ملخص
يشكل الذكاء الاصطناعي تهديداً للبنوك التقليدية وشركات إدارة الثروات، خصوصاً مع تطوره واندماجه بصورة أعمق في تعاملات الناس المالية.
لم يكن غريباً أن يكون نيكولو غلوازو من أوائل المتبنين للذكاء الاصطناعي، فبصفته مؤسس شركة ناشئة، كان استخدام رائد الأعمال الشاب في مجال التكنولوجيا لهذه الأدوات في مختلف المهمات التجارية أمراً طبيعياً بالنسبة إليه.
لكن في العام الماضي، قرر استخدام الذكاء الاصطناعي في أمور أقرب إلى حياته الشخصية، وتحديداً في إدارة شؤونه المالية، وكان هدف غلوازو بناء مستشار مالي يعمل بالذكاء الاصطناعي لنفسه، يمكنه تقديم أداء يتفوق على معظم المستشارين البشريين.
ومن خلال الجمع بين أحدث نموذج للذكاء الاصطناعي من شركة "أنثروبيك" وبعض الشيفرات البرمجية، تمكن من بناء أداة تقدم له تقارير شهرية وتصدر توصيات في شأن اختيار الأسهم، مصممة وفق ظروفه الشخصية.
وقال غلوازو لصحيفة "التلغراف"، "إنه يعرف مقدار ما أكسبه ومعدل ادخاري خلال الشهر، ويعرف أنني اشتريت منزلاً في الماضي، وعمري، ومدى رغبتي في الاستثمار بصورة أكثر أو أقل جرأة".
غلوازو ليس حالاً منفردة، إذ يتزايد عدد الأشخاص الذين يلجأون إلى الذكاء الاصطناعي لترتيب شؤونهم المالية، فبحسب تقرير لشركة "ماكينزي" للاستشارات، يستخدم ربع المستهلكين في بريطانيا الذكاء الاصطناعي التوليدي مرة واحدة في الأقل شهرياً في مهمات مالية، وترتفع النسبة إلى نحو 60 في المئة بين أصحاب الدخول المرتفعة.
البنوك أمام تهديد جديد
يشكل ذلك تهديداً للبنوك التقليدية وشركات إدارة الثروات، خصوصاً مع تطور الذكاء الاصطناعي واندماجه بصورة أعمق في تعاملات الناس المالية.
وفي الوقت الحالي، تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي اقتراح منتجات مالية ومقارنة معدلات الفائدة على حسابات الادخار، لكن من الممكن مستقبلاً أن تتمكن الوكلاء الذكيون من نقل الأرصدة غير المستخدمة تلقائياً إلى حسابات تحقق عائداً أعلى.
وبحسب "ماكينزي"، فإن انتقال ما بين خمسة و10 في المئة فقط من الأرصدة بهذه الطريقة قد يؤدي إلى انخفاض أرباح الودائع بنسبة 20 في المئة أو أكثر.
وتتوقع الشركة حدوث ذلك خلال العقد المقبل، لكن بعض العاملين في القطاع يرون أن التغيير قد يحدث بوتيرة أسرع بكثير.
وقال مؤسس والرئيس التنفيذي لبنك "إنفيل" ستيف لو رو، أحد أوائل البنوك التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، الذي بيع لاحقاً، "لا أعتقد أن الأمر سيستغرق 10 أعوام، أعتقد أننا قريبون من ذلك بالفعل".
وأضاف "يمكنني حرفياً بناء نظام غداً يعمل على أتمتة كل شيء تقريباً، هناك كثير من النشاط يحدث الآن ولا يجري الحديث عنه، وقد لا تعرفون بالضرورة شيئاً عنه".
البنوك الرقمية تتبنى الذكاء الاصطناعي
كانت البنوك التي تعمل عبر الإنترنت فقط من أسرع المؤسسات في إدخال خدمات الذكاء الاصطناعي إلى تطبيقاتها، وأطلق بنك "مونزو" أخيراً خاصية للادخار تعتمد على الذكاء الاصطناعي، تتيح للمستخدمين العمل مع روبوت لوضع خطة ادخار، ثم تحويل تلك الخطة إلى إجراءات آلية داخل حساباتهم لمساعدتهم في تحقيق أهدافهم.
ويستخدم البنك وكلاء للذكاء الاصطناعي للتعامل مع طلبات العملاء الروتينية، مثل إدارة حساب ادخار مخصص أو التحقق من إحدى المعاملات.
لكن روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي لا تعمل دائماً بالطريقة المقصودة، فقد تعرض المساعد الآلي التابع لـ"ريفولوت" للانتقاد بعدما احتسب بصورة خاطئة رسوماً لإنهاء الاشتراك على أشخاص كانوا يريدون إلغاء اشتراكاتهم المميزة.
وأبلغت "ريفولوت" عملاءها في أوائل أغسطس (آب) بأنها ستستبدل محرك الإجابات المعتمد على الذكاء الاصطناعي "بيربلكسيتي" بـ"تشات جي بي تي" في سبتمبر (أيلول).
واعتذرت الشركة للعملاء في ذلك الوقت، مؤكدة أنها لا تفرض رسوماً على الإنهاء المبكر للاشتراك.
