ملخص
لعل الدخول إلى رواية ربعي المدهون "نافذة روت كل شيء" (المؤسسة العربية للدراسات والنشر 2026)، لا يمكن أن يتم إلا عبر تساؤل مشروع يمتد على مدار السرد: هل الموت يمتلك الكلمة الأخيرة، أم يمكن الذاكرة أن تستعيد أصحابها، ما دام الفن قادراً على منحهم حياة أخرى؟
منذ الصفحات الأولى، تضعنا الرواية أمام عالم تتداخل فيه الحياة مع الكتابة، والواقع مع المتخيل، والماضي مع الحاضر، بحيث يصبح من الصعب على القارئ أن يدرك الحدود الفاصلة بينها. فالرواية تحتشد بالطبقات والمسارات السردية، التي تجعل فعل الحكي نفسه جزءاً من الحكاية، بينما الكاتب وشخصياته يعيشون داخل فضاء سردي واحد، يتبادلون المواقع والأدوار، حتى يبدو أحياناً أن الشخصية هي التي تقود الكاتب، وليس العكس.
تقوم بنية النص على التشظي بين الكاتب وبطله وليد دهمان، وبين عالم سردي يتوزع بينهما في بلدان ومدن متعددة. لكن الحدود بين الواقعي والمتخيل تتلاشى تدريجاً، مما يدفع القارئ إلى السؤال: هل ما يحدث حقيقي أم متخيل؟ هل جولي، زوجة البطل السارد وليد دهمان، ماتت حقاً، أم أنه يكتب عن موتها فقط؟ وهل عاد إلى عكا كي يحقق أمنيتها بنثر رمادها على تلك الأرض، أم أن العودة نفسها جزء من لعبة سردية أكبر؟
يقول السارد وليد: "نظرت خلسة إلى جميل. ضبطه يتأمل المشهد نفسه سراً، وقد تراخت ملامحه، على وجهه حيرة غير مستقرة، أدركت أنه مل الانتظار مثلما مل ما عرضته عليه من مشاهد، لا يعرف هل جئته بها من واقع حقيقي أم من متخيل سردي".
لا تبدو الحيرة التي يعيشها جميل هنا حيرة شخصية عابرة، وإنما هي الحيرة التي يريد المدهون أن ينقلها إلى القارئ نفسه. فنحن أيضاً لا نملك يقيناً كاملاً في شأن ما نقرأه. وكلما ظننا أننا أمسكنا بخيط الحكاية، تفتح الرواية أمامنا نافذة أخرى تقود إلى حكاية جديدة. لا يستخدم الكاتب هذه التقنية لمجرد اللعب الشكلي، وإنما يجعل منها وسيلة لطرح أسئلة أعمق حول علاقة الرواية بالحقيقة. فهل يستطيع الكاتب أن يكتب الحقيقة كما هي؟ أم أن الحقيقة، حين تدخل الرواية، تصبح بالضرورة حقيقة أخرى، تتداخل فيها الذاكرة والخيال والرغبة والخوف؟
الرواية والحرب
وإن كانت الحكاية عن فلسطين، وعن بطل فلسطيني عائد إلى بلده، إذ تتكرر كلمة "البلاد" للإشارة إلى فلسطين، وتدور الحوارات في الرواية باللهجة الفلسطينية، مما يمنح الشخصيات حضوراً حياً ويجعل أصواتها مرتبطة بأمكنتها وذاكرتها، فإن الرواية لا تكتفي بهذا الحضور الواقعي، وإنما توظفه داخل اللعبة السردية، كما يحرص الكاتب في الوقت نفسه على إنهاء كل فصل تقريباً عند نقطة تثير فضول القارئ، تاركاً إياه متحفزاً لمعرفة ما سيحدث في الفصل التالي.
