ملخص
استلهمت المنظمة اسمها وفكرتها مباشرة من منظمة "هشومير" (الحارس) التاريخية التي أنشئت عام 1909 بحجة حماية المستعمرات الأولى في فلسطين، وارتكزت منذ انطلاقتها على فكرة وجود "فراغ أمني" في المناطق المفتوحة في الجليل، والنقب، والتجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية، وأن الشرطة الإسرائيلية غير قادرة على حماية الأراضي المفتوحة من التمدد الفلسطيني، مما يستدعي تحرك المجتمع المدني الإسرائيلي لملء هذا الفراغ، فتبنت المقولة التاريخية للزعيم اليهودي يوسف ترومبلدور "حيثما يحرث المحراث اليهودي الثلم الأخير، هناك ستمر حدودنا".
لم يكن ذلك المستوطن الشاب حين نصب خيمته البدائية عام 2007 بين تلال الجليل ليرقب أغنامه ليلاً يدرك أن الخيمة ذاتها ستتحول إلى الشريك الاستراتيجي الأول والأهم للحكومة الاسرائيلية في ملفات الأمن والاستيطان ومنظمة تدار بملايين الشواكل، ولم يخطر بباله أن تلك المبادرة الصغيرة التي عملت تحت غطاء التطوع وحماية البيئة، وبدأت بدوريات مسلحة لحماية مستوطنين في بعض البؤر الاستيطانية هنا وهناك ستأكل الأخضر واليابس من الأراضي الفلسطينية وتتربع على عرش أعتى وأشرس الهياكل الاستيطانية في الضفة الغربية. وبين خيمة الخوف الأولى وإمبراطورية اليوم، تكشف منظمة "الحراس الجدد" كيف يقطع المستوطنون طرق الرعاة الفلسطينيين في مناطق (ج)، ويسرقون قطعانهم جهاراً نهاراً تحت تهديد السلاح لابتلاع الأراضي وتفريغها من أصحابها.
فراغ أمني
استلهمت المنظمة اسمها وفكرتها مباشرة من منظمة "هشومير" (الحارس) التاريخية، التي أنشئت عام 1909 بحجة حماية المستعمرات الأولى في فلسطين، وارتكزت منذ انطلاقتها على فكرة وجود "فراغ أمني" في المناطق المفتوحة في الجليل، والنقب، والتجمعات الاستيطانية في الضفة الغربية، وأن الشرطة الإسرائيلية غير قادرة على حماية الأراضي المفتوحة من التمدد الفلسطيني، مما يستدعي تحرك المجتمع المدني الإسرائيلي لملء هذا الفراغ، فتبنّت المقولة التاريخية للزعيم اليهودي يوسف ترومبلدور "حيثما يحرث المحراث اليهودي الثلم الأخير، هناك ستمر حدودنا". ومن هنا، انحرف هدف الحركة سريعاً من مجرد منع السرقات الزراعية إلى غايةٍ استراتيجية كبرى تتمثل في منع المزارعين والرعاة الفلسطينيين والبدو من الوصول إلى الأراضي غير المحاطة، واعتبار الوجود الاستيطاني فيها تثبيتاً لملكية الدولة. لم تعتمد منظمة "الحراس الجدد" على أسلوب بناء المستوطنات التقليدي المتمثل في المخططات الهندسية والمباني الخرسانية المكلفة والتي تحتاج صراعاتٍ بيروقراطية طويلة، بل ابتكرت مفهوماً يُعرف بـ"السيطرة الناعمة والمباشرة على الأراضي" عبر ما بات يعرف بـ"الاستيطان الرعوي"، الذي لا يحتاج أكثر من مزرعة خشبية أو كرفان صغير مزود بقطيع أغنام وبضعة متطوعين مسلحين.
هذا النموذج أتاح لمستوطنين اثنين أو ثلاثة السيطرة الميدانية المباشرة على ملايين الأمتار المحيطة، حيث يحظر على الفلسطينيين الاقتراب منها أو رعي مواشيهم فيها. وتضخ المنظمة سنوياً آلاف الطلاب والشباب ضمن مخيمات صيفية وبرامج "سنة الخدمة" (سنة تطوع قبل التجنيد بالجيش). هؤلاء المتطوعون يقيمون دوريات حراسة ليلية ونهارية بسيارات رباعية الدفع تحت شعار "حماية الممتلكات"، لكنهم يمارسون عملياً دور شبكات إنذار مبكر تبلغ الجيش والإدارة المدنية عن أي تحرك فلسطيني. ومن خلال الوجود اليومي الكثيف والاحتكاك المستمر، يتسبب متطوعو المنظمة بتعطيل وصول المزارعين الفلسطينيين لمزارعهم وآبار مياههم، مما يلحق خسائر فادحة بالسكان المحليين ويدفع التجمعات البدوية الصغيرة إلى الإخلاء القسري تحت وطأة الترهيب.
مضاعف قوة
يتجاوز نطاق عمل المنظمة الضفة الغربية ليتشابك بصورة حيوية مع حدود إسرائيل والدول المجاورة لها، حيث ينظر الجيش الإسرائيلي إلى عناصر الحركة بصفة "مضاعِف قوة"، كيف لا وتنتشر عناصر المنظمة عند حدود الأردن، وادي الأردن والغور، بأسطول من سيارات الدفع الرباعي والمسيرات لتأمين المزارع الاستيطانية الممتدة على طول الشريط الحدودي، بحجة منع عمليات تهريب السلاح والتسلل، مشكّلة خط دفاع مدنياً أول يساند قيادة المنطقة الوسطى للجيش، في حين تفرض المنظمة عند حدود مصر، النقب وسينا، وجوداً مكثفاً في المزارع القريبة من الجدار الحدودي (مثل مناطق كيرم شالوم)، وتتولى مهام المراقبة والتغطية الأمنية في النقاط النائية التي يصعب على الجيش الوجود فيها بصورة دائمة. وعند الحدود الشمالية، لبنان وسوريا، تنتشر المنظمة في مراعي هضبة الجولان وعلى الشريط الحدودي للجليل الأعلى، حيث تستخدم قطاعات الرعي كوسيلة لتثبيت حزام أمني مدني ومسلح على الخط الأمامي للمواجهة.
قفزة كبرى
خلال السنوات الماضية شكلت المنظمة مرحلة التثبيت والتمدد التدريجي، إلا أن أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023 والحرب على غزة أحدثت قفزة نوعية وحادة في تاريخ "الحراس الجدد"، إذ تحولت بسرعة هائلة إلى ذراع أمني شبه رسمي وميليشيات مدنية مدججة بالسلاح. ومع انهيار خطوط الدفاع الأولى في مستوطنات غلاف غزة يوم السابع من أكتوبر والسقوط المدوي لمنظومة الأمن الإسرائيلية، بادرت المنظمة بالتنسيق الفوري مع وزارة الأمن القومي والشرطة الإسرائيلية لإعادة تشكيل وتدريب مئات "فرق التأهب" المسلحة في المزارع والمستوطنات. واستغلت المنظمة قرارات تسهيل حمل السلاح، وقامت بتأمين وتسليح الآلاف من كوادرها ومتطوعيها بأسلحة أوتوماتيكية ومسدسات، إلى جانب سترات واقية، وخوذ عسكرية، ومناظير ليلية، وأجهزة اتصال مشفرة. وطوّرت غرف عمليات طوارئ تعمل على مدار 24 ساعة، وأنشأت أسطولاً من الطائرات المسيرة المزودة بكاميرات حرارية وليلية لرصد أي حركة على بضعة كيلومترات، وربطت هذه المنظومات بشرطة الحدود ومراكز قيادة الجيش.
ولم تكن السيطرة الميدانية للمنظمة مجرد شعارات، بل تُرجمت إلى واقع جغرافي قهري، إذ قفزت مساحات الأراضي الخاضعة لدورياتها ومراقبتها المسلحة من بضعة آلاف الدونمات عند تأسيسها عام 2007 لتتجاوز اليوم حاجز الـ400000 مليون متر مربع. وتجلى هذا التمدد في المنطقة (ج) بالضفة الغربية عبر ما يُسمى "الاستيطان الرعوي"، حيث تسببت المزارع البؤرية التي تدعمها المنظمة في خنق القرى الفلسطينية وحرمان الأهالي من الوصول إلى أكثر من 150000 مليون متر مربع من مراعيهم في الأغوار ومسافر يطا وطانا، إلى جانب بسط النفوذ على ما يزيد عن 120000 مليون متر مربع في النقب ومثلها في الجليل والجولان، ليتضح أن "الحراسة" ما هي إلا غطاء متطور لمصادرة الأراضي وتغيير الديموغرافيا بأقل التكاليف.
بنية تحتية
تظهر التقارير المالية والوثائق الرسمية المسجلة لدى قاعدة بيانات الجمعيات الرسمية الإسرائيلية أن الميزانية السنوية الإجمالية للمنظمة، قفزت من 80 إلى 120 مليون شيكل، 22 إلى 33 مليون دولار قبل السابع من أكتوبر الى أكثر من 170.6 مليون شيكل، نحو 46 مليون دولار. ووفقاً لسجلات المالية المسجلة بوزارة العدل الإسرائيلية، قفز الدعم والعقود الحكومية للمنظمة من نحو 17.3 مليون شيكل سنوياً، نحو 5.7 مليون دولار الى أكثر من 28 إلى 35 مليون شيكل، نحو 9.3 إلى 11.6 مليون دولار. وبحسب التقارير السنوية المعلنة للمنظمة وتحديثات وزارة الأمن القومي، ارتفع عدد المتطوعين والمشاركين في المنظمة من نحو 100000 إلى 120000 متطوع سنوياً قبل السابع من أكتوبر إلى أكثر من 400000 مشارك ومتطوع.
وأكدت تقارير الاستيطان أن المساحة المشمولة بالحراسة توسعت من 250,000 إلى 300000 مليون متر مربع، لما يتجاوز 340000 إلى 400000 مليون متر مربع. وفي ما تعتمد المنظمة على التمويل الحكومي المباشر من وزارة الأمن القومي ووزارة الزراعة وتطوير النقب والجليل، ووزارة الاستيطان للتسليح وتدريب الفرق، وتقديم الدعم في مجال حراسة المزارع والبؤر الرعوية والمهمات القومية لدعم البؤر في مناطق "ج"، إلا أنها ترتكز بصورة كبيرة على التبرعات الخارجية التي تشكل العمود الفقري للمنظمة، لا سيما من صندوق الجبهة اليهودية القومية في أميركا (JNF-USA)، وصناديق التبرع التابعة لعائلات أثرياء اليمين الأميركي الاستيطاني مثل عائلة "أديلسون" وعائلة "موسكوفيتش".
وعقب أحداث السابع من أكتوبر، تلقت المنظمة منحاً سريعة وضخمة، من بينها 300000 دولار كدفعة طارئة واحدة من "الاتحادات اليهودية لشمال أميركا" (JFNA)، إضافة إلى حملات تمويل خاصة لشراء طائرات مسيرة تكتيكية تراوحت تكلفة القطعة الواحدة منها بين 1800 إلى 50000 دولار.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ربط الجيل
بالنسبة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فإن دور منظمة "الحراس الجدد" "حيوي ومحوري في الحفاظ على أراضي الدولة وحماية المزارعين الإسرائيليين"، ووصف متطوعيها "كمن يجسدون الروح الصهيونية الحقيقية التي تعيد ربط الجيل الجديد بالأرض والأمن".
بدوره أشاد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بدور متطوعي "الحراس الجدد" مؤكداً أنهم "يشكلون مضاعف قوة حقيقي لشرطة الحدود والأجهزة الأمنية"، مشيراً إلى أن "الاستجابة السريعة للمنظمة بعد أحداث السابع من أكتوبر في تشكيل وتدريب فرق التأهب المدنية وتوزيع السلاح أسهمت في إنقاذ التجمعات الحدودية وتأمينها".
من جهتها، قالت وزيرة الاستيطان أوريت شتروك إن "المستوطنات والمزارع الرعوية في المنطقة ج هي خط دفاعنا الأول لمنع التمدد الفلسطيني الشديد، والدعم الحكومي لمبادرات الحراس الجدد هو واجب قومي استراتيجي".
على النقيض من ذلك، اعتبرت وزارة الخارجية والمغتربين الفلسطينية منظمة "الحراس الجدد الذراع التنفيذي غير الرسمي للجيش الاسرائيلي وغلاة المستوطنين"، موضحة أنها "تمارس أدواراً خطرة لشرعنة سلب الأراضي وتفريغ التجمعات البدوية والمزارعين الفلسطينيين من أرضهم بقوة السلاح وتحت غطاء الدولة".
في حين أكدت منظمة "بتسيلم" ومؤسسة "يش دين" الإسرائيليتين في تقارير استقصائية أن المنظمة تعد "إحدى أخطر أدوات تطبيق سياسة الفصل العنصري (الأبارتهايد) والسيطرة الميدانية"، موضحة أن تسليح عناصرها وتكليفهم مهام أمنية يمنحهم صلاحيات بوليسية مطلقة لممارسة الانتهاكات والتضييق من دون أي خضوع للمساءلة القانونية.
وأشارت تقارير صحافية دولية نشرت في مجلة "دير شبيغل" الألمانية إلى أن التسهيلات الحكومية وضخ التمويلات الضخمة لمنظمة "الحراس الجدد" تحت غطاء "العمل الزراعي والتطوعي" يحوّل الجمعية تدريجاً إلى "ميليشيات مدنية موازية للجيش" تعمل خارج أطر الشفافية والرقابة الدولية.
مستقبل الحراسة
تختصر تجربة منظمة "الحراس الجدد" تحولاً عميقاً في بنية اسرائيل وسياساتها الاستيطانية، فقد بدأت القصة بشاب ينصب خيمة للحراسة الليلية بدافع الخوف على مواشيه، وتنتهي اليوم بظاهرة أخطبوطية تمتلك ميزانيات تتجاوز 170 مليون شيكل (57 مليون دولار)، وتدير مئات آلاف الدونمات، وتدرب مئات الفرق المسلحة المزودة ببنادق أوتوماتيكية وطائرات مسيرة ذكية. إن "الحراس الجدد" لم تعد مجرد جمعية حماية زراعية، بل أصبحت النموذج الأوضح لـ"الاستيطان الناعم" الذي يرتدي قفازات البيئة والعمل الزراعي ليخفي تحته قبضة أمنية وعسكرية محكمة. ومع تصاعد التمويل الحكومي وتلاشي الحدود بين عمل الأجهزة الرسمية والميليشيات المدنية المسلحة بعد حرب غزة، تشكل هذه المنظمة أداة الصراع الأكثر نجاعة في فرض أمر واقع جديد على الأرض، أداة تبتلع الجغرافيا وتصادر ما تبقى من الفضاء الفلسطيني.