أخطاء الذكاء الاصطناعي تثير مخاوف
لا تقتصر الأخطار على الأخطاء الفردية أو ما يعرف بـ"الهلوسة" التي تنتج منها معلومات غير صحيحة، بل تشمل أيضاً احتمال وقوع حوادث واسعة النطاق تؤثر في روبوت دردشة واسع الاستخدام، بما قد تكون له تداعيات كبيرة.
وحذرت رئيسة لجنة الخزانة في مجلس العموم البريطاني ميغ هيلير، في وقت سابق من العام، من أنه على رغم تسابق قطاع المال في لندن إلى تبني الذكاء الاصطناعي، فإنها غير متأكدة من مدى استعداد القطاع للتعامل مع حادثة كبيرة.
وأظهرت دراسة جديدة أجرتها شركة التكنولوجيا "ساتورن" أن روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي قدمت إجابات خاطئة عن الأسئلة المالية في 57 في المئة من الحالات، مما يثير تساؤلات حول مدى فائدتها في تقديم المشورة المالية.
المستشار البشري لا يزال حاضراً
أمضى غلوازو وقتاً طويلاً في تطوير مخططه المالي المعتمد على الذكاء الاصطناعي وتحديثه، لكن الإنسان لا يزال حاضراً في الحلقة.
وقال "الجزء الصعب هو أنك تحتاج حقاً إلى الوثوق بالذكاء الاصطناعي، لكن في النهاية أنا دائماً من يتخذ القرار النهائي".
وأضاف "لن أسمح للذكاء الاصطناعي أبداً بإدارة محفظتي بالكامل. الذكاء الاصطناعي يقدم لي توصية فقط، ثم أتخذ دائماً القرار النهائي بناء عليها".
ويرى كثيرون في قطاع إدارة الثروات أن قيمة العنصر البشري قد تحافظ على وظائف المستشارين، في الأقل خلال المدى المتوسط.
وقال كبير المخططين الماليين لدى شركة "راثبونز"، أولي تشينغ، للصحيفة "هناك ما أسميه دائماً قرار جدول البيانات، وهو على الأرجح أيضاً قرار يمكن للذكاء الاصطناعي اتخاذه، أي عندما تقوم فقط بمعالجة الأرقام بصورة أولية". وأضاف "لكن لا شيء من ذلك يأخذ في الاعتبار الإنسان الموجود على الطرف الآخر، مشاعرك وعواطفك، وكيف سيؤثر الأمر فيك عندما تحدث التقلبات صعوداً وهبوطاً".
ويقول تشينغ إنه لاحظ أيضاً زيادة عدد العملاء الذين يجربون الذكاء الاصطناعي قبل التوجه إلى مستشار مالي محترف، وأوضح "ما زلنا نستقبل عملاء جدد يأتون إلينا ويقولون بصراحة: لقد فعلت هذا بنفسي لبعض الوقت. أستخدم الذكاء الاصطناعي لإجراء بعض نماذج التدفقات النقدية لأرى أين أقف، وما إذا كنت أقترب من التقاعد".
لكن عندما يواجه هؤلاء العملاء قراراً كبيراً، فإنهم ما زالوا يفضلون وجود شخص حقيقي لديه خبرة في رؤية مئات الأشخاص يمرون بالعملية نفسها، وفق تشينغ.
عمالقة التكنولوجيا يدخلون إدارة الثروات
اليوم تجرب مزيد من الشركات العاملة في قطاعي إدارة الثروات والخدمات المصرفية استخدام الذكاء الاصطناعي، لمعرفة كيفية توسيع نطاق الخدمات التي يمكنها تقديمها لمزيد من العملاء.
وفي الوقت نفسه، تعمل شركات الذكاء الاصطناعي العملاقة على تطوير منتجات تستهدف المنافسة مع المؤسسات المالية القائمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأعلنت شركة "أوبن إيه آي" قبل أشهر عدة عن "تجربة للتمويل الشخصي" لمستخدمي "تشات جي بي تي"، المدفوعة في الولايات المتحدة.
وتتيح الأداة للعملاء ربط حساباتهم المالية بصورة آمنة، والاطلاع على لوحة معلومات توضح أين تذهب أموالهم، وطرح أسئلة على "تشات جي بي تي" تستند إلى أوضاعهم المالية الشخصية.
وتفيد تقارير بأن شركة "أنثروبيك" تختبر أيضاً خاصية مماثلة تحمل اسم "كلود موني".
بيانات العملاء هي الخطر الأكبر
لكن الأخطار لا تتعلق فقط باحتمال خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، إنما أيضاً باحتمال استخدام المعلومات المصرفية السرية للأفراد في تدريب الأجيال المقبلة من نماذج الذكاء الاصطناعي.
وقال لو رو "نحن نعطيهم كثيراً من البيانات والمعلومات عن حياتنا، وهم يستخدمونها لتدريب نموذجهم التالي، وهذا أمر لا يفكر فيه الناس أبداً".
وأضاف "إنها منطقة رمادية جداً، إنها مسألة لا يريد الناس حقاً التحدث عنها، لكنها مصدر قلق هائل إذا بدأت في التعمق فيها".
أما غلوازو، فلا يبدو أنه يفقد النوم بسبب هذه المسألة.
لكن مع تسابق "أنثروبيك" و"أوبن إيه آي" للتوسع في قطاع إدارة الثروات، فإن السؤال حول ما يعرفه الذكاء الاصطناعي عن الأفراد، وما الذي يفعله بهذه المعلومات، سيصبح أكثر إلحاحاً مع مرور الوقت.