ينتهي الفصل الأول مثلاً بظهور سمية، التي كان البطل يبحث عن بيتها في عكا بعد غياب طويل، ثم يفتتح الفصل الثاني بالحديث عن مسودة روايته الجديدة "مدينة كتبت نفسها"، وهي رواية تدور أحداثها في غزة. وهنا تبدأ الحدود بين الرواية التي نقرأها والرواية التي يكتبها وليد بالتداخل أكثر فأكثر. يقول: "في وقت ما رأيت غزة تحترق، وملامحها تذوب في الحقيقة وفي المتخيل السردي".
هذه العبارة تختصر جانباً أساساً من تجربة الرواية، فالحرب لا تظهر فيها بوصفها موضوعاً خارجياً فحسب، وإنما تدخل إلى بنية الكتابة نفسها. غزة التي تحترق في الواقع تبدأ بالاحتراق داخل الرواية، والشخصية المتخيلة تصبح معرضة للخطر كما لو كانت إنساناً حقيقياً.
تذهب الرواية أبعد من ذلك حين تجعل وليد دهمان، الشخصية المتخيلة، يعبر إلى غزة ويتمتع "بالحصانة السردية"، أي القدرة التي تمنحها له الرواية على عبور الحدود التي يعجز الإنسان الحقيقي عن عبورها. وهنا تتحول اللعبة المراوغة في السرد إلى مفارقة سياسية واضحة: الشخصية الخيالية تستطيع أن تعبر، بينما يبقى الإنسان الحقيقي أسير الحواجز والمعابر والحدود. لكن هذه الحصانة لا تستمر إلى النهاية. فمع اشتداد الحرب، تبدأ المسافة بين الشخصية والكاتب في الانهيار، ويصبح وليد نفسه مهدداً بالموت. وكأن الرواية تقول إن الخيال يستطيع أن يمنح الشخصية فرصة للهرب من الواقع، لكنه لا يستطيع أن يحميها إلى الأبد من الحقيقة.
مرايا الشخصيات
تبدو الشخصيات المحورية والجانبية في الرواية محملة بدلالات رمزية، لكنها في الوقت نفسه لا تفقد خصوصيتها الإنسانية.
جولي، التي يرتبط حضورها في الرواية بالرحيل والغياب، امرأة غير قابلة للتنازل، لا تسمح لها مكانتها كزوجة بأن تكون مجرد شخصية هامشية في حياة وليد. إنها امرأة تريد أن تكون ما ترغب في أن تكونه، وتصر على حريتها في تقرير مصيرها، حتى بعد الموت. ولهذا، فإن غيابها لا يعني اختفاءها، بل يستمر حضورها من خلال الذاكرة والكتابة.
أما سمية جبران، فيرتبط حضورها بالمكان نفسه. بيتها داخل ساحة عبود لا يبدو مجرد بيت يقيم فيه البطل السارد، بل يغدو فضاءً تختزن فيه الرواية ذاكرتها. إنه بيت قديم يعود تاريخه إلى مئات الأعوام، قامت سمية بتجديده، لذا أصبح نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، وبين الحكاية الشخصية والحكاية الجماعية.
أما سعاد، التي عاشت خارج المألوف، وماتت برصاصة مجهولة، لا يشهد على موتها إلا كلبها لورد. وفي اختيار هذا التفصيل شيء من العبثية التي تميز عالم الرواية ككل: موت إنسان لا يجد شاهداً بشرياً عليه، بينما يصبح الحيوان هو الشاهد الوحيد.
يكتسب عنوان الرواية دلالته من النافذة التي تتحول من عنصر مكاني إلى أداة للرؤية والسرد، إذ تطل على مشاهد متعددة، لكن هذه المشاهد، على اختلافها، تصب في وظيفة واحدة: فالنافذة لا تكتفي بأن ترى، وإنما تتحول إلى شاهد يروي ما رآه، هي عين الرواية، إنها الحد الفاصل بين الداخل والخارج، بين الخاص والعام، وبين الأمان والخطر، وبين ما يراه الإنسان وما يحدث بعيداً عنه. ومن خلال النافذة يمكن أن نرى المدينة والبحر والناس، والحرب والماضي.
