Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

رموز الأحزاب... هوية مشتتة بين نخب وناخبي المغرب

لم تعد موجهة للمقترعين إذ استمدته بعضها من المرجعية الأيدولوجية وأخرى من قادتها أو شعاراتها

اعتماد المغرب الرموز في الانتخابات جاء تماشياً مع اعتماد صيغة الاقتراع المعتمد التي تقوم على ورقة الاقتراع الفريدة (أ ف ب)

ملخص

بعد أن كانت الأحزاب المغربية تلجأ إلى الألوان لتمييز نفسها، وليتعرف عليها الناخب خلال أعوام الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، شرعت بعض هذه الهيئات في توظيف الرموز في انتخابات عام 1997، قبل أن تتطور وتصبح أكثر حضوراً في المشهد البصري للأحزاب، منذ انتخابات سبتمبر 2002.

من الميزان والحمامة والجرار والكِتاب والسنبلة، إلى الجمل والدولفين والصنبور والطائرة، تبدو خريطة الشعارات أو الرموز الانتخابية للأحزاب المغربية أشبه بمعجم بصري متنوع، تتجاور فيه الحيوانات والنباتات والأدوات ووسائل النقل والأشكال المجردة.

وبعد أن كان اعتماد هذه الرموز مرتبطاً أساساً بتسهيل تعرّف الناخب إلى الحزب الذي يختار التصويت عليه، فإن تنوعها خلال الأعوام الأخيرة يفتح الباب أمام أسئلة أخرى تتجاوز وظيفتها التقنية، وتتصل بما تنطوي عليه من إيحاءات سياسية واجتماعية وأيديولوجية، وبمدى قدرتها على التعبير عن هوية ومرجعيات الأحزاب في المغرب.

حيوانات ونباتات وطائرات

تحوي الرموز الانتخابية لكثير من الأحزاب المغربية أسماء حيوانات، من قبيل الأسد الذي ارتبط بالحزب "المغربي الليبرالي"، والدولفين الذي يُعرف به "الاتحاد المغربي للديمقراطية"، والجمل رمز حزب "الشورى والاستقلال"، وقبلهم الحصان الذي اشتهر به حزب "الاتحاد الدستوري"، ويضاف إلى قائمة الحيوانات هذه "الديك" الذي استخدمه حزب "النهضة" رمزاً له، والغزال أو الأيل رمز حزب "البيئة والتنمية المستدامة"، علاوة على رمز الحمامة الشهير الذي يحمله حزب "التجمع الوطني للأحرار"، قائد التحالف الحكومي الراهن.

وتظهر الطبيعة من نباتات وأشجار في عدد من رموز الأحزاب السياسية المغربية، فحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" اختار الوردة رمزاً له، وحزب "الحركة الشعبية" فضّل رمز "السنبلة"، وشجرة الأركان لـ "الحزب الاشتراكي"، والنخلة اختارها رمزاً حزب "الحركة الديمقراطية الاجتماعية"، بينما الزيتونة تعتلي شعار حزب "جبهة القوى الديمقراطية".

واختارت أحزاب سياسية أخرى الأدوات والأشياء اليومية رموزاً لها، مثل الصنبور رمز حزب "الوحدة والديمقراطية"، والمظلة رمز "الحزب الديمقراطي الوطني"، والعين شعار حزب "العمل"، والمنزل رمز حزب "القوات المواطنة"، وكذلك الشمعة رمز "الحزب الاشتراكي الموحد"، والميزان رمز حزب "الاستقلال"، والمصباح رمز حزب "العدالة والتنمية"، والهلال رمز حزب "الإصلاح والتنمية".

ولم تقتصر رموز الأحزاب السياسية في المغرب على الحيوانات والنباتات والأدوات الجامدة، بل امتدت إلى وسائل النقل أيضاً، فقد ارتبطت الطائرة بحزب "الأمل"، فيما حمَل "المؤتمر الوطني الاتحادي" السفينة رمزاً له، في سياقات ومناسبات انتخابية سابقة.

هويات أيديولوجية وتواصلية

وبعد أن كانت الأحزاب المغربية تلجأ إلى الألوان لتمييز نفسها، وليتعرف إليها الناخب خلال أعوام الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، شرعت بعض هذه الهيئات في توظيف الرموز في انتخابات عام 1997، قبل أن تتطور وتصبح أكثر حضوراً في المشهد البصري للأحزاب منذ انتخابات سبتمبر (أيلول) 2002.

وفي هذا الصدد، تقول الباحثة السياسية شريفة لومير إن اعتماد المغرب الرموز في انتخابات الـ27 من سبتمبر 2002 جاء تماشياً مع اعتماد صيغة الاقتراع المعتمد التي تقوم على ورقة الاقتراع الفريدة، ولأن هذا النمط يتيح التعرف بيسر إلى الحزب الذي يرغب الناخب في التصويت عليه، موضحة أن اعتماد الأحزاب المغربية على الرموز يُعزى إلى الرغبة في تسهيل تلقي واستيعاب الناخب المغربي للّوائح الانتخابية، بخاصة أن نسبة مهمة من الناخبين تدخل في خانة غير المتعلمين، لكن أيضاً لارتباط هذه الرموز بتمثلات معينة، مثل الصدقية والعدل وغير ذلك.

