Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جوبيتر"... الرجل الأكثر وحدة في فرنسا والزر النووي

يضع الفيلم العقيدة النووية الفرنسية في قلب أزمة خيالية تبدو قريبة بصورة مقلقة من الواقع الجيوسياسي الراهن

ملخص

أجرت "اندبندنت عربية" حواراً خاصاً مع الممثلين رضا كاتب ودوني مينوشيه على هامش مهرجان البندقية السينمائي 2026، للحديث عن فيلمهما "جوبيتر"، وما يطرحه من أسئلة تتجاوز حدود السينما إلى السلطة والقرار والردع النووي، وصولاً إلى تلك اللحظة التي قد يصبح فيها مصير البشرية معلقاً بقرار شخص واحد.

ماذا يحدث عندما لا يكون أمام رئيس فرنسي سوى دقائق لاتخاذ قرار في شأن ما إذا كان سيخاطر بحرب نووية؟

هذه هي الفرضية التي ينطلق منها فيلم "جوبيتر"، وهو فيلم إثارة سياسية مشحون بالتوتر من إخراج الفرنسي ألكسندر سميا، عُرض للمرة الأولى في مهرجان البندقية السينمائي، بنسخته الحالية بين الـ2 والـ 12 من سبتمبر (أيلول) الجاري.

يتناول الفيلم قصة بول أركامبو، وهو الرئيس الفرنسي المنتخب حديثاً، الذي يؤدي دوره الممثل الفرنسي دوني مينوشيه، فيما يواجه أزمة غير مسبوقة، فبعد محاولة اغتيال الرئيس الروسي، توجه موسكو إنذاراً نووياً نهائياً، مهددةً حليفاً لفرنسا.

ومع تصاعد خطر المواجهة العسكرية، ينسحب أنوركامبو وكبار مستشاريه العسكريين إلى مركز القيادة النووية في قصر الإليزيه، المعروف باسم "PC Jupiter" حيث يتعين عليه اتخاذ قرار قد تترتب عليه عواقب كارثية.

ولا يمكن أن يكون توقيت الفيلم أكثر دلالة. إذ يُعرض في ظل استمرار الحرب الروسية في أوكرانيا، وتصاعد التوتر بين موسكو والغرب، وتجدد النقاشات الأوروبية حول الدفاع والردع النووي. ويضع "جوبيتر" العقيدة النووية الفرنسية في قلب أزمة خيالية تبدو قريبة بصورة مقلقة من الواقع الجيوسياسي الراهن. ويأتي الفيلم قبيل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقبلة المرتقبة خلال أبريل (نيسان) 2027، مما يضيف بعداً آخر إلى الصورة التي يرسمها للسلطة الرئاسية.

ويحمل عنوان الفيلم دلالة سياسية فرنسية واضحة. فـ"جوبيتر" ليس مجرد اسم مركز القيادة النووية في قصر الإليزيه (قصر الرئاسة الفرنسية)، بل يستحضر أيضاً مفهوم السلطة الرئاسية "الجوبيترية" المرتبط بالرئيس الفرنسي الحالي إيمانويل ماكرون منذ انتخابه عام 2017، وهو أسلوب قيادة شديد المركزية والانفراد، يتولى فيه الرئيس دور صاحب القرار النهائي.

دوني مينوشيه ورضا كاتب

في قلب الفيلم، يأتي دوني مينوشيه، أحد أكثر الممثلين الفرنسيين شهرة، الذي بنى مسيرة دولية امتدت من فيلم المخرج كوينتن تارانتينو "أوغاد مجهولون" إلى أفلام المخرج الفرنسي فرنسوا أوزون، وصولاً في الأعوام الأخيرة إلى فيلم المخرج والكاتب الإسباني رودريغو سوروغوين "الوحوش"، الذي فاز عنه بجائزة غويا لأفضل ممثل. كما أدى دور الرئيس الفرنسي في فيلم "شائعات"، وهو عمل ساخر وسريالي عن مجموعة السبع من إخراج غاي مادين وإيفان جونسون وغالين جونسون، وعُرض خارج المسابقة في مهرجان كان عام 2024. وظهر مينوشيه في الفيلم إلى جانب الممثلة كيت بلانشيت، التي أدت دور المستشارة الألمانية، فيما يضل سبعة من قادة العالم طريقهم في الغابة أثناء محاولتهم صياغة بيان مشترك.

وينضم إليه في "جوبيتر" رضا كاتب، أحد أكثر ممثلي جيله نيلاً للإشادة.

