Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

اضطرابات الممرات البحرية تشعل الشحن نحو غرب المتوسط

نسبة الزيادة بلغت 77% للحاويات الجافة و94% لـ"المبردة"... وقطاع سلسلة التبريد الأكثر تضرراً

مضيق باب المندب وحرب المسارات البحرية يضعان اقتصاد شمال أفريقيا في عين العاصفة (اندبندنت عربية)

ملخص

تؤدي التوترات في الممرات البحرية الرئيسة وارتفاع أسعار النفط والمسارات الالتفافية المفروضة على السفن إلى زيادة متزامنة في استهلاك الوقود ومدة الرحلات وعلاوات الأخطار، وهكذا تتحول حاوية الشحن إلى حلقة وصل فعلية بين الجغرافيا السياسية والطاقة والتجارة الخارجية والتضخم.

تستعد شركة الشحن البحري الفرنسية العملاقة  "سي أم أي- سي جي أم" CMA CGM لتشديد شروطها المتعلقة بالأسعار على مستوى العالم، وفي ظل ظروف دولية تتسم بتوترات شديدة، أعلنت الشركة عن تعديل جذري في جداول أسعارها، يتمثل أبرزها في مضاعفة قيمة "الرسوم الإضافية الطارئة للوقود" اعتباراً من الأول من أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

ويأتي هذا القرار في وقت تجاوز سعر برميل خام "برنت" حاجز الـ100 دولار، مدفوعاً بتفاقم الأزمة الجيوسياسية المحيطة بمضيقَي هرمز وباب المندب.

وبالنسبة إلى الشاحنين والمستوردين، يتوقع أن تكون الفاتورة الإجمالية باهظة للغاية، ولا سيما مع اقتراب موسم أعياد نهاية العام، إذ يمثل الوقود المحرك الرئيس لهذه القفزة في الكلفة.

وسيعكس الجدول الجديد لرسوم الوقود بصورة مباشرة الارتفاع الحاد في أسعار وقود السفن، وبالنسبة إلى الحاويات الجافة سترتفع الرسوم الإضافية من 150 دولاراً إلى 265 دولاراً لكل وحدة مكافئة لـ20 قدماً على الخطوط الرئيسة.

وسيكون قطاع سلسلة التبريد الأكثر تضرراً، إذ سترتفع الرسوم الإضافية للحاويات المبردة من 165 دولاراً إلى 320 دولاراً لكل وحدة مكافئة لـ20 قدماً، وستشهد الرحلات داخل المنطقة وحركات الشحن العكسي تعديلاً في الرسوم، لتُحدد عند 75 دولاراً و90 دولاراً على التوالي، وذلك بحسب طبيعة البضائع.

وتواجه خطوط الشحن المتجهة إلى منطقة البحر الأبيض المتوسط وشمال أفريقيا ضغوطاً متزايدة، إذ تأتي هذه الزيادة في رسوم الوقود في إطار اتجاه تصاعدي بدأ منذ أشهر عدة. وتتأثر المسارات الرابطة بين آسيا وكل من المتوسط وشمال أفريقيا بصورة مباشرة بتطبيق رسوم إضافية خاصة بموسم الذروة ومراجعة أسعار الشحن الأساسية. وبالنسبة إلى الشحنات المتجهة إلى تونس والمغرب وليبيا، استقرت أسعار الشحن الأساسية عند 5900 دولار للحاوية سعة 20 قدماً و7400 دولار للحاوية سعة 40 قدماً، وفي المقابل تشهد الجزائر ضغوطاً أشد حدة، إذ تصل الأسعار إلى سقف 9200 دولار للحاويات الكبيرة.

ولا يقتصر هذا على المسارات الآسيوية، إذ أقرت شركة "سي أم أي - سي جي أم" زيادات عامة جديدة في الأسعار دخلت حيز التنفيذ في الـ15 من سبتمبر (أيلول) الجاري على خط الملاحة الرابط بين البحر الأبيض المتوسط والولايات المتحدة، وكذلك في الأول من أكتوبر  المقبل على حركة الصادرات من أوروبا إلى الساحل الشرقي لأميركا الجنوبية.

وبالنسبة إلى وكلاء الشحن وشركات الخدمات اللوجستية العالمية، فإن تراكم هذه الكلفة الإضافية سينعكس حتماً على السعر النهائي للسلع الاستهلاكية اليومية. وفي وقت لا تزال سلاسل التوريد العالمية تسعى إلى تحقيق الاستقرار، فإن هذا التصاعد الجديد في كلفة الشحن البحري يعيد إحياء المخاوف من التضخم خلال الربع الأخير من العام الحالي.

