ملخص
تحولت تحويلات المصريين العاملين في الخارج إلى أحد أقوى مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري بعدما سجلت مستويات قياسية خلال السنة المالية 2025-2026.
في وقت تبحث فيه مصر عن مصادر مستدامة للعملة الصعبة تبرز تحويلات المصريين العاملين في الخارج باعتبارها أحد أكثر مصادر النقد الأجنبي استقراراً وأقلها ضجيجاً، إذ لا تحتاج إلى مشروعات حكومية ضخمة أو حملات ترويجية متواصلة، وإنما تعتمد على ملايين المصريين الذين يعملون خارج البلاد ويرسلون جزءاً من دخولهم إلى أسرهم في الداخل.
وخلال السنة المالية 2025-2026 سجلت تحويلات المصريين العاملين في الخارج مستوى قياسياً بلغ نحو 47.3 مليار دولار، بزيادة 29.6 في المئة مقارنة بنحو 36.5 مليار دولار في السنة المالية السابقة، وفق أحدث بيانات البنك المركزي المصري.
وتكشف هذه الأرقام عن أن التحويلات لم تعد مجرد مصدر إضافي للعملة الأجنبية، وإنما أصبحت مكوناً بالغ الأهمية في قدرة الاقتصاد المصري على تدبير حاجاته من النقد الأجنبي، خصوصاً أن التدفقات تتوزع على مدار العام ولا ترتبط بمشروع واحد أو سوق واحدة.
واللافت أن قوة التحويلات استمرت حتى نهاية السنة المالية، إذ بلغت خلال يونيو (حزيران) الماضي نحو 4.2 مليار دولار، بزيادة 15.6 في المئة مقارنة بنحو 3.6 مليار دولار في يونيو 2025.
ويشير استمرار النمو الشهري إلى أن المسار الصاعد لم يكن مجرد قفزة موقتة، بل تحول إلى اتجاه أكثر رسوخاً، وأظهرت البيانات الرسمية أن التدفقات بلغت 43.1 مليار دولار خلال الأشهر الـ11 الأولى من السنة المالية 2025-2026، بزيادة 31.2 في المئة على أساس سنوي، مقابل نحو 32.8 مليار دولار خلال الفترة نفسها من السنة المالية السابقة.
لماذا تتحول التحويلات إلى سلاح اقتصادي؟
القوة الأساسية للتحويلات لا تكمن فحسب في حجمها، وإنما في طبيعتها، فهي تدفقات تأتي إلى الاقتصاد من مصدر واسع ومتنوع من الأفراد والأسواق، مما يجعلها أقل عرضة للتقلبات مقارنة ببعض مصادر النقد الأجنبي الأخرى.
وبالنسبة إلى مصر، فإن كل دولار يدخل عبر القنوات الرسمية للتحويلات يعني زيادة المعروض من العملة الأجنبية داخل الجهاز المصرفي، وهو ما يساعد على تمويل الواردات وتلبية حاجات الشركات والأفراد من النقد الأجنبي، ويعزز قدرة البنوك على إدارة السيولة الدولارية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر بعد التحول إلى سعر صرف أكثر مرونة في مارس (آذار) 2024، وهي خطوة أشار صندوق النقد الدولي إلى أنها ساعدت في إغلاق الفجوة مع السوق الموازية والقضاء على تراكمات الطلب على العملة الأجنبية غير المُلبَّاة، إذ أكد الصندوق أن تحويلات العاملين في الخارج بقيت قوية في أعقاب الإصلاحات.
ومن زاوية أخرى تمثل التحويلات شبكة أمان اجتماعية واسعة، فالأموال التي تصل إلى الأسر المصرية لا تنتهي في الاحتياطات المصرفية فحسب، بل تتوزع على الإنفاق على الغذاء والتعليم والعلاج والسكن والاستثمار الصغير، بما يجعل أثرها يمتد من سوق الصرف إلى النشاط الاقتصادي اليومي.
من 29.4 إلى 47.3 مليار دولار
وتظهر وتيرة النمو خلال السنة المالية الماضية قوة هذا المصدر بوضوح. فقد بلغت التحويلات 29.4 مليار دولار خلال أول ثمانية أشهر، بزيادة 28 في المئة، ثم ارتفعت إلى 39.2 مليار دولار خلال أول 10 أشهر، بنمو 33.2 في المئة، قبل أن تصل إلى 43.1 مليار دولار بعد 11 شهراً وتنتهي السنة عند 47.3 مليار دولار.
هذا التسارع يعكس، في جانب منه، عودة جزء كبير من التحويلات إلى القنوات الرسمية، تزامناً مع تحسن آلية تسعير العملة وتراجع الحوافز التي كانت تدفع بعض التدفقات إلى خارج الجهاز المصرفي.
والأهم أن استمرار صعود التحويلات يمنح مصر مورداً يمكن البناء عليه في إدارة ميزان المدفوعات، لكنه في الوقت نفسه لا ينبغي أن يحجب الحاجة إلى زيادة الإيرادات الدولارية الأخرى، مثل الصادرات والاستثمار الأجنبي المباشر والسياحة وإيرادات قناة السويس. فالتحويلات قوية لأنها تأتي من ملايين العاملين بالخارج، لكنها تظل مرتبطة في النهاية بظروف أسواق العمل والاقتصادات التي تستضيف المصريين، خصوصاً في الخليج وأوروبا وأميركا. ومن ثم فإن تحويل هذا التدفق القياسي إلى قوة اقتصادية دائمة يتطلب توجيه جزء أكبر منه نحو الاستثمار والإنتاج، بدلاً من اقتصاره على الاستهلاك. وبهذا المعنى، فإن 47.3 مليار دولار ليست مجرد حصيلة سنوية قياسية، بل إشارة إلى أن المصريين في الخارج أصبحوا أحد أهم خطوط الدفاع عن توازن سوق النقد الأجنبي. ويظل التحدي الحقيقي هو الانتقال من التعامل مع التحويلات باعتبارها مورداً لسد الحاجات الآنية إلى اعتبارها أداة لتمويل الاستثمار وزيادة المدخرات وتعزيز النمو طويل الأجل.