وُلد كاتب في إيفري سور سين لأب هو الممثل الجزائري مالك الدين كاتب وأم فرنسية من أصول تشيكية وإيطالية، ونشأ بين الإرثين الثقافيين الفرنسي والجزائري. وهو أيضاً حفيد شقيق الكاتب والمسرحي الجزائري الشهير كاتب ياسين، أحد أبرز رموز الأدب الجزائري الحديث.

وتقاطعت مسيرة كاتب مراراً مع قضايا الهوية والهجرة والتاريخ والانتماء. ولفت الأنظار دولياً للمرة الأولى في فيلم المخرج جاك أوديار "نبي"، قبل أن يؤدي أدواراً في أفلام من بينها "بعيداً من الرجال"، الذي تدور أحداثه خلال الحرب الجزائرية، و"أبقراط"، الذي أدى فيه دور طبيب جزائري يعمل في مستشفى فرنسي. وفاز بجائزة سيزار لأفضل ممثل مساعد عن فيلم " أبقراط" عام 2015، وبجائزة "غولدن بايارد" لأفضل ممثل في مهرجان نامور الدولي للفيلم الفرنكوفوني عن "محطة الشمال" ونال ترشيحات أخرى لجوائز سيزار عن فيلمي "دجانغو" و"المميزون".

وفي "جوبيتر"، يشكل الممثل كاتب جزءاً من المنظومة السياسية والعسكرية الفرنسية المحيطة بالرئيس، وهو من مجموعة الشخصيات المحاصرة داخل مركز القيادة النووية بينما تتكشف فصول الأزمة.

حديث مع كاتب ومينوشيه عن "جوبيتر"

أجرت "اندبندنت عربية" حواراً خاصاً مع الممثلين رضا كاتب ودوني مينوشيه على هامش مهرجان البندقية السينمائي 2026، للحديث عن فيلمهما "جوبيتر"، وما يطرحه من أسئلة تتجاوز حدود السينما إلى السلطة والقرار والردع النووي، وصولاً إلى تلك اللحظة التي قد يصبح فيها مصير البشرية معلقاً بقرار شخص واحد.

نبدأ الحديث مع الممثلين بلفت الانتباه إلى أن عرض فيلم "جوبيتر" يتزامن مع عام انتخابي رئاسي في فرنسا وإيطاليا، وهو توقيت يضفي على قصته بعداً سياسياً لافتاً، على رغم أن صنّاعه وممثليه يؤكدون أن هذا التزامن لم يكن مقصوداً.

يقول دوني مينوشيه، إن الاستحقاق الانتخابي لم يكن حاضراً عندما بدأ العمل على الفيلم، وكان من الممكن إنجازه في وقت سابق أو حتى بعد أعوام، لأنه في جوهره لا يتناول الانتخابات، لكن ما يراه الممثل مثيراً للاهتمام هو أن الفرنسيين مقبلون على انتخاب شخص يمتلك بمفرده سلطة اتخاذ قرار بهذا الحجم، وهي حقيقة قد لا يكون الجميع على دراية بها. ولا تقتصر المسألة بالنسبة إليه على السلطة التي يتمتع بها الرئيس وحده، بل تمتد أيضاً إلى الطريقة التي تتفاعل بها الحكومة ومؤسساتها مع هذه السلطة.

ويتفق رضا كاتب معه في ذلك، مؤكداً أنه لم يفكر هو الآخر في الحملة الرئاسية عندما وافق على المشاركة في المشروع. لكن ما كان حاضراً بقوة بالنسبة إليه هو التقاطع بين قصة الفيلم والأحداث الجيوسياسية الراهنة. ويقول "الأمر وصل إلى حد بدا غريباً خلال التصوير، إذ كان فريق العمل ينهي يومه، ثم يشغّل الراديو أو يفتح صحيفة، ليكتشف إلى أي مدى تتردد أصداء ما يجري في الواقع داخل أحداث الفيلم".

