لكل ألف شاب، أي أقل بنسبة 58 في المئة من المتوسط في المملكة المتحدة. وتلتها "إيست رينفروشير" في اسكتلندا، حيث يقل العدد عن المتوسط بنسبة 53 في المئة، ثم بروكستو في "إيست ميدلاندز" و"نيوكاسل أندر لايم" في "ويست ميدلاندز"، بنسبة 47 في المئة لكل منهما.

وتكشف هذه الأرقام عن مدى صعوبة الظروف التي يواجهها الشباب في البحث عن عمل، وهي ظروف مرشحة لأن تزداد سوءاً مع تنامي تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق الوظائف.

ولا يبعث موقف الشباب على كثير من التفاؤل. ففي دراسة "كينغز كوليدج لندن"، قال 34 في المئة من طلاب الجامعات إن البطالة الناجمة عن الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى اضطرابات مدنية.

وقالت البروفيسورة إيلينا سيمبرل من "كينغز كوليدج لندن" لـ"اندبندنت": "أتعاطف بشدة مع الشباب اليوم". وأضافت سيمبرل، التي تشارك في إدارة "معهد كينغز للذكاء الاصطناعي": "لقد تعطلت حياتهم بالفعل بسبب جائحة عالمية، وهم الآن يواجهون صعود الذكاء الاصطناعي التوليدي في ظل حال أوسع من عدم اليقين الاقتصادي".

"كثير من هؤلاء الأشخاص أثرياء للغاية بالفعل، وربما يكون اهتمامهم بصنع التاريخ أكبر من اهتمامهم بأي شيء آخر"

كارل بنيديكت فراي

 

لكن الخطر الذي يشكله الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على وظائف الخريجين الشباب. فبحسب فراي، يسود اعتقاد بأن الوظائف المكتبية هي الأكثر تعرضاً للتهديد، لكن تأثير هذه التكنولوجيا سيمتد إلى نطاق أوسع بكثير. وأوضح، "الأمر يشمل الوظائف في مختلف القطاعات، من البناء إلى التصنيع". وأضاف، "ناك جانب آخر أعتقد أنه لا يحظى بما يكفي من الاهتمام، وهو أن الذكاء الاصطناعي يتيح لنا، كمستهلكين، القيام بمزيد من الأمور بأنفسنا. فإذا تعطلت غلاية التدفئة في منزلي، كنت في السابق أتصل بفني لإصلاحها فوراً". وتابع، "أما الآن، فيمكنني التقاط صورة لها والاستعانة بالذكاء الاصطناعي ليرشدني خطوة بخطوة إلى طريقة إصلاحها بنفسي". وأضاف، "لن يؤدي ذلك إلى بطالة واسعة النطاق، لكنه يعني أن كثيراً من المهن الحرفية التي كنا نظن أنها بمنأى عن الأتمتة قد تواجه هي الأخرى ضغوطاً على دخول أصحابها. فمهندس التدفئة سيفقد مهمة كان سيستدعى إليها، وقد لا يبقى له سوى الحالات الأكثر صعوبة من الناحية التقنية". وتابع، "وهذا يعني أيضاً أن المتدربين الذين يتعلمون أثناء العمل قد لا يحصلون على تلك المهام الأسهل، وهو ما لن يكون جيداً لعملية التعلم. هذه هي الآثار الأكثر مباشرة".

لكن الذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً لا يمكن التراجع عنه. وقد يخلق وظائف جديدة، لكن تأثيره في المهن التقليدية سيستمر.

وبحسب سيمبرل، فإذا استمر التراجع في التوظيف، فعلينا أن نفكر من الآن في شبكات الأمان اللازمة، فضلاً عن برامج إعادة التدريب واكتساب مهارات جديدة للتكيف مع عالم جديد ومتغير باستمرار. وقالت، "علينا أن نوجه هذا المسار بفاعلية، بدلاً من أن نترك الأمور تسير من تلقاء نفسها من دون تدخل". وأضافت، "وهذا يعني جمع أدلة أفضل، وكذلك تدريب أصحاب العمل والعاملين على استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات التي ينبغي استخدامه فيها، بدلاً من تبنيه بصورة عمياء وانتظار ما سيحدث".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وثمة أيضاً أثر اجتماعي ينبغي أخذه في الحسبان. فكيف سيبدو العالم إذا فقد ملايين الأشخاص وظائفهم، أو اختفت وظائف وأدوار اعتاد الناس وجودها طوال حياتهم؟

وقال فراي، "أعتقد أن ذلك سيحدث تحولاً هائلاً، وسيشكل تحدياً لهوية كثير من الناس وإحساسهم بالهدف وتحقيق الذات". وأضاف، "سيكون ذلك صدمة كبيرة للغاية". وتابع، "في الوقت نفسه كان الجميع تقريباً يعملون قبل الثورة الصناعية، لكن قلة قليلة كانت لديها وظائف بالمعنى الحديث. وقد عشنا إلى حد كبير في عالم من هذا النوع من قبل، ولذلك نعرف أن بإمكاننا، من حيث المبدأ، التكيف مع عالم كهذا". وأضاف، "وقد يكون ذلك عالماً أكثر رغداً، تستطيع فيه الاعتناء بحديقتك من دون أن تعتمد عليها في تأمين معيشتك، فإذا جاء المحصول سيئاً، فلن يعني ذلك أن أسرتك مهددة بالجوع". وتابع، "وإذا تجاوزنا هذه المرحلة، فقد نصل إلى وضع أفضل، لكن الانتقال إليه سيكون بالغ الاضطراب بالنسبة إلى كثير من الناس، ولن يكون سلساً بأي حال".

ومن الطبيعي أن تؤدي البطالة الجماعية الناجمة عن الذكاء الاصطناعي إلى زيادة الضغط على الإنفاق الحكومي على الرعاية الاجتماعية.

وفي حين يرى مؤيدو هذه التكنولوجيا أنها قد تفضي في نهاية المطاف إلى عالم "ما بعد العمل"، تستخدم فيه الأموال التي يولدها الذكاء الاصطناعي لتوفير دخل شامل لمن فقدوا وظائفهم بسببه، يرى فراي أن على الحكومات الاستعداد لتأثيره، لكنه غير متأكد من مدى استعدادها. وقال، "لا أعتقد أنها مستعدة لذلك ذهنياً، بمعنى أن تكون لديها مقترحات لسياسات جاهزة للتنفيذ عندما يحدث ذلك". وأضاف، "وفي الوقت نفسه لا نحتاج، من نواحٍ كثيرة، إلى إعادة اختراع العجلة". وتابع، "دولة الرفاه موجودة، ولدينا أنظمة تعليمية يمكننا البناء عليها، وإن كانت هناك بالتأكيد أمور تحتاج إلى تعديل". وأضاف، "إذا انخفضت حصة الدخل التي تذهب إلى العمل والأجور، فسنحصل بطبيعة الحال ضرائب أقل من دخل العمل، وسيتعين علينا زيادة الضرائب على الاستهلاك ورأس المال، إلى جانب أمور أخرى كثيرة تحتاج إلى تعديل".

لكن البطالة ليست مصدر القلق الرئيس المرتبط بالذكاء الاصطناعي، فقد غادر الباحث جيكوب كوكسون شركة "أنثروبيك" في وقت سابق من هذا الشهر، محذراً من أن الشركة ومنافسيها "يقامرون بحياتنا"، وأضاف أن القائمين على تطوير الذكاء الاصطناعي "يعتقدون بصدق أنه قد يقتلنا جميعاً بحلول نهاية العقد".

ولذلك ليس من المستغرب أن يشعر الناس بالقلق إزاء هذه التكنولوجيا، وإزاء احتمال أن تستولي على ملايين الوظائف قبل أن تقتل الأشخاص الذين جعلتهم عاطلين من العمل.

ومع ذلك، لا يرى فراي بالضرورة أن سيطرة الحكومات على هذه التكنولوجيا ستكون أفضل من بقائها في أيدي الشركات الخاصة، لكنه يعتقد أن من الصحي التشكيك في الدوافع التي تحرك قطاع الذكاء الاصطناعي. وقال، "غالباً ما يكون من الصائب افتراض أن المصلحة العامة ليست الشاغل الأول لدى شخص ما". وأضاف، "هناك مزيج من الدوافع. فكثير من هؤلاء الأشخاص أثرياء للغاية بالفعل، وربما يكون اهتمامهم بصنع التاريخ أكبر من اهتمامهم بأي شيء آخر". وتابع، "المال والنفوذ جزء من الأمر، لكن الإرث والسمعة يدخلان في الحساب أيضاً". وختم قائلاً، "هناك شعور بغياب المساءلة، وهذا صحيح بصورة خاصة في أماكن مثل بريطانيا وأوروبا، لأن الشركات التي تطور هذه التقنيات ليست مقارها هنا، ولذلك فإن قدرتنا على توجيه هذا التطور محدودة للغاية".

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير