Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العمل الليلي... حكاية الساهرين اضطرارا

ازداد عدد العاملين ليلاً في العالم كله واختلفت طبيعة الأعمال وتأثيرات كبيرة في الصحة والتركيز والحياة الاجتماعية

يعمل شخص من كل خمسة أشخاص بنظام الورديات الليلية (رويترز)

ملخص

في تقرير صادر عن منظمة الصحة العالمية ثبت أن واحداً من ضمن كل خمسة أشخاص يعمل في وردية ليلية، كيف تغير شكل الوظائف؟ ولماذا زاد العمل الليلي وكيف من المفترض أن تكون حقوق العاملين في ورديات مسائية؟ وهل بالفعل تلتزم الشركات والمؤسسات المختلفة بهذا؟

في إحصاء صادر عن منظمة الصحة العالمية وجد أن شخصاً من كل خمسة أشخاص يعمل بنظام الورديات الليلية، وانتظمت حياته وتكيفت على هذا الوضع، أي يعمل 20 في المئة من العاملين في العالم طوال ساعات الليل، وفي الوقت نفسه أشار تقرير للمنظمة إلى أن هناك قطاعات معينة تزداد فيها فكرة العمالة الليلية في العالم كله، من بينها مقدمو الرعاية الصحية، والخدمات اللوجيستية والنقل، وقطاعات الأمن والسلامة، والمصانع والإنتاج في الخطوط التي تعتمد على التشغيل المستمر.

وفي مصر في زمن سابق كانت الأعمال الليلية تقتصر على نوعيات معينة من المهن، من بينها الأطباء والقطاعات الخدمية بأنواعها المختلفة، وبعض قطاعات الترفيه، لكن حالياً ومع مرور الزمن وتغير طابع وشكل الأعمال نفسها فإن هناك كثيراً من الوظائف المستحدثة أصبحت تنتشر بصورة كبيرة في المجتمع من بينها الكول سنتر الذي يعمل في بعض المؤسسات على مدى الساعة، وعمال الديليفري الذين يسيرون بالدراجات البخارية في الشوارع طوال ساعات الليل والنهار، ومقدمو الخدمات المختلفة أونلاين مثل الخدمات التعليمية والكورسات على سبيل المثال فيكون الموعد في ساعة متأخرة من الليل بناءً على رغبة طالب الخدمة، الذي قد يكون لديه ارتباط صباحي أو مقدمها الذي ربما لديه وظيفة أخرى في الصباح، فالتكنولوجيا وإتاحة التواصل ساعدت على خلق وظائف ونوعيات جديدة من الأعمال لا تتطلب الحضور في مقار العمل.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا شك أن الظروف الاقتصادية ألقت بظلالها على هذا الوضع، فالحاجة إلى زيادة الدخل دفعت قطاعات كبيرة إلى العمل فترة أخرى أو حتى ساعات عدة إضافية ليلاً لملاحقة النفقات المتزايدة. وفي مصر يعرف قانون العمل المصري العمل الليلي بأنه الورديات التي تقع بين الساعة السابعة مساءً وحتى السابعة صباحاً مع فرض راحة لا تقل عن ساعة بين كل وردية وأخرى، ولا يوجد أي إحصاء دقيق لعدد العاملين ليلاً في مصر صادر عن جهة رسمية، باعتبار أن كثيراً منهم يعملون في الاقتصاد غير الرسمي مثل السائقين وبائعي المحال وقطاع من عمال المصانع وعمال التوصيل وغيرها من العمالة التي تنشط ليلاً، فلا يمكن حصرها ضمن إجمال عدد المشتغلين في مصر، الذي وصل إلى نحو 33.6 مليون شخص عام 2025 طبقاً للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.

شيفت ليلي: مزايا وعيوب

كيف تغير شكل الوظائف؟ ولماذا زاد العمل الليلي وكيف من المفترض أن تكون حقوق العاملين في ورديات مسائية؟ وهل بالفعل تلتزم الشركات والمؤسسات المختلفة بهذا؟

تجيب مستشار الموارد البشرية والتوظيف، مريم ويليام "في الأعوام الأخيرة تغير بالفعل شكل وطبيعة العمل في مجتمعات كثيرة، من بينها زيادة نسبة العاملين في شيفت ليلي، هذا الأمر له أسباب عدة من بينها زيادة انتشار نوعيات معينة من الأعمال، التي تحتاج إلى عمالة على مدى الساعة، قطاع كبير من العاملين ’فريلانس‘، بخاصة مع شركات في دول أخرى يعملون بهذا الأسلوب وعددهم يتزايد مع الوقت، ومثل عمال التوصيل الذين يعملون في ورديات طوال الليل والنهار للمطاعم وتطبيقات التوصيل المختلفة، ولا يقتصر الأمر هنا على عامل التوصيل إذ وراءه فريق كامل لإعداد الطلبات، هذا إلى جانب المناطق السياحية والترفيهية التي تعمل طوال الليل والنهار".