انعكاسات على مخزونات الأمان والسيولة النقدية

وتمر السفن الآتية من الصين والدول الآسيوية إلى الشمال من مضيق ملقا، ثم المحيط الهندي، ثم مضيق باب المندب، وصولاً إلى قناة السويس المصرية التي تمثل أحد أهم وأقصر الممرات البحرية التي تربط بين الشرق والغرب، وتسهم في تقليص زمن وكلفة نقل البضائع ومصادر الطاقة ودعم حركة التجارة العالمية، ومنها إلى الموانئ المصرية والليبية وشمال أفريقيا، إذ يواجه هذا المسار أخطاراً عالية منذ اندلاع الحرب في المنطقة.

وقال الاقتصادي طارق إبراهيم لـ"اندبندنت عربية"، "ستضطر السفن الآتية من آسيا والخليج إلى ليبيا، في حال توسع رقعة الحرب، إلى تبديل مسار باب المندب وقناة السويس بمسار آخر غير مختصر، ألا وهو الالتفاف حول قارة أفريقيا بالكامل من خلال رأس الرجاء الصالح، مما سيزيد مدة الرحلة، وفقاً لمصادر مطلعة، بنحو 10 إلى 15 يوماً إضافية، أي إن البضائع التي كانت تستغرق من 25 إلى 30 يوماً في البحر ستستغرق 45 يوماً حتى تصل إلى الموانئ الليبية، مما يزيد في استهلاك الوقود وكلفة التشغيل بنسبة تقارب 30 في المئة".

ورجح أن تشهد السلع الصينية والتايلاندية زيادة سعرية في ليبيا بنسبة لا تقل عن 20 في المئة نتيجة كلفة اللوجستيات من علاوات الخطر وأسعار الوقود وارتفاع أسعار التشغيل وزيادة مدة الشحن، وتبقى أمام شركات الشحن خيارات محدودة للتعامل مع الوضع القائم مثل تطبيق إجراءات لتوفير الاستهلاك وإبطاء سرعة السفن أو تعليق بعض الرحلات".

وتنعكس هذه التطورات مباشرة على الحياة اليومية للمواطن في شمال أفريقيا، إذ ترتفع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية مع زيادة كلفة الاستيراد والنقل، خصوصاً للأسر ذات الدخل المتوسط والمحدود التي تتحمل العبء الأكبر من هذه الزيادات.

وقال المستشار المالي حاسم كمون "كثيراً ما ظل الشحن البحري عنصراً غير بارز في السعر الذي يدفعه المستهلك، إلا أن الوضع آخذ في التغير، ومقارنة بالأسعار المطبقة منذ أغسطس (آب) الماضي، بلغت نسبة الزيادة قرابة 77 في المئة للحاويات الجافة و94 في المئة للحاويات المبردة".

وأوضح أن المسألة تتجاوز بكثير مجرد قرار يتعلق بالتعرفة تتخذه شركة شحن بحري، إذ تؤدي التوترات في الممرات البحرية الرئيسة وارتفاع أسعار النفط والمسارات الالتفافية المفروضة على السفن، إلى زيادة متزامنة في استهلاك الوقود ومدة الرحلات وعلاوات الأخطار، وهكذا تتحول حاوية الشحن إلى حلقة وصل فعلية بين الجغرافيا السياسية والطاقة، والتجارة الخارجية والتضخم، لافتاً إلى أنه بالنسبة إلى تونس التي يعتمد اقتصادها بصورة كبيرة على التبادل التجاري البحري، فإن هذه الديناميكية تستدعي المتابعة والرصد".

ويضيف كمون "في النصف الأول من عام 2026، تعاملت الموانئ التونسية مع ما يقارب 280 ألف حاوية من صنف 20 قدماً، مسجلة بذلك ارتفاعاً بنحو تسعة في المئة على أساس سنوي. وبطبيعة الحال، لا تقتصر هذه الأحجام على الواردات أو التدفقات الخاضعة للرسوم الإضافية الجديدة التي فرضتها شركة ,سي أم أي- سي جي أم‘، غير أن هذا الحجم كافٍ لإظهار أن زيادة بمقدار بضع مئات من الدنانير لكل حاوية قد تشكل في نهاية المطاف كلفة كبيرة على الاقتصاد".