ولفتت المتحدثة إلى أن هذه الرموز لا تخلو من تثبيت للهوية الأيديولوجية لبعض الأحزاب، وليست رموزاً بصرية محضة فقط، مستدلة بارتباط حزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" بمرجعيته الاشتراكية، وبأحزاب اليسار في أوروبا التي تعتمد بدورها رمز الوردة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وذهبت لومير إلى أنه "مع وجود هذه الدلالات، اعتمدت بعض الأحزاب السياسية المغربية رموزاً ذات ارتباط بقيم إنسانية، لكن معظم الأحزاب حديثة النشأة اختارت رموزها بصورة طغى عليها الطابع التواصلي فقط".

ويرى مراقبون أن معظم رموز الأحزاب المغربية مجرد "رسوم بسيطة"، لا تترجم خلفيات أو مرجعيات سياسية أو أيديولوجية، تيسّر على الناخب فهم وإدراك هوية الحزب، انطلاقاً فقط من الشعار والرمز المرفوع.

وقد يُستثنى من هذا الاتجاه أحزاب سياسية كبرى، ذات امتداد شعبي وسياسي وتاريخي، من قبيل حزب "الاستقلال" الذي يرفع الميزان رمزاً، وهو يرفع شعار العدل والإنصاف، أو حزب "الاتحاد الاشتراكي" بوردته التي تحيل إلى رمز "القبضة والوردة الحمراء" لكثير من الأحزاب الاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية في أوروبا، وحزب "الحركة الشعبية" برمز السنبلة للإحالة إلى تخصص هذا الحزب في قضايا العالم القروي وشريحة الفلاحين، وحزب "العدالة والتنمية" برمز المصباح أو الفانوس، كإيحاء سياسي على تبديد ظلمات الفساد والمحسوبية.

علامات بصرية

من جهته، يرى الباحث في الإعلام والتواصل، أسامة باجي، أن رموز الأحزاب السياسية المغربية، من الميزان والحمامة والجرار والمصباح والرسالة والسنبلة وغيرها، تعتبر مادة لقراءة سياسية تتجاوز الوصف السطحي للرمز ودلالته المباشرة، ويشرح باجي قائلاً "نحن أمام علامات بصرية تُنتج خطاباً سياسياً داخل مجتمع له ذاكرة وتمثلات وتجارب سياسية متراكمة وذات علاقة بالرمز، ويصير الأمر أكثر جدلاً حين يرتبط بشخصية قيادية أو قبليّة لها حضورها وسط محيطها".

وبالتالي، وفق المتحدث، فلا يكفي القول إن الميزان يحيل إلى العدل، أو إن المصباح يحيل إلى النور، فهذه قراءة قاموسية للرمز، ويسأل "كيف تتحول هذه الصورة إلى سلطة رمزية؟ وكيف يختزن شكل بصري تاريخ حزب وموقعه الاجتماعي وخطابه وتجربته في الحكم أو المعارضة؟ وكيف يُعاد إنتاج معنى الرمز كلما تغيرت علاقة الحزب بالمجتمع؟"

وزاد باجي بأن العلامة ليست خارج الصراع السياسي، وإنما تدخل فيه، إذ تحمل معنى وتتنازع عليه القوى السياسية والاجتماعية في الوقت نفسه، وقد يصبح الرمز، بفعل التداول الإعلامي، أكثر حضوراً من البرنامج نفسه، فتغدو الانتخابات منافسة على الأصوات والصور أيضاً، وعلى الطريقة التي يُرى بها الحزب داخل المخيال الجماعي.

صناعة التمثلات السياسية

ويستطرد الباحث نفسه بالقول إنه خلال الانتخابات الحالية، تتضاعف أهمية هذه المسألة مع انتقال العلامة من الملصق الانتخابي إلى التلفزيون والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، فالصورة الحزبية لم تعد مجرد وسيلة للتعريف، وإنما أصبحت جزءاً من اقتصاد الانتباه، ومن صناعة التمثلات السياسية، مشدداً على أن قراءة الرموز الحزبية في العمق، قراءة لطريقة اشتغال السياسة نفسها، وكيف تتحول الأفكار إلى صور، والصور إلى تمثلات، والتمثلات إلى مواقف واختيارات انتخابية على أرض الميدان والواقع.

وتابع باجي بأن الإشكال لا يقف عند ما يحمله الرمز أو اللون من دلالة سياسية، وإنما يبدأ حين ننظر إلى ما يحدث لهما داخل صيرورة التداول، فالعلامة السياسية لا تحتفظ بمعناها خارج التاريخ، فهي تدخل في علاقات القوة، وفي الصراع على تعريف الواقع وتأطيره، فتُعاد صياغة دلالتها كلما أعيد توظيفها داخل خطاب أو صورة أو حدث.

ويكمل الباحث بأنه "يمكن أن يتحول اللون من خاصية بصرية إلى علامة فوق سياسية، تستمد قوتها من تراكم الاستعمالات والتمثلات، وقد يصبح الرمز مرتبطاً بشخصية أو لحظة أو واقعة، ليس لأن ذلك جزء من معناه الأصلي، وإنما لأن الممارسة السياسية والإعلامية والاجتماعية أعادت إنتاجه على هذا النحو".

وبعد أن طرح أسئلة من قبيل: من يمنح الرمز معناه؟ وبأي شروط؟ وما الذي يحدث عندما تنفصل العلامة عن قصد أصحابها، وتدخل في تأويلات الجمهور والإعلام والخصوم السياسيين؟ يوضح أنه "هنا تحديداً يتحول الرمز من أداة للتواصل إلى ساحة للصراع على المعنى، ويصبح اللون والصورة والاختيار الأيقوني جزءاً من ممارسة السلطة الرمزية نفسها".

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي