ملخص
تصاعد التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف من استخدام الدولار سلاحاً مالياً يدفع البنوك المركزية إلى إعادة توزيع سبائكها، فيما تعزز شنغهاي وهونغ كونغ قدراتهما لتصبحا مركزين عالميين لحفظ الذهب.
في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية وتزايد المخاوف في شأن استخدام الدولار الأميركي كسلاح، واصلت البنوك المركزية الأوروبية نقل احتياطات الذهب بعيداً من الخزائن الأميركية، إذ سرعت الصين جهودها لبناء مزيد من البنية التحتية لحفظ الذهب، مع تصدر شنغهاي وهونغ كونغ هذه المساعي.
وبدأت شنغهاي وضع الأساس لهذه الخطط في عام 2021، عندما أصدرت حكومة البلدية سياسات تدعم الإصلاح والانفتاح رفيعي المستوى في منطقة بودونغ. ونص أحد البنود صراحة على تطوير "مستودع وطني واسع النطاق للمعادن الثمينة"، وأسندت المهمة إلى بورصة شنغهاي للذهب.
ولم تصدر منذ ذلك الحين سوى تحديثات رسمية محدودة في شأن المشروع، وقال مسؤول تنفيذي في البورصة، طلب عدم الكشف عن هويته، لصحيفة "ساوث تشاينا مورننغ بوست"، إن العمل لا يزال مستمراً، بهدف جذب احتياطات الذهب التابعة للبنوك المركزية الأجنبية.
وفي الوقت نفسه، تعمل هونغ كونغ على ترسيخ موقعها مركزاً إقليمياً لتجارة الذهب، مع خطط لزيادة قدرتها على تخزين السبائك إلى أكثر من 2000 طن خلال ثلاثة أعوام.
وفي إطار هذه المساعي، أطلقت المدينة أخيراً نظاماً تجريبياً لتسوية ومقاصة معاملات الذهب، بمشاركة 11 بنكاً صينياً ودولياً.
وكتب الباحث في معهد الصين للعلاقات الدولية المعاصرة في بكين يان زييانغ في مقالة نشرت في يناير (كانون الثاني) الماضي أن "الإطار المالي يضمن أن احتياطات الصين من الذهب، سواء المخزنة داخل البلاد أم خارجها، تعمل بصورة مستقلة عن الأنظمة المؤسسية الأجنبية".
وأضاف أن هذا الإطار "يمكن أن يوفر في الوقت نفسه بدائل آمنة، لتخزين الذهب لدى البنوك المركزية الأخرى".
وقال زييانغ إن الصين، في ظل ارتفاع أخطار العقوبات المرتبطة بالدولار، "مهيأة لجذب تدفقات احتياطات الذهب إلى شنغهاي وهونغ كونغ"، وهو ما من شأنه أن يعزز نفوذ الصين في سوق الذهب العالمية.
2300 طن من احتياطات الذهب
وفي نهاية أغسطس (آب) الماضي، وبعد 22 شهراً متتالياً من مشتريات البنوك المركزية، امتلكت الصين أكثر من 2300 طن من احتياطات الذهب.
ولا تكشف السلطات الصينية عن حجم الذهب المخزن من هذه الاحتياطات في الخارج.
وتأتي هذه التحركات في وقت تعيد فيه البنوك المركزية حول العالم النظر في كيفية إدارة أصولها الاحتياطية ومواقع تخزينها، وسط تصاعد الأخطار الجيوسياسية والقلق من الاعتماد على النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وتشير التحركات الأوروبية الأخيرة إلى أن قرار مكان تخزين الذهب لم يعد مسألة لوجستية أو مالية فحسب، بل أصبح جزءاً من حسابات أوسع تتعلق بالأمن المالي والسيادة والاستعداد للأزمات.
وبالنسبة إلى الصين، قد يفتح هذا التحول فرصة لتعزيز موقع شنغهاي وهونغ كونغ في سوق الذهب العالمية، خصوصاً مع سعي بكين إلى تطوير بنية تحتية مالية قادرة على استقطاب مزيد من التعاملات والاحتياطات الدولية.
وكان أحدث تحركات تغيير أماكن تخزين الذهب ما أعلنه البنك المركزي الهولندي أنه نقل 86 طناً من الذهب من خزائن في الولايات المتحدة وكندا إلى لندن بين مارس (آذار) وأغسطس الماضيين، مما أدى إلى انخفاض حصة الذهب الهولندي المخزن في نيويورك بمقدار 12.8 نقطة مئوية إلى 18.5 في المئة.
وربط البنك هذه الخطوة بـ"تصاعد الاضطرابات الجيوسياسية"، وقال إنها ستعزز "الاستعداد لمواجهة الأزمات".
وأضاف أن "توزيع مخزون الذهب بصورة أكثر توازناً بين أميركا الشمالية والمملكة المتحدة وهولندا يساعد في توزيع الأخطار".
ويرى محللون أن الصين قد تنظر إلى ذلك باعتباره فرصة لجذب مزيد من تدفقات الذهب إلى مراكز الحفظ في شنغهاي وهونغ كونغ.
تجميد بعض احتياطات الذهب الروسية
ويبدو أن البنوك المركزية الأوروبية تتجه بصورة جماعية إلى إعادة تقييم احتياطات الذهب التي تحتفظ بها في الخارج.
وفي نتائج أعلنها البنك المركزي الفرنسي في أبريل (نيسان)، قال إنه باع 129 طناً من الذهب المخزن في نيويورك قبل أن يشتري سبائك ذهبية معادلة عالية الجودة في أوروبا، كما اتبعت صربيا وألمانيا خطوات مماثلة خلال الأعوام الأخيرة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وقالت نائبة الأمين العام لفرع الذهب والفضة في جمعية صناعة المعادن غير الحديدية الصينية ليانغ يونغ هوي، إن "تحولاً جوهرياً حدث في الطريقة التي تنظر بها الدول إلى أمن أصولها السيادية"، مضيفة أن هذا التحول "لن يتراجع على المدى القصير بغض النظر عما إذا كانت التوترات الجيوسياسية تهدأ أو تتصاعد".
وأوضحت أن المحفز الأول لهذا التحول يمكن إرجاعه إلى عام 2022، عندما اندلعت الحرب في أوكرانيا.
وقالت ليانغ إن "تجميد بعض احتياطات الذهب الروسية الموجودة في الأسواق الخارجية في ذلك العام قلب التصورات التي تبنتها دول كثيرة لفترة طويلة في شأن سلامة الأصول الاحتياطية الموجودة في الخارج".
الصين وفرصة التحول إلى وجهة لحفظ الذهب
وأظهر مسح احتياطات الذهب لدى البنوك المركزية لعام 2026، الذي نشره مجلس الذهب العالمي في يونيو (حزيران) الماضي، زيادة في عمليات إعادة النظر في أماكن تخزين الذهب.
ومن بين 76 بنكاً مركزياً شملها المسح، قال 10 في المئة إنها نوعت مواقع تخزين احتياطاتها في الخارج خلال الأشهر الـ12 السابقة، وهو ما وصفه المجلس بأنه "ارتفاع ملاحظ" مقارنة باثنين في المئة فقط في مسح عام 2025.
وقال سبعة في المئة من المشاركين إنهم يعتزمون زيادة تخزين الذهب محلياً خلال الأشهر الـ12 المقبلة، بينما يعتزم تسعة في المئة تنويع مواقع تخزين الذهب في الخارج، ارتفاعاً من اثنين في المئة في العام السابق.
وقالت ليانغ إن مزيداً من الدول يتوقع أن يعيد تقييم أصوله الاحتياطية الموجودة في الخارج، مستفيدة من تجارب البنوك المركزية الأوروبية وتأثيرها.
وفي حال استمرت البنوك المركزية في تنويع مواقع تخزين الذهب، فقد تجد الصين نفسها أمام فرصة نادرة لتحويل مراكزها المالية إلى وجهة جديدة لحفظ المعدن النفيس، بما قد يمنحها دوراً أكبر في سوق تتزايد أهميته مع تراجع الثقة في بعض الأصول المقومة بالدولار.