لذا، ربما يمكن فهم هذه العبارة التي تحضر في الرواية على نحو أعمق: "في حرب إسرائيل على غزة، تقتل، حتى لو كنت شخصية متخيلة". النافذة لا تستطيع أن تمنع الموت، لكنها تستطيع أن تشهد عليه، والرواية لا تستطيع أن تعيد الموتى إلى الحياة، لكنها تستطيع أن تمنحهم حياة أخرى داخل الذاكرة.
الأرض والهوية
من القضايا التي تتكرر في الرواية سؤال الأرض والهوية. فالهوية ليست اسماً ثابتاً، وإنما شيء يمكن أن يتعرض للتشويه والاقتلاع وإعادة التسمية.
تبدو الأرض في الرواية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالاسم. فالعودة إلى الأرض ليست عودة جغرافية فحسب، وإنما محاولة لاستعادة الذات التي سلبت منها ذاكرتها ومكانها. على سبيل المثال يحضر الشهداء الثلاثة، محمد جمجوم وفؤاد حجازي وعطا الزير، في الأغاني والحكايات المتوارثة عبر الأجيال الفلسطينية. يقول محمد: "لا تنسوا الأرض"، ويقول فؤاد: "لا تنسوا الحلم"، ويقول عطا: "لا تنسوا الطابون".
في هذه الوصايا الثلاث تختصر الرواية شيئاً من رؤيتها كلها: الأرض والحلم والتفاصيل اليومية للحياة. ربما لهذا يبدو المدهون حريصاً على نقل هذه الحكايات إلى الأجيال القادمة، خصوصاً إلى من لم يسمعوا أغنية: "من سجن عكا طلعت جنازة". هنا يتحول الفن من وسيلة للتعبير إلى وسيلة لحفظ الذاكرة. فالأغنية تحفظ أسماء الذين رحلوا، والحكاية تعيد سرد مصائرهم، والمسرحية تمنحهم أجساداً جديدة، والرواية تضعهم أمام قارئ لم يعش زمنهم.
الفن في مواجهة المحو
تبلغ هذه الفكرة ذروتها حين تنتقل الرواية إلى المسرحية/الأوبرالية التي يستعيد من خلالها وليد سيرة الشهداء الثلاثة. وهنا يبدو أن المدهون يريد القول إن الذاكرة كي تبقى حية، تحتاج إلى أن تجد صوراً فنية جديدة تستعيد من خلالها الماضي وتوصله إلى الأجيال اللاحقة.
فإذا كانت سلطة الاحتلال تستطيع محو أسماء القرى، وتغيير أسماء الأماكن، وهدم البيوت، فإن الفن يستطيع أن يعيد تركيب المكان في الذاكرة. وإذا كان الموت قادراً على إنهاء حياة الإنسان، فإن الحكاية تستطيع أن تمنحه حياة أخرى. ومن هنا يحضر الفن في الرواية كفعل مقاوم للمحو. تصل الرواية إلى ذروتها في الفصل الأخير، مع المسرحية التي يتخيل فيها وليد موته. تحضر الجنازة بوصفها مشهداً تتداخل فيه حركة الموت والحياة، ويستدعى الموتى كي يدلوا بشهاداتهم على كل ما كان.
