Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حجم التمثيل السياسي للمرأة في المغرب

محدودية حضور النساء في مواقع القيادة داخل اللوائح المحلية واستمرار التفاوت في فرص وصولهن إلى مواقع القرار

يعتمد المغرب نظام الحصة الخاصة بالمرأة في الانتخابات لأكثر من 24 عاماً (أ ف ب)

ملخص

على رغم اعتماد المغرب لنظام الحصة الخاصة بالمرأة في الانتخابات لأكثر من 24 عاماً، إلا أن ناشطات يؤكدن أن هذا التوجه لم يؤثر بصورة كبيرة في حجم التمثيل السياسي النسائي، وذلك في ظل وجود مجموعة معوقات.

ظلت المرأة لعقود خارج المجال السياسي في المغرب بالنظر للطابع المحافظ للمجتمع، الى أن جرى انتخاب سيدتين في البرلمان عام 1993، وذلك مع بداية الانفراج السياسي بالبلاد، وتعزز ذلك التوجه في عام 2002 بإقرار نظام "الكوتا" (الحصة) الذي خصص لهن 30 مقعداً، وتضاعفت تلك الحصة في عام 2011، إلى أن أصبحت 90 مقعداً في الانتخابات التشريعية لعام 2021.

ومع ذلك، لا تزال الحركة النسائية تنبه إلى "محدودية حضور النساء في مواقع القيادة داخل اللوائح المحلية، واستمرار التفاوت في فرص وصولهن إلى مواقع القرار والترشح، ولا سيما على مستوى رئاسة اللوائح المحلية"، ومن "اعتماد معايير متفاوتة في اختيار المرشحات، واللجوء في بعض الحالات إلى اعتبارات القرابة والقدرة المالية". وتعبر الحركة عن تخوفها من تحول القدرة المالية إلى عامل حاسم في فرص الترشيح والمنافسة، ما من شأنه تقويض مبدأ تكافؤ الفرص وإقصاء كفاءات نسائية قادرة على الإسهام في الحياة السياسية، إضافة إلى استمرار بعض الممارسات والخطابات السياسية والمجتمعية التي تعكس مقاومات ثقافية ومؤسساتية وسياسية لمشاركة النساء في الحياة العامة، ولحقهن في القيادة والوصول إلى مواقع صنع القرار، وكذا بروز مظاهر العنف السياسي ضد النساء بمختلف أشكاله، وبخاصة العنف الرقمي، بما يؤثر في مشاركتهن السياسية وحضورهن في الفضاء العام.

آلية محدودة

على رغم اعتماد المغرب لنظام الحصة الخاصة بالمرأة في الانتخابات لأكثر من 24 عاماً، إلا أن ناشطات يؤكدن أن هذا التوجه لم يؤثر بصورة كبيرة في حجم التمثيل السياسي النسائي، وذلك في ظل وجود مجموعة معوقات. وتوضح المحامية والناشطة السياسية مريم جمال الإدريسي أنه على رغم مساهمة آلية التمييز الإيجابي في الرفع من عدد النساء داخل مجلس النواب، إلا أنها لم تغير بصورة كافية البنية العميقة للممارسة السياسية، ففي انتخابات 2021 وصلت 96 امرأة إلى مجلس النواب من أصل 395 عضواً، أي بنسبة تقارب 24.3 في المئة غير أن 90 منهن انتخبن عبر الدوائر الجهوية، في مقابل ست نساء فقط عبر الدوائر المحلية، موضحة أن "هذه الأرقام تكشف عن أن الولوج النسائي ما زال معتمداً بصورة شبه كاملة على الآلية التصحيحية، وأن الأحزاب لم تنجح في إدماج النساء بصورة طبيعية داخل التنافس المحلي المباشر".

وبخصوص أسباب تلك الوضعية، توضح الناشطة السياسية أن جنباً منها مرتبط بمنح الرجال غالباً رئاسة اللوائح في الدوائر التي تتوفر فيها فرص حقيقية للفوز، في مقابل حصر النساء في لوائح أو مراتب انتخابية ضعيفة، إضافة إلى ضعف الدعم المالي والتنظيمي والإعلامي المقدم للمرشحات، وكذا هيمنة شبكات النفوذ والولاء والقرابة والمال على صناعة التزكيات. وتضيف إلى ذلك عوامل أخرى منها استعمال المرأة لتأثيث المشهد الحزبي، من دون تمكينها من المشاركة الحقيقية في القرار، وتعرض النساء المستقلات أو الناقدات للتشهير والضغط والعنف الرقمي والتنظيمي.

من جانبها، تؤكد رئيسة منظمة "المرأة العاملة والمقاولة" إيمان غانمي أن ضعف مشاركة النساء في الانتخابات مرتبط بسياق سياسي وثقافي، موضحة أن تلك الظاهرة تعد نتيجة تراكمات تاريخية وهيكلية جعلت شروط المشاركة نفسها غير منصفة، مشيرة إلى أن الصورة النمطية المرتبطة بالسياسة كونها فضاء للصراع تجعل عدداً من النساء يشعرن بأن هذا المجال لا ينسجم مع أساليب عملهن القائمة على الحوار والعمل الهادئ.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