وهنا تكمن، بالنسبة إلى كاتب، إحدى نقاط قوة السينما، فهي لا تقوم على إخبار الناس بما ينبغي عليهم التفكير فيه، ولا على تقديم رسالة جاهزة إلى الجمهور، بل على طرح الأسئلة، وقبل كل شيء منح المشاهد تجربة غامرة. وخلال مدة الفيلم، يستطيع المشاهد أن يضع نفسه في المكان ذاته إلى جانب الأشخاص المكلفين باتخاذ هذه القرارات، وفي هذه الحالة إلى جانب الرئيس الذي يؤدي مينوشيه دوره ومجموعة الشخصيات المحيطة به.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

المشاهد في مكان أصحاب القرار

يطرح كاتب السؤال الذي يقع في صلب تجربة "جوبيتر" ماذا يعني أن يكون الإنسان داخل غرفة صغيرة، مضطراً إلى اتخاذ قرارات تحدد مستقبل البشرية؟ ومن هذه الزاوية، يرى أن الفيلم يتجاوز بكثير حدود حملة انتخابية رئاسية أو حتى السياسة الداخلية الفرنسية، إذ يضع المشاهد فعلياً مكان أصحاب القرار، ويذكره بأن مصير البشرية قد يكون معلقاً بقرار شخص واحد.

ولفهم كيفية وصول مثل هذه السلطة إلى يد الرئيس الفرنسي، يعود مينوشيه إلى أصول النظام نفسه، مشيراً إلى أن الجنرال شارل ديغول هو من أنشأه. ويضيف "كان ديغول رجلاً عسكرياً يعرف فعلاً كلفة إرسال الرجال إلى الموت، لكنه وضع هذه السلطة في يد الديمقراطية، مما يعني أن الشخص الذي ينتخبه الشعب يمكن أن يمتلك هذه القوة... وفرنسا هي الدولة الوحيدة في أوروبا التي تمتلك الصواريخ والزر لتشغيلها، باستثناء روسيا بطبيعة الحال، إنما داخل أوروبا تبقى فرنسا الوحيدة".

هذه الحقيقة، أي إن شخصاً واحداً لا يزال يمتلك مثل هذه السلطة، تترك وقعاً مختلفاً حين يخرج المشاهد من صالة السينما ويدرك أن ما رآه ليس مجرد افتراض درامي، بل هو أمر موجود فعلاً داخل النظام الديمقراطي. وهذه مسألة لا تلامس الممثلين بوصفهم ممثلين فقط، بل أيضاً بوصفهم مواطنين أمام تركّز سلطة هائلة بهذا الحجم في يد شخص واحد.

بالنسبة إلى رضا كاتب، لم يكن موضوع الردع النووي جديداً تماماً. فقد سبق أن اقترب منه قبل أعوام من خلال مشاركته في فيلم "نداء الذئب" للمخرج أنطونان بودري، الذي تدور أحداثه في عالم الغواصات النووية. وتضمن ذلك الفيلم وضعاً مشابهاً إلى حد بعيد يتعلق بالروس وإطلاق صاروخ، لكن من وجهة نظر طواقم الغواصات هذه المرة.

ويستعيد كاتب في هذا السياق ما قاله له أحد الأميرالات ذات مرة، ومفاده أنه منذ امتلاك فرنسا قدرة الردع النووي، لا سيما عبر الغواصات القادرة على توجيه ضربة في أي لحظة ومن أي مكان، فإن البلاد لم تعرف الحرب فعلياً. وهي مفارقة يصعب استيعابها بالنسبة إلى كاتب، لأن الحديث يدور عن أسلحة صُممت أساساً كي لا تُستخدم أبداً، وفي حال استخدامها ستكون تلك النهاية بالنسبة إلى الجميع. ولذلك، يرى أن الأمر يتجاوز حدود المأساة، بل كل مأساة يمكن تخيلها، لأنه يتعلق بالنهاية المحتملة للبشرية.

سيناريو غير قابل للتصديق

أما مينوشيه فيلفت إلى وجه آخر لهذه السلطة، إذ إن الأشخاص الذين يمتلكونها، أي السلطة، يصبحون هم أنفسهم أسرى لآلية لم يصنعوها. فهم رجال ونساء يتحملون مسؤوليات بالغة القوة، لكنهم يتحولون تدرجاً إلى أسرى لهذه الآلية.

وهنا يلامس الفيلم أيضاً مسألة الإنكار أمام سيناريو يبدو من فرط هوله غير قابل للتصديق. فعندما يقال إن من الصعب تصديق الفيلم لأن ما يعرضه يبدو مستحيلاً، يرى كاتب أن مثل هذا الموقف يكشف شيئاً عن حساسية الشخص الذي يقول هذا الكلام وعن الإنكار أيضاً، ويكشف الطريقة التي يتفاعل بها البشر بعضهم مع بعض عندما يواجهون سيناريو لا يستطيعون فعلاً تخيله.

هنا نسأل "ماذا تعني نهاية البشرية فعلياً؟".