وتتيح الحسابات تقييم حجم المسألة على نحو أدق، فبالنسبة إلى الحاويات الجافة، تزيد الكلفة الإضافية بمقدار 115 دولاراً لكل وحدة مكافئة لـ20 قدماً. أما بالنسبة إلى الحاويات المبردة، فتصل هذه الزيادة إلى نحو 454 ديناراً (156 دولاراً)، وعلى سبيل المثال، بالنسبة إلى منتج تبلغ قيمته ديناراً واحداً للكيلوغرام، تمثل كلفة الشحن الإضافية وحدها ما يقارب 1.7 في المئة من السعر في حال الحاويات الجافة، و2.3 في المئة في حالة الحاويات المبردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يقتصر الأثر على كلفة النقل وحسب، إذ يمكن للاضطرابات البحرية أن تؤدي إلى تمديد الآجال الزمنية وإجبار الشركات على تكوين مخزونات أمان أكبر وتجميد مزيد من السيولة النقدية، وهكذا يصبح ارتفاع كلفة الشحن عاملاً يفاقم الكلفة الإجمالية، بكلفة استيراد أعلى وضغوط على هوامش الربح وحاجة متزايدة إلى التمويل، وانعكاس ذلك على السعر النهائي.

وتُظهر دراسات صندوق النقد الدولي أن صدمات النقل البحري تؤثر أولاً في أسعار الواردات، ثم في أسعار الإنتاج، قبل أن تنتقل تدريجاً إلى أسعار المستهلك.

وتقدّر دراسة شملت عشرات الاقتصادات بأن ارتفاعاً بنسبة 21.8 في المئة في كلفة النقل البحري قد يضيف نحو 0.15 نقطة مئوية إلى معدل التضخم على مدى 12 شهراً، بينما يربط تحليل آخر بين تضاعف كلفة النقل وزيادة في التضخم تبلغ نحو 0.7 نقطة مئوية. وعلى رغم أنه لا يمكن إسقاط هذه الأرقام آلياً على الحالة التونسية، فإنها تُبيّن أن انتقال أثر كلفة الشحن إلى الأسعار ليس مجرد فرضية نظرية.

الأخطار على القدرة التنافسية

ويطاول الخطر أيضاً القدرة التنافسية، إذ يمكن لشركة أن تستورد المواد الأولية، وتعالجها محلياً، ثم تصدر منتجها النهائي، فإذا ارتفعت كلف النقل، سواء عند الاستيراد أو التصدير، فقد تواجه الشركة نفسها صدمة لوجستية مزدوجة، وفي القطاعات شديدة التعرض للمنافسة الدولية مثل قطاع النسيج، لا يكون رفع الأسعار ممكناً دائماً من دون خسارة الأسواق، مما يجعل الكلفة الإضافية تثقل في نهاية المطاف كاهل هوامش الربح أو السيولة النقدية أو الاستثمارات.

لكن عملية انتقال الأثر ليست آلية ولا فورية، بل تعتمد على مستويات المخزون والعقود المبرمة والقدرة التفاوضية للمستوردين وأسعار الصرف ومستوى المنافسة، غير أن أي ارتفاع مستمر في الكلفة لا بد من أن يجد طريقه في نهاية المطاف إلى الحسابات الاقتصادية للشركات.

والسؤال الجوهري خلال الأشهر المقبلة لم يعُد مقتصراً على "كم تبلغ كلفة الحاوية؟"، بل يتجاوزه إلى "ما هو حجم الكلفة الإضافية التي يمكن للمنظومة الاقتصادية استيعابها قبل تمريرها إلى المستهلك؟"، وفق كمون.

لكن الأثر يختلف من بلد إلى آخر، بحسب المحلل نبيل عادل الذي توقع آثاراً مؤكدة على اقتصادات شمال أفريقيا، بحكم أن هذه الزيادات تدخل مباشرة في كلفة جميع السلع المستوردة، مضيفاً أنه كلما كان البلد مستورداً صافياً، أثر ذلك في ميزانه التجاري، بالتالي في أثمان المواد المستوردة، مما يؤدي في النهاية إلى التأثير في المؤشر العام للأسعار (التضخم)، كما أن تنافسية المنتجات المصدرة ستتأثر بهذا الارتفاع، بخاصة إذا كانت مدخلاتها مستوردة.

اقرأ المزيد