آلية دستورية؟

في ظل تأكيد الدستور المغربي على مبدأ المساواة بين الجنسين، يعترض جانب من المجتمع على آلية الحصة ويرى هذا الجانب أنها "غير دستورية"، لكن الناشطة السياسية مريم جمال الإدريسي تلفت إلى أن هذا الاعتراض ينطلق من مفهوم شكلي للمساواة، وكأن جميع المواطنين ينطلقون من الموقع ذاته ويتمتعون بالفرص ذاتها، والحال أن المساواة الحقيقية لا تعني فقط إخضاع الجميع للقاعدة نفسها، بل تقتضي أحياناً اتخاذ تدابير تصحيحية لمعالجة اختلال تاريخي وبنيوي، موضحة أن الفصل 19 من الدستور المغربي لا يكتفي بإقرار المساواة بين النساء والرجال، بل يلزم الدولة السعي إلى تحقيق المناصفة، كذلك يضمن الفصل 30 حق المواطنات والمواطنين في التصويت والترشح، وينص على أن القانون يضع مقتضيات من شأنها تشجيع تكافؤ الفرص بين النساء والرجال في الولوج إلى الوظائف الانتخابية، لذلك فالتدابير التصحيحية لا تتعارض مع الدستور، ما دامت تستهدف تحقيق المساواة الفعلية والمناصفة، وتقوم على مبررات موضوعية، وتظل مرتبطة باستمرار الاختلال، ولا تتحول إلى امتياز شخصي دائم.

وتضيف الإدريسي أن المادة الرابعة من اتفاق القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة تنص على أن التدابير الخاصة الموقتة الهادفة إلى التعجيل بالمساواة الفعلية لا تعد تمييزاً، وبالتالي فإن "الكوتا" ليست استثناء لمبدأ المساواة، وإنما أداة للانتقال من المساواة القانونية المجردة إلى المساواة الفعلية، غير أن مشروعيتها تضعف عندما تتحول من وسيلة لإنصاف النساء إلى وسيلة لتوزيع المواقع على أساس الولاء والقرابة والنفوذ المالي.

الأحزاب "تزيد الطين بلة"

توضح الإدريسي أنه من الناحية النظرية تكاد جميع الأحزاب تعلن التزامها بالمناصفة وتمكين النساء، لكن الاختبار الحقيقي لا يوجد في البرامج والشعارات، بالنظر إلى استمرار بعض الأحزاب في عد المرأة  رقماً مطلوباً لاستكمال اللائحة، لا على أنها شريكة في صناعة القرار، مشيرة إلى تحول "الكوتا" في بعض الممارسات من آلية لفتح المجال أمام السياسيات اللاتي جرى إقصاؤهن إلى دائرة مغلقة تستفيد منها الأسماء الأقرب إلى مراكز النفوذ، لذلك يجب ربط جزء من الدعم العمومي للأحزاب ليس بعدد المرشحات فقط، بل بعدد النساء المنتخبات فعلياً، وعدد وكيلات اللوائح المحلية، وحضور النساء في أجهزة القرار، مع فرض شفافية حقيقية على مسطرة التزكيات، وفرض عقوبات على الأحزاب التي لا تحترم التمثيلية الحقيقية للنساء.

من ناحيتها، أكدت إيمان غانمي أن الأحزاب تتحمل جانباً مهماً من المسؤولية في ضعف المشاركة السياسية للمرأة، لأنها فشلت في بناء مسارات حقيقية لتأهيل الكفاءات النسائية، إذ يجري غالباً إدماج المرأة بصورة محدودة، من دون توفير تدريب سياسي أو تنظيمي يتيح لها لعب أدوار قيادية، موضحة أن منطق القرابة والولاءات الشخصية يؤثر بدوره في عملية الترشيح، وهو ما ينتج إحباطاً لدى مناضلات راكمن تجربة ميدانية.

مقاومة ثقافية وسياسية

أشار "ائتلاف 190 لمناهضة العنف" و"ائتلاف من أجل كرامة وحقوق النساء"، اللذان يضمان جمعيات حقوقية، إلى "استمرار بعض الممارسات والخطابات السياسية والمجتمعية التي تعكس مقاومات ثقافية ومؤسساتية وسياسية لمشاركة النساء في الحياة العامة، ولحقهن في القيادة والوصول إلى مواقع صنع القرار"، إضافة إلى "بروز مظاهر العنف السياسي ضد النساء بمختلف أشكاله، وبخاصة العنف الرقمي، بما يؤثر في مشاركتهن السياسية وحضورهن في الفضاء العام".

وتوضح الناشطة السياسية مريم جمال الإدريسي أن تلك الملاحظات تؤكدها الممارسة السياسية، ويمكن تصنيف هذه المقاومات في ثلاثة مستويات: مقاومة ثقافية، بحيث ما يزال جزء من المجتمع ينظر إلى القيادة والسلطة والتنافس الانتخابي على أنها مجالات رجالية، بينما يطلب من المرأة أن تكون هادئة ومطيعة، وتتعرض المرأة القوية أو الصريحة إلى أحكام أخلاقية لا يتعرض لها الرجل، بل تصبح مادة للتشهير والتعنيف النفسي والسياسي، إضافة إلى مقاومة مؤسساتية التي تظهر في ضعف آليات الإنصاف، وغياب مساطر فعالة للطعن في التمييز السياسي، وعدم وجود حماية كافية من التشهير والعنف الرقمي والاقتصادي والتنظيمي، وكذا مقاومة سياسية وحزبية التي تتجسد في تحكم الأحزاب في التزكيات، وإقصاء المناضلات، وتقديم الولاء على الكفاءة، واستعمال المال أو القرابة والنفوذ، وإبعاد النساء المستقلات أو الناقدات من مواقع القرار.

وتوضح المناضلة السياسية أن العنف السياسي ضد النساء لا يقتصر على الاعتداء المباشر، بل يشمل أيضاً التشهير والتحقير والابتزاز والإقصاء التنظيمي والضغط المالي واستعمال المساطر بصورة انتقائية ومحاولة إسكات المرأة بسبب مواقفها، وبالتالي فإن العنف السياسي ضد النساء جريمة بطلها عقلية إقصائية ومسرحها أحزاب ذكورية.

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات