Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

روسيا تصنف السينمائي أندريه زفياغينتسف "عميلا أجنبيا"

فاز بالجائزة الكبرى في "كان" وفرنسا رشحت فيلمه "مينوتور" للأوسكار

المخرج الروسي أندريه زفياغينتسف المصنف عميلاً (أ ف ب)

ملخص

قبل بضعة أيام، أدرجت وزارة العدل الروسية المخرج الروسي أندريه زفياغينتسف (62 سنة)، على قائمة "العملاء الأجانب"، في خطوة تحمل أكثر من دلالة إزاء سينمائي بارز جعل من رصد المجتمع الروسي إحدى القضايا المركزية التي تدور عليها سينماه. وبررت السلطات القرار باتهامه بنشر "معلومات كاذبة" عن قرارات روسيا وسياساتها، وبالتعامل مع "عملاء أجانب" ومنظمات تصنفها موسكو "غير مرغوب فيها"، فضلاً عن إقامته خارج البلاد. ويترتب على هذا التصنيف قيود إدارية ومالية، وإلزام الشخص المعني بوضع عبارة "عميل أجنبي" على المواد التي ينشرها.

المخرج الروسي أندريه زفياغينتسف، الذي بات الآن مصنَّفاً رسمياً في بلاده كصاحب صلة بالخارج، يقف في هذه اللحظة في قلب السينما الفرنسية. فقبل يومين من هذا الاتهام، كانت فرنسا قد اختارت فيلمه الأحدث "مينوتور" لتمثيلها في سباق الـ"أوسكار" المقبل، وذلك عن فئة أفضل فيلم أجنبي. الفيلم، المنتج بمشاركة فرنسية ولاتفية وألمانية، والذي يُعتبر فرنسياً على مستوى هوية الإنتاج، كان قد فاز في أيار الماضي بـ"الجائزة الكبرى" في مهرجان كان، في عودة زفياغينتسف إلى السينما، بعد نحو عقد من الغياب تخللته أزمة صحية خطيرة أدخلته في غيبوبة إثر إصابته بـ"كوفيد".

المفارقة أن روسيا تضعه على قائمة "الأجانب"، وفرنسا تختار هذا "الأجنبي" لتمثيل سينماها في واحد من أرفع الاستحقاقات السينمائية الدولية. وبين البلدين يقف فيلم روسي اللغة والموضوع والشخصيات، صُوِّر خارج روسيا، ويخرج من تجربة فنان غادر بلاده منذ 2021 وأصبح يقيم في فرنسا، بعد انعدام الخيارات السياسية أمامه.  

في "مينوتور"، يعود زفياغينتسف إلى المادة التي اشتغل عليها طوال مسيرته التي تنطوي على ستة أفلام طويلة: الفرد داخل منظومة اجتماعية وسياسية تتجاوزه قوة. غليب (ديمتري مازوروف)، رجل أعمال ناجح يعيش مع زوجته غالينا (إيريس ليبيديفا) وابنه في ضواحي مدينة روسية. هذا الرجل سيجد حياته التي وضعها على سكة منظمة مهددة جراء سلسلة ضغوط مهنية وشخصية. وستأتي الخيانة الزوجية لتفتح الباب أمام المزيد من الانهيار، وسرعان ما ستتحول أزمة خاصة إلى مسألة تتصل بالسيطرة والعنف والخوف.

استلهم زفياغينتسف الخط الأساسي من فيلم كلود شابرول "المرأة الخائنة" (1969)، ناقلاً الحكاية إلى روسيا المعاصرة، حيث الحرب والتعبئة العسكرية حاضرتان في الخلفية وفي السلوك اليومي. في عالم "مينوتور"، يصبح امتلاك الآخر جزءاً من المنطق المرتبط بالسلطة: الزوج يريد استعادة السيطرة على حياته، والدولة تلجأ إلى المنطق نفسه لاستعادة نفوذها. العنف لا يبقى محصوراً داخل البيت، وإنما يتصل ببنية اجتماعية أوسع ترى القوة وسيلة لحسم الأزمات.

الحرب الأوكرانية لا تظهر في الفيلم لكنها تتسلل إلى الحياة المدنية عبر التعبئة والخوف والإعلام. ومن أقوى مقاطع الفيلم ذلك المشهد الذي يستعد فيه مئات الرجال للصعود إلى الحافلات المتجهة إلى الجبهة، فيما تودعهم عائلاتهم. استند زفياغينتسف في بناء المشهد إلى صور حقيقية ظهرت في روسيا بعد التعبئة العسكرية عام 2022، محولاً لحظة من الحياة اليومية إلى صورة جماعية عن مجتمع دخلت الحرب إلى بنيته العاطفية. هذا كله أغضب روسيا في طبيعة الحال.   

العائلة مدحلاً

بعد "العودة"، فيلمه الأول الذي فاز بـ"الأسد الذهبي" في مهرجان البندقية عام 2003، و"الاستبعاد" و"يلينا"، و"ليفياثان"، و"بلا حب"، هذه العودة إلى السينما تستكمل خطاً بدأ قبل أكثر من 20 عاماً. ففي أفلامه كلها تقريباً، العائلة هي المدخل الذي يعبر منه المخرج الروسي إلى المجتمع. الأب في "العودة" قوة تفرض نفسها على الأبناء، في حين أن المال والطبقة والسلطة تحكم العلاقات في "يلينا"، أما الدولة والكنيسة والقضاء والشرطة فتتشابك في "ليفياثان". أخيراً، في "بلا حب" تتحول الأسرة إلى فضاء خالٍ من الرعاية، فيما يؤدي اختفاء الطفل إلى كشف فراغ أوسع من حدود البيت.

في "مينوتور"، الواقع المفروض على الروسيين منذ 2022 جعل عالم زفياغينتسف يلتصق بالحرب إلى درجة كبيرة. لم تعد السلطة مجرد حضور مؤسسي أو خلفية اجتماعية، بعدما صارت الحرب جزءاً من الحياة الخاصة. يتناول زفياغينتسف هذا كله من خلال مسألة الخيانة الزوجية التي تتيح له بناء استعارة سياسية.  

النظرة إلى المجتمع تفسر أيضاً موقع المخرج داخل السينما الروسية. منذ "العودة"، كان يصور بلاده من مسافة تبدو أحياناً أقرب إلى عين شخص يعيش داخلها وخارجها في الوقت نفسه. فروسيا لم تكن يوماً عنده مشهداً فولكلورياً ولا وطناً رومانسياً (على طريقة بعض أفلام نيكيتا ميخالكوف)، بقدر ما قدمه كمنظومة علاقات تحكمها السلطة والخوف. ولذلك يصعب فصل الجمالي عنده عن السياسي. حتى حين لا يتحدث الفيلم عن الكرملين مباشرة، تظل الدولة حاضرة في شكل العلاقات، وفي طريقة تعامل الشخصيات مع بعضها البعض. في "ليفياثان"، اتخذ هذا المنظور شكلاً سياسياً مباشراً، مع شخصية الرجل الذي يصطدم بجهاز كامل من البلدية والقضاء والشرطة والكنيسة. أما "بلا حب"، فقد انتقل زفياغينتسف إلى مستوى أكثر قتامة: مجتمع يُنسَف من الداخل. في "مينوتور"، يلتقي المستويان: الخاص والعام، العائلة والدولة، الرغبة في السيطرة والخوف من فقدانها.

للمنفى مكان مهم في تجربة زفياغينتسف. غادر روسيا جسدياً، لكنه لم يغادرها معنوياً وسينمائياً. هو نفسه تحدث عن شعوره بأنه لا ينتمي بصورة كاملة إلى روسيا التي تركها ولا إلى أوروبا التي يعيش فيها الآن. هذه الازدواجية مفتاح آخر لقراءة أفلامه، اذ ان شخصياته هي الأخرى عالقة دائماً بين مكانين، بين رغبة في الاستمرار وحقيقة أن العالم الذي كانت تعرفه ما عاد يُعتمد عليه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تسمية "عميل أجنبي" التي أطلقتها السلطات الروسية عليه ذات دلالة سينمائية. فمنذ بداياته، كان زفياغينتسف مخرجاً ينظر إلى بلده من مسافة نقدية. وبعد مغادرته روسيا، أصبحت تلك المسافة جغرافية كذلك. واليوم، تُمنَح هذه المسافة اسماً قانونياً وسياسياً على شكل اتهام خطر.  

والأسوأ من هذا كله أن زفياغينتسف يعيش بين المطرقة الروسية والسندان الأوروبي، واصفاً العمل كمخرج روسي يعيش على هامش الحرب الدائرة بين روسيا وأوكرانيا بـ"شديد الصعوبة"، مشيراً إلى ما يصفه بـ"التحيز الواسع" ضد كل ما هو روسي، خصوصاً في أوروبا، حيث باتت صفة "روسي" تفرض عبئاً إضافياً على المشاريع السينمائية. يرى أن فرص المخرجين الروس في العمل خارج بلادهم تقلصت بشدة، لا سيما عندما تكون أفلامهم باللغة الروسية. أما بالنسبة إليه، فسمعته التي بناها طوال سنوات تمنحه هامشاً أكبر للتعاون مع المنتجين غير الروس.  

يبقى الجانب الحميمي جداً في هذا كله. فحياة اللاجئ يقول عنها زفياغينتسف بشيء من المرارة، بـ"أنها تحدٍّ كبير مادياً ومعنوياً"، مشبّهاً نفسه بسمكة أُلقيت في حوض مليء بأسماك غريبة. 

اقرأ المزيد

المزيد من سينما