يقول السارد: "في الواقع لم أكن أنوي إنهاء حياة وليد دهمان اليوم، كنت فحسب، أمنحه فرصة نادرة لا يحظى بها الموتى الحقيقيون، أن يجلس في المقاعد الخلفية يراقب جنازته".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن هذا المشهد يلخص اللعبة الروائية بأكملها، فالكاتب يتظاهر بإنهاء حياة البطل العائد كي يمنحه فرصة لا يحظى بها الموتى الحقيقيون: أن يرى كيف يتذكره الآخرون، وماذا يقولون عنه بعد رحيله. لكن الأهم أن وليد لا يختفي بالموت. إنه يستمر بوصفه شخصية، ويستمر بوصفه ذاكرة، ويستمر داخل الرواية التي منحته موته ومنحته في الوقت نفسه حياة أخرى، ثم تأتي الإشارة إلى وليد بكلمة "العائد الأول"، لتفتح النهاية على احتمال يتجاوز مصير وليد الشخصي نحو معنى أوسع للعودة الفلسطينية إلى الأرض.
وعي الرواية
تحضر تقنية الميتاسرد في "نافذة روت كل شيء"، لتكون من أكثر العناصر تأثيراً، إذ لا يكتفي المدهون بسرد الحكاية، بل يجعل فعل كتابتها نفسه جزءاً من البناء الروائي. فالرواية تضع وليد دهمان في موقع ملتبس بين الكاتب والشخصية، فهو يكتب، وفي الوقت نفسه يُكتب، وتعود شخصيات يعرفها القارئ من أعمال سابقة إلى داخل النص الجديد، مثل وليد ودانا. ومن المهم توضيح أن وليد دهمان في الرواية، هو شخصية تحمل أرشيفاً حياً من الروايات السابقة، بحيث لا نقرأ حياته في " نافذة روت كل شيء"، منفصلة عن الذاكرة التي صنعتها النصوص السابقة لربعي المدهون.
لقد ظهر وليد أولاً في رواية "السيدة من تل أبيب"، ثم استدعاه المدهون في "مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة"، التي نال عنها جائزة البوكر العربية. في الرواية الحالية يظهر وليد محملاً بما راكمته رحلته السابقة من أسئلة المنفى والعودة والهوية والذاكرة الفلسطينية، لكنه يدخل هذه المرة منطقة أكثر تعقيداً، إذ لا يعود مجرد شخصية تعيش الأحداث، بل يصبح هو نفسه موضوعاً للكتابة وشخصية تتحرك بين الواقع والمتخيل. ويؤكد حضور دانا أهوفا هذا الامتداد أيضاً، فهي تعود في "نافذة روت كل شيء" بعدما عرفها وليد في رحلته السابقة، ويعيد السارد ترتيب لقاء بينهما بعد أعوام طويلة، فتستأنف الرواية خيطاً تركته الرواية السابقة مفتوحاً.
ويتسع هذا اللعب بين مستويات السرد حين يتدخل الراوي في الأحداث مباشرة، كما يحدث في الفصل الـ18عندما يقرر ترتيب لقاء وليد بدانا، ويبحث عنها في شبكات التواصل، ثم يرسل إليها رسالة باسم وليد، وكأنه كاتب لا يكتفي بمراقبة شخصياته وإنما يحركها ويعيد جمعها داخل المشهد. وتبلغ اللعبة الميتاسردية ذروتها في الفصل الـ19، فبعدما تبدأ جنازة وليد ينكشف القناع تماماً، ويصبح وجود الكاتب والشخصية متبادلاً ومرئياً داخل الفضاء السردي، وتكشف الرواية عن آليتها أمام القارئ لتتأمل عملية صناعتها.
بهذا المعنى، فإن "نافذة روت كل شيء" ليست رواية عن الموت وحده، ولا عن الحرب وحدها، وإنما عن قدرة الرواية على مواجهة الفقد. النافذة ترى، والكاتب يكتب، والشخصيات تموت وتعود، والأغنية تحفظ الذاكرة، والمسرح يستعيدها. ولعل هذا هو السبب في أن الموت لا يملك الكلمة الأخيرة في الرواية، فحين يعجز الواقع عن إعادة من رحلوا، يتولى الفن هذه المهمة، لا ليعيدهم إلى الحياة التي كانت، وإنما ليمنحهم حياة أخرى داخل الحكاية الباقية والمرتحلة عبر الأجيال.