 

وتضيف "هناك فئة أخرى تعمل ليلاً في عمل إضافي، لتحسين وضعها وزيادة الدخل في ظل ظروف اقتصادية صعبة، وهذه الفئة التي لا تعتبر قليلة وضعها أصعب بكثير، لأنها في ضغط متواصل، ولا تحصل على ساعات نوم كافية، وتكون في ضغط نفسي وذهني متواصل، العمل الليلي في مصر نسبته أكبر بكثير من دول أخرى، بسبب طبيعتها التي لا تنام، الأمر هنا مرتبط بثقافة الناس وطبيعة الحياة المستمرة والمحال المفتوحة وقطاعات الترفيه تعمل وبعض الأماكن تعدها نقطة قوة أنها تقدم خدمات على مدى الساعة".

وتتابع "في ما يتعلق بطبيعة الميزات التي من المفترض أن يحصل عليها من يكون عمله ليلاً، فالطبيعي أن راتبه يكون أكبر، وفي الأعمال التي تتطلب حضوراً في مقر معين لا بد من أن تقوم الشركة أو المؤسسة بتوفير حماية مثل أفراد أمن لزيادة عنصر الأمان وتوفير وسائل للانتقال، بعض الشركات تراعي هذا وبعضها للأسف لا يهتم، بصورة عامة العمل الليلي له مزايا وعيوب، فهو يتيح فرصاً لأشخاص قد لا يتمكنون من العمل نهاراً لأي سبب، ويساعد آخرين على زيادة دخلهم بعمل إضافي، لكنه من جانب آخر قد يمثل ضغطاً على الموارد باستمرار التشغيل واستهلاك الطاقة والأجهزة، وما إلى ذلك بصورة متواصلة فهي في النهاية معادلة تجمع بين الجانبين".

"حياة اجتماعية صعبة"

كيف هي تجارب بعض العاملين ليلاً في مهن غير المعتاد أن تعمل ليلاً؟ وكيف هي تأثيرات هذا الوضع في أسرهم وحياتهم؟ ولماذا يلجأون لهذا الاختيار من الأساس على رغم كل الصعوبات التي يمكن أن تواجههم؟

يقول سامح السيد، 38 سنة، يعمل في مجال البرمجة "لعامين متواصلين الآن أعمل مع شركة خارج البلاد بساعات عمل تتناسب مع توقيتهم، فينتج من هذا أني أعمل طوال الليل وحتى الساعات الأولى من الصباح. هذا الوضع له ميزات وعيوب، من ناحية أعمل من منزلي في هدوء تام، فلا يوجد أي مؤثرات خارجية تسبب التشتت أو الإزعاج، لكن هناك جانباً سلبياً يتركز في أنني أصبحت بعيداً تماماً عن أي اجتماعيات وحتى في أيام الإجازة، أصبحت معتاداً على السهر طوال الليل والنوم نهاراً، وانعكس هذا على حياتي بصورة عامة، إذ أصبحت لا أستطيع التركيز نهاراً في أي شيء".

بينما تشير زوجته سارة إلى أن "هذا النظام أصبح له انعكاس كبير على حياتنا، ففي وقت يبدأ هو في النوم صباحاً نكون أنا والأطفال نستعد للنزول للمدرسة والعمل، ونعود في توقيت استيقاظه وبداية يومه، وعمله من المنزل أصبح يسبب له كثيراً من الملل، وفي الوقت نفسه فإن حياتنا الاجتماعية أصبحت صعبة لاختلاف أيام عطلته الأسبوعية معنا، فلا نستطيع الخروج أو الزيارات العائلية معه، وغالباً نقوم بهذا بمفردنا، حالياً أعرف أكثر من شخص يعمل بهذا النظام، وهذا له انعكاسات كثيرة على جوانب مختلفة من الحياة".

 

فيما تقول ريهام حسن، تعمل في مجال الكول سنتر "اخترت أن أعمل طوال الليل بإرادتي، لأن هذا الوضع أنسب لظروفي، لا أستطيع العمل نهاراً لارتباطي بمسؤوليات تتعلق بأسرتي وأطفالي، لدي توأم عمرهما ثلاث سنوات، مما يفقدني التركيز في أي شيء صباحاً، طوال عام كنت أعمل طوال الليل وقت نومهما، ثم أقوم بتوصيلهما للحضانة صباحاً، وأعود لأنام حتى موعد عودتهما، هذا هو الحل الوحيد الذي مكنني من الاستمرار في عملي، ولا أرغب في تركه، لأن الظروف الاقتصادية أصبحت صعبة على الجميع، ساعد على هذا الوضع أن زوجي يعمل لأيام عدة في محافظة أخرى، فهو غير موجود دائماً، ومن ثم غير متضرر من هذا الوضع".

وتحكي رحمة. أ، مدرسة ومحفظة قرآن "لزيادة دخلي أعمل ثلاثة أيام في الأسبوع في تحفيظ القرآن أونلاين لبعض الأطفال المصريين المقيمين في إحدى الدول البعيدة، بسبب ظروف عمل أسرهم، وفارق التوقيت يجعل ساعات العمل تكون قرب الفجر بتوقيت القاهرة، حيث أعيش. هذا العمل على رغم موعده الصعب، فإنه له ميزات مثل أني أقوم به منزلياً وأحصل على راتب جيد، ولا أحتاج إلى نفقات مثل المواصلات وغيرها، الحياة كلها تغيرت، وعلينا أن نتكيف مع الظروف ونستغل الفرص المتاحة".

من يدفع ثمن الفاتورة الصحية؟

النظام المعاكس لنظام الطبيعة من جهة النوم نهاراً والسهر طوال الليل يؤدي إلى ارتباك واضح في الساعة البيولوجية، وينتج منه تأثيرات مباشرة في الصحة العامة والتركيز والحالة النفسية، وفي حال الاستمرار على هذا الوضع فترات طويلة مثل حال العاملين ليلاً في مختلف القطاعات فإن التأثير بلا شك يكون أكبر بكثير.

في بحث منشور بمجلة sleep العلمية المعنية بأبحاث طب النوم بعنوان "اضطراب النوم والساعة البيولوجية الناتج من محاكاة العمل بنظام الورديات الليلية" هدفت الدراسة إلى قياس التأثيرات الناتجة من العمل الليلي، وكانت العينة مجموعة من الشباب الأصحاء في العشرينيات، وثبت أن اعتماد هذا النظام ينتج منه تراجع كفاءة التمثيل الغذائي، وتأثر ضغط الدم، وتغيرات كبيرة في جودة النوم، وزيادة احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة مع الوقت.

حول تأثير العمل الليلي فترات طويلة يقول أستاذ الأعصاب واستشاري طب النوم رامز رضا "يوجد تأثير كبير للاستمرار في العمل الليلي على مدى فترات طويلة، هؤلاء الأشخاص لديهم دائماً مشكلات في ساعتهم البيولوجية، ونشاطهم طوال النهار غير الطبيعي، ومع الوقت يبدأ ظهور التأثير السلبي نتيجة لحدوث اضطرابات في الهرمونات، وأحياناً يصاب بعض هؤلاء الأشخاص بأمراض مزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم، نتائج هذا الوضع تبدأ في الظهور بعد أعوام من الاستمرار عليه، فإذا كان العامل ليلاً في العشرينيات قد لا يشعر بأثر كبير، لكن مع التقدم في العمر ستبدأ المشكلات في الظهور".

 

يضيف رضا "هؤلاء الأشخاص يحصلون على قدر قليل من النوم غير المنتظم، وهذا له تأثيرات كبيرة في الحالة النفسية والذاكرة، وغالباً يؤدي إلى زيادة التوتر والضغط العصبي بصورة كبيرة على الشخص، ومع الوقت يمكن أن يؤثر ذلك في أدائهم عملهم، بخاصة في الأعمال التي تتطلب تركيزاً شديداً مثل القيادة على سبيل المثال، ويمكن أن تكون نسبة الخطأ في العمل أكبر في الورديات الليلية عموماً، سواء كانت الأخطاء البسيطة مروراً بالحرائق أو الحوادث الكبرى".

ويتابع "للأسف ينتج من هذا مشكلات عدة، أشهرها أن الاحتراق الوظيفي يكون أسرع لعدم قدرة العامل على الاستمرار على هذا الوضع فترات طويلة نتيجة الإرهاق البدني والذهني المتواصل، ومن ثم ينتج من ذلك أن نسبة تغيير العاملين في الشركة أو المؤسسة تكون أعلى، ويمثل هذا كلفة إضافية عليها، وفي حال الاضطرار إلى هذا الوضع بسبب طبيعة العمل ذاتها فلا بد من أن يكون وفق نظام يتيح أقل الأضرار على العاملين، فإما يكون فترة متصلة مثل أسبوع متواصل ليلاً وآخر صباحاً، وفي حال عدم إمكان ذلك فإنه من الضروري أن يكون هناك يوم فاصل بين العمل الصباحي والمسائي، فصاحب العمل نفسه لا بد من أن يدرك أن هذا لصالحه ولصالح الأداء في العمل، لأن الإرهاق الذهني والبدني المبالغ فيه سينعكس على العمل بصورة مباشرة".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات