ملخص
تلجأ عشرات الدول إلى دعم الوقود أو خفض الضرائب أو وضع سقوف للأسعار، بينما يحذر صندوق النقد الدولي من أن استمرار هذه الإجراءات قد يفاقم الضغوط على الميزانيات العامة.
تدفع حرب إيران أسعار الوقود إلى الارتفاع في أنحاء العالم، مما أدى إلى احتجاجات غاضبة في دول عدة، وأصبح يضغط على اقتصادات لا علاقة مباشرة لها بالحرب.
تكمن أهمية الأزمة في أن تأثيرها لا يقتصر على ارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة، إذ تتسبب الحرب في مشكلات اقتصادية حول العالم، وفي بعض الحالات تكون تداعياتها أشد بكثير مما يواجهه الأميركيون.
ويؤدي ارتفاع الأسعار إلى الضغط على المستهلكين، كما يفاقم الأوضاع المالية للحكومات التي تحاول احتواء الصدمة، خصوصاً الدول الفقيرة والنامية التي لا تملك مساحة مالية كبيرة لتقديم الدعم.
تمتد التداعيات إلى دول تواجه في الوقت ذاته ارتفاعاً في أسعار الغاز الطبيعي والديزل وأنواع الوقود الأخرى، وتظهر بيانات البنك الدولي الاتجاه الصاعد في أسعار الوقود على مستوى العالم، مع تفاوت كبير في حجم الزيادات بين الدول.
وتؤكد مؤسسات دولية أن تأثير صدمة الطاقة غير متساوٍ، إذ تتضرر الدول المستوردة للطاقة، لا سيما منخفضة الدخل، بصورة أكبر.
تفاوت حاد في ارتفاع الأسعار
تختلف الزيادات في أسعار الوقود بدرجة كبيرة من دولة إلى أخرى، فقد شهد عدد من الدول التي تعتمد بصورة كبيرة على واردات الوقود، مثل باكستان وميانمار، ارتفاعات حادة في الأسعار، لكن الولايات المتحدة، أكبر منتج للنفط والبنزين في العالم، تشهد هي الأخرى ارتفاعاً كبيراً في الأسعار.
وتحدد أسعار النفط الخام، التي تمثل أكبر مدخل في كلفة البنزين، في الأسواق العالمية، وعلى خلاف بعض الدول، لم تفرض الحكومة الفيدرالية الأميركية سقوفاً أو دعماً مباشراً لأسعار التجزئة.
ويأتي ذلك في وقت تؤكد تقديرات صندوق النقد الدولي أن أسعار النفط أصبحت أعلى بنحو 30 في المئة من مستويات ما قبل الحرب، مع اختلاف التأثير بصورة كبيرة من اقتصاد إلى آخر بحسب درجة الاعتماد على الواردات وقدرة الحكومات على التدخل.
ضربات روسية وأوكرانية تزيد الضغوط
تسهم أيضاً ضربات الطائرات المسيرة الأوكرانية على مصافي التكرير الروسية في زيادة أسعار وقود السيارات، خصوصاً الديزل، ويضيف ذلك ضغطاً آخر إلى سوق الوقود العالمية التي تواجه بالفعل تداعيات الحرب واضطرابات الإمدادات.
حكومات أمام خيارات صعبة
في الصورة الأوسع، ومع عدم وجود حل للصراع في الأفق، تواجه حكومات كثيرة خيارات صعبة: إما تحميل ميزانياتها كلفة دعم الوقود، أو مواجهة التداعيات السياسية لارتفاع كلفة الوقود على المواطنين.
واتخذت عشرات الدول بالفعل خطوات لوضع سقوف للأسعار أو تقديم دعم أو خفض الضرائب على أنواع مختلفة من الوقود، وفقاً لوكالة الطاقة الدولية.
وتتخذ حكومات إجراءات لخفض الطلب، من بينها تشجيع العمل عن بعد وتقليص سفر المسؤولين والموظفين الحكوميين.
وتراقب المؤسسات الدولية هذه الإجراءات عن كثب، إذ أنشأ صندوق النقد الدولي قاعدة بيانات لتتبع استجابات الحكومات لأزمة الطاقة، وسجل نحو 900 إجراء في حوالى 170 دولة منذ بداية الحرب، معظمها يهدف إلى الحد من انتقال ارتفاع أسعار الطاقة إلى المستهلكين والشركات.
صندوق النقد يحذر من كلفة الدعم
يشعر صندوق النقد الدولي بالقلق من الأثر المالي لبرامج دعم أسعار الوقود، خصوصاً إذا استمرت هذه الإجراءات بعد انتهاء صدمة الطاقة.
وحذر مسؤولون كبار في الصندوق من أن نسبة كبيرة من الإجراءات التي توصف بأنها موقتة لا تتضمن تواريخ واضحة لانتهائها أو تقديرات لكلفتها المالية.
ويرى الصندوق أن استمرار الدعم غير الموجه قد يؤدي إلى ارتفاع سريع في الكلفة المالية، خصوصاً إذا بقيت أسعار الوقود العالمية مرتفعة، كما أن سقوف الأسعار التي تفرضها الدول المستوردة للنفط قد تصبح صعبة التمويل إذا ارتفعت الأسعار العالمية أكثر.
بين خفض الطلب ودعم الأسعار
قال الباحث في شؤون الطاقة لدى المجلس الأطلسي جوزيف ويبستر، لموقع "أكسيوس"، جوزيف ويبستر، "فشلت أماكن كثيرة في خفض الطلب، وبدلاً من ذلك تعمل على تقييد الأسعار بصورة مصطنعة". وأضاف في رسالة عبر البريد الإلكتروني، "هذا النهج مضلل، فخفض الطلب تدريجاً وبطريقة منظمة أقل ضرراً سياسياً بكثير من اللجوء إلى تقنين مفاجئ وحاد وفوضوي". وتابع أيضاً إن على الدول أن تتعامل تدريجياً مع سحب الدعم، لأن السماح للأسعار بالارتفاع بصورة مفاجئة قد يؤدي إلى اضطرابات اجتماعية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتنسجم هذه المخاوف مع تحذيرات صندوق النقد الدولي من أن سياسات دعم الأسعار الواسعة قد تكون مكلفة وصعبة الإلغاء، خصوصاً إذا استمر ارتفاع أسعار الطاقة لفترة أطول.
كينيا مثال على التداعيات
وفي كينيا تتفاقم مشكلات التضخم والدين العام وبطالة الشباب بسبب ارتفاع كلفة الوقود، وفق باحثين في مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي" كتبوا في أواخر أغسطس (آب) الماضي.
وتواجه كينيا أيضاً ارتفاعاً في أسعار الأسمدة نتيجة الحرب، وتعتمد البلاد بدرجة كبيرة على واردات الوقود من الشرق الأوسط، وشهدت احتجاجات واسعة في مايو (أيار) الماضي، لكن المشكلات التي تواجهها ليست حال استثنائية في المنطقة.
وكتب الباحثون أن "حال كينيا تمثل إشارة إلى دول أخرى في المنطقة تقع في الجانب المتلقي من التداعيات الاقتصادية للحرب"، داعين إلى اتخاذ إجراءات أكبر لتعزيز "القدرة على الصمود" وتقليل تعرض الدول للصدمات الخارجية.
وتأتي هذه التداعيات في وقت تؤكد فيه المؤسسات المالية الدولية أن صدمة الطاقة تؤثر بصورة غير متساوية في الاقتصادات، إذ تتحمل الدول المستوردة للنفط والدول ذات المساحة المالية المحدودة العبء الأكبر.