 يقول كاتب إنه لا يستطيع معرفة ما تعنيه، لكنه يستطيع تخيلها، بل حتى أن يشعر بما تعنيه الشجاعة، على سبيل المثال، وما يعنيه الذهاب إلى أقصى مدى في الشجاعة السياسية، والذهاب إلى النهاية مع فكرة ما، وأنت تعرف أن استسلامك قد يعني أيضاً، بمعنى من المعاني، نهاية البشرية، وفي نهاية المطاف انتصار الطرف الأقوى مرة تلو الأخرى، مشدداً على ضرورة عدم التعامل بسذاجة مع رقعة الشطرنج الدبلوماسية العالمية، حيث يتعلق كل شيء في نهاية المطاف بموازين القوى.

وبالنسبة إلى مينوشيه، لا تمثل شخصية الرئيس الفرنسي في "جوبيتر" تجربته الأولى في أداء دور رئيس على الشاشة. فهو سبق أن جسّد رئيساً في فيلم "شائعات" لكنه يؤكد أن العملين مختلفان تماماً، إذ كان الفيلم السابق عملاً ساخراً. ويقول إنه نفسه أول من يشعر بدهشة كبيرة إزاء تكرار إسناد هذا النوع من الأدوار إليه في الأعمال الخيالية.

لكن أداء شخصية الرئيس في سياقين مختلفين دفعه أيضاً إلى التفكير في طبيعة المنصب نفسه، كما يقول، ففي البداية، هناك حتماً سؤال يتعلق بالشرعية، لأن الرئيس بالنسبة إليه "لغز"، ومع تقدمه في أداء الدور، بدأ يعتقد أن الرؤساء أنفسهم ربما يشعرون بهذا الإحساس، وهو لا يقول ذلك لأنه رئيس فعلياً بطبيعة الحال، بل يقصد الشعور بأن تكون لغزاً وألا تعرف حقاً ماذا يعني أن تكون رئيساً.

وتدرجاً، تصبح الأزمات والأشخاص المحيطون بالرئيس بمثابة المرآة التي تعكس إليه صورته كرئيس، وتساعد في تشكيل معنى المنصب بالنسبة إليه.

وفي مقابل مقولة تُنسب إما إلى مازارين بانجو أو جان بيار رافاران، مفادها أنه "لكي تكون رئيساً، يجب أن تعاني نوعاً ما حالة مرضية، لأن كونك رئيساً ليس دوراً طبيعياً"، لا يذهب مينوشيه إلى اعتبار الأمر حالة مرضية فعلاً.

فالرئيس، كما يقول، يُنتخب بناءً على الأمل، لكن هذا الأمل سرعان ما يصطدم بالواقع، لذا لا بد من أن يشعر الناس بخيبة الأمل. ولذلك، لا يرى أن المسألة تتعلق بحالة مرضية، بل بحقيقة أن امتلاك أفكار كبيرة والرغبة في القيام بأشياء جيدة وتغيير الأمور نحو الأفضل، كلها تصطدم سريعاً جداً بالواقع.

ممارسة السلطة والسياسة شيء يلتهم الأشخاص

وهذا الحديث عن السلطة يذكّر رضا كاتب بكتاب جوليانو دا إمبولي "ساعة المفترسين" إذ يرى أن ممارسة السلطة والسياسة شيء يلتهم الأشخاص الذين يمارسونه. ويشير إلى مدى سرعة تقدم الناس في السن بمجرد أن يصبحوا رؤساء أو يتولوا مناصب كبرى.

ومع ذلك، يبقى من السهل التفكير في هذه التجربة من الخارج، فيما يصعب معرفة حقيقتها من الداخل. وهذا تحديداً، بحسب كاتب، ما يحاول الممثل القيام به عندما يؤدي شخصية ما، سواء كانت لشخص يعمل في صيانة فندق، أو لرئيس دولة، أو لوزير، أن يحاول الشعور بما تعنيه التجربة من الداخل، ثم يجعل الجمهور يشعر بها أيضاً.

أما احتمال أن يصبح مينوشيه نفسه رئيساً يوماً ما، فيستبعده تماماً وبشيء من الدعابة، مؤكداً أنه لا يمتلك القدرة على تحمل مثل هذه المسؤولية. لكنه في المقابل يعتبر أن استكشافها من خلال التمثيل كان رائعاً، وأن التجربة، ضمن إطار فيلم "جوبيتر"، كانت دقيقة للغاية وتركت لديه شعوراً بالغ القوة.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما