ملخص
تكشف دراسة امتدت ستة أعوام أن النرجسية كانت العامل الأكثر ثباتاً في تفسير مقاومة المديرين للعمل عن بُعد، إذ يرتبط رفض المرونة بسعي بعض القادة إلى السلطة والمكانة أكثر من ارتباطه بالإنتاجية. وتدعم أبحاث أوسع العمل الهجين بوصفه الصيغة الأكثر توازناً، مع مستويات أعلى من الرضا الوظيفي وتراجع الاستقالات من دون خسارة واضحة في الإنتاجية.
هل تساءلت يوماً لماذا يصر مديرك على أن تعود للمكتب بدوام كامل بدلاً من السماح بنظام العمل الهجين، الذي يتيح لك الجمع بين العمل من المنزل ومن المكتب أيضاً؟ دراسة مثيرة للاهتمام صدرت أخيراً، سلطت الضوء على هذا الموضوع.
الدراسة التي نُشرت الشهر الماضي خلصت إلى أن المديرين النرجسيين، أي أولئك الذين يميلون إلى التركيز المفرط على ذواتهم، ويغلب عليهم الشعور بالاستحقاق، هم أكثر ميلاً من غيرهم إلى مقاومة خيار العمل عن بُعد، والسبب في ذلك، وفقاً لنتائج البحث، هو أن العمل عن بُعد "يتعارض مع سعيهم إلى السلطة والمكانة".
في ما يأتي عرض لما توصلت إليه الدراسة الأحدث في هذا المجال، وكيف تتوافق نتائجها مع مجموعة أوسع من الأبحاث التي تنظر في ما إذا كان أرباب العمل يحققون نتائج أفضل، عندما يطلبون من موظفيهم العودة للمكتب، أم عندما يمنحونهم مقداراً من المرونة للعمل من المنزل.
ما الذي دفع إلى إجراء هذه الدراسة الجديدة؟
الدراسة الحديثة عمل عليها ثلاثة باحثين من "كلية وارتون" هم: طالبتا الدكتوراه ماريسا شانديل وكورتني إليوت، إضافة إلى آدم غرانت، المؤلف المعروف وأستاذ علم النفس التنظيمي.
أجرى الباحثون على مدى ستة أعوام ثلاث دراسات منفصلة، شملت أكثر من 1000 مسؤول تنفيذي في شركات، ومديرين متوسطين ومشرفين، وذلك لدرس العلاقة بين سمات شخصية المديرين، ومواقفهم من مسألة العمل عن بُعد.
في الدراسة الأولى، حلّل الباحثون 259 من الرؤساء التنفيذيين لشركات مدرجة على قائمة "فورتشن 500"، باستخدام مؤشرات معترف بها للنرجسية، مستمدة من أبحاث سابقة، من بينها:
بروز صورة الرئيس التنفيذي في التقرير السنوي.
حجم توقيع الرئيس التنفيذي.
الأجر النسبي (النقدي وغير النقدي) الذي يحصل عليه، مقارنة بالمسؤول التنفيذي الذي يحل في المرتبة الثانية بعده من حيث الأجر.
هذه المؤشرات استُخدمت في أبحاث سابقة، بصفتها علامات سلوكية على التركيز النرجسي على الذات والشعور بالاستحقاق، ثم درس الباحثون التصريحات العلنية الصادرة عن هؤلاء الرؤساء التنفيذيين أنفسهم، في شأن العمل عن بُعد.
في الدراسة الثانية، استطلع الباحثون آراء 359 قائداً في مجال الأعمال، وقاموا بقياس مستوى النرجسية لديهم باستخدام مقياس "ثالوث الظلام المختصر" Short Dark Triad))، إضافة إلى سمات ودوافع أخرى، منها الميكافيلية، والاعتلال النفسي (السيكوباتية)، والرغبة في السلطة والمكانة، ومدى الثقة بالموظفين، ثم قاموا بقياس مواقف هؤلاء القادة، وفق ما أفادوا به عن أنفسهم، تجاه ترتيبات العمل عن بُعد والعمل الهجين.
أما الدراسة الأخيرة فكانت عبارة عن تجربة شملت 546 قائداً، حيث وُزّع المشاركون عشوائياً إما على مجموعة "حال النرجسية"، أو على مجموعة للمقارنة، قبل أن يقوموا بملء استبيان.
طُلب من أفراد مجموعة "النرجسية"، قبل الإجابة عن الاستبيان، قراءة معلومات عن رؤساء تنفيذيين ناجحين، وُصفوا بأنهم واثقون بأنفسهم، ويركزون على ذواتهم، ويمتلكون رؤية خاصة، ومستعدون لتغليب طموحاتهم وغرائزهم الشخصية على آراء الآخرين وإسهاماتهم، وفي أعقاب ذلك، أبدى القادة في مجموعة "النرجسية" مقاومة أكبر لفكرة العمل عن بُعد.
وعبر الدراسات الثلاث، كانت النرجسية العامل الوحيد الذي ارتبط بصورة ثابتة، باعتراض القادة على العمل عن بُعد.
وقد خلص الباحثون في اختصارهم لنتائج الدراسة في صحيفة "نيويورك تايمز"، إلى أنه "كلما عبّر القادة عن تقدير أعلى لأنفسهم، ازداد توقهم إلى السلطة والمكانة، وازداد تأييدهم لفرض العودة للمكتب بدوام كامل".
الاتجاهات العالمية للعودة للمكتب
منذ انتهاء جائحة كورونا، ضغط بعض قادة الشركات بقوة أكثر من غيرهم لإعادة الموظفين إلى المكاتب، ففي عام 2023، انتقد الرئيس التنفيذي لشركة "تيسلا" إيلون ماسك ما سماه "طبقة العاملين خلف الحواسيب المحمولة"، بسبب مطالبتهم بحق العمل من المنزل، بينما لا يتمتع العاملون في قطاع الخدمات بالخيار نفسه.
وفي العام الماضي ألقى الرئيس التنفيذي لبنك "جي بي مورغان" جيمي ديمون خطاباً حاداً على الموظفين، تضمن ألفاظاً نابية في شأن ضرورة عودتهم للمكاتب والعمل بدوام كامل.
كذلك ألزمت نحو ثلث الشركات الأميركية موظفيها بالعودة بصورة كاملة للمكاتب، وعلى رغم تلك القرارات الإلزامية في بعض أماكن العمل الأميركية، أظهرت إحصاءات رسمية أن نحو 22.6 في المئة من الموظفين الأميركيين ظلوا يعملون عن بُعد، ولو لبعض من الوقت، حتى مارس (آذار) من عام 2026.
وتظهر أحدث البيانات من بريطانيا أن نحو 28 في المئة من البالغين العاملين كانوا لا يزالون يعملون بنظام هجين في أوائل عام 2025.
هذا النظام المختلط هو أكثر شيوعاً في أستراليا، فقد بينت أرقام رسمية صادرة في أغسطس (آب) 2025، أن 36 في المئة من الموظفين الأستراليين كانوا يعملون عادة من المنزل، ويحق لكثير من العاملين الأستراليين، في الأقل، طلب ترتيبات عمل مرنة.
إحدى الولايات الأسترالية، وهي فيكتوريا، تعتزم الذهاب إلى أبعد من ذلك، ومنذ سبتمبر (أيلول) الجاري، تمنح قوانين جديدة سكان ولاية فيكتوريا القادرين على العمل من المنزل حقاً قانونياً في القيام بذلك يومين في الأسبوع.
المزيج الأمثل بين العمل من المكتب والمنزل
تقدم دراسة النرجسية الحديثة رؤى جديدة مهمة حول أسباب مقاومة بعض المديرين للعمل من المنزل، لكن هناك بالطبع أسباباً وجيهة كثيرة للرغبة في أن يكون الموظفون في المكاتب، فإذا كنت صاحب عمل يحاول التصرف بما يخدم مصلحة شركتك وموظفيك، فإليك ما تظهره الأدلة الأوسع نطاقاً في هذا المجال.
وبالنسبة إلى الذين يشعرون بقلق من أن الموظفين لا يبذلون الجهد نفسه عند العمل من المنزل، فقد قارنت تجربة عشوائية محكمة بين موظفين صينيين يعملون من المكتب خمسة أيام في الأسبوع، ومجموعة أخرى تعمل من المكتب ثلاثة أيام في الأسبوع، ولم تظهر النتائج وجود فارق كبير في الإنتاجية بين المجموعتين، ولوحظ أن الموظفين الذين يعملون بنظام هجين سجلوا مستويات أعلى بكثير من الرضا الوظيفي والتوازن بين العمل والحياة، وكانوا أقل عرضة للاستقالة بنسبة 33 في المئة.
وتظهر دراسة أجريت عام 2024 على شركات أميركية كبرى أن المؤسسات التي فرضت إجراءات صارمة لجهة عودة الموظفين للمكاتب، لم تشهد تغيرات ملاحظة في أدائها المالي أو في قيمتها السوقية، لا بل سجلت تراجعاً ملاحظاً في مدى رضا الموظفين عن عملهم.
ووجدت دراسة أجريت عام 2025 أن 70 في المئة من 26 ألف عامل في أوروبا ومنطقة آسيا والمحيط الهادئ والأميركيتين، اعتبروا المرونة في اختيار مكان العمل أمراً مهما، وكذلك أظهرت أن التوازن بين العمل والحياة كان الدافع الأهم بالنسبة إلى الموظفين، وتقدم على الأجر للمرة الأولى منذ بدء إجراء الاستطلاع عام 2003.
وخلص تحليل إحصائي جمع نتائج 108 دراسات حول العمل عن بُعد، إلى آثار إيجابية في عدد من الجوانب المهمة، بينها الرضا الوظيفي، والالتزام المؤسسي، وشعور الموظفين بدعم المؤسسة، وتقييم المشرفين لأدائهم، ونوايا ترك العمل.
وبوجه عام، ترجّح الأدلة أن العمل الهجين، مع قضاء يومين إلى ثلاثة أيام في المكتب، يحقق التوازن الأفضل بين حاجات أصحاب العمل والموظفين.
ليبي ساندر هي مديرة برنامج الماجستير في إدارة الأعمال، وأستاذة مشاركة في السلوك التنظيمي في "كلية بوند للأعمال" بجامعة بوند.
هذه المقالة أعيد نشرها من منصة "ذا كونفرسيشن" بموجب ترخيص "المشاع الإبداعي".