Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

زيادة مفاجئة للبنزين في إيران توقظ ذاكرة احتجاجات 2019

جاء إعلان القرار قبل نحو 24 ساعة فقط من دخوله حيز التنفيذ على رغم أن الرئيس بزشكيان كان تعهد بأن أي تغيير سيجري بعد "الحوار والإعلام والتنسيق"

تأتي زيادة السعر الثالث في وقت تجاوزت فيه أزمة البنزين في إيران مسألة السعر لتتحول إلى أزمة "وصول إلى الوقود" (أ ف ب)

ملخص

تجد الأسر في إيران نفسها عالقة بين ضغطين متزامنين: فمن جهة العقوبات والحصار وانهيار الريال وشح الموارد، ومن جهة أخرى المأزق الراهن في التوتر مع الولايات المتحدة، الذي يبقي خطر اندلاع مواجهات جديدة ومزيداً من الضغوط الاقتصادية قائماً.

رفعت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في خضم واحدة من أشد فترات الضغوط الاقتصادية على الأسر الإيرانية، السعر الثالث للبنزين بنسبة 100 في المئة. وأعلنت المتحدثة باسم الحكومة فاطمة مهاجراني، مساء الأحد السادس من سبتمبر (أيلول) الجاري، أنه بدءاً من فجر الثلاثاء الثامن من سبتمبر الجاري، سيباع البنزين باستخدام بطاقات محطات الوقود بسعر 10 آلاف تومان لليتر (نحو 4.5 سنت أميركي)، بدلاً من 5 آلاف تومان (2.2 سنت أميركي).

وجاء إعلان القرار قبل نحو 24 ساعة فقط من دخوله حيز التنفيذ، على رغم أن الرئيس بزشكيان كان تعهد، قبل أقل من 10 أيام، بأن أي تغيير في أسعار البنزين سيجري بعد "الحوار والإعلام والتنسيق". وتدعي الحكومة أن إجمالي الحصة المدعومة، البالغة 110 ليترات، يلبي احتياجات نحو 85 في المئة من السكان، لكن تجاوز هذا المستوى من الاستهلاك ليس مستبعداً بالنسبة إلى سائقي سيارات الأجرة عبر التطبيقات، وعمال خدمات التوصيل، والأشخاص الذين يقطعون مسافات طويلة يومياً للوصول إلى أعمالهم، وكذلك الأسر التي تعتمد على السيارات الخاصة بسبب ضعف وسائل النقل العام.

وتأتي زيادة السعر الثالث في وقت تجاوزت فيه أزمة البنزين، خلال الأسابيع الأخيرة، مسألة السعر لتتحول إلى أزمة "وصول إلى الوقود". وتشير تقارير المواطنين في مدن إيرانية مختلفة إلى إغلاق بعض محطات الوقود، وتشكل طوابير طويلة. فجر الإثنين، وعقب الإعلان الرسمي بمضاعفة سعر البنزين، انتشرت مقاطع مصورة من محافظات عدة، بينها طهران وأصفهان وخراسان رضوي وهرمزغان والبرز، تظهر طوابير السيارات لشراء آخر كميات البنزين بسعر 5 آلاف تومان قبل بدء تطبيق السعر الجديد.

وتؤكد الأرقام الرسمية أيضاً حجم العجز، إذ قال الرئيس التنفيذي للشركة الوطنية الإيرانية لتكرير وتوزيع المنتجات النفطية مساء الأحد الماضي، إن متوسط استهلاك البنزين خلال الأشهر الخمسة الماضية بلغ نحو 132 مليون ليتر يومياً، في حين بلغ إجمالي الإنتاج من المصافي والمصادر غير التكريرية نحو 122 مليون ليتر يومياً. وهذا يعني أن البلاد تواجه عجزاً يومياً يبلغ في المتوسط نحو 10 ملايين ليتر، وخلال الأسبوع الأول من سبتمبر أيضاً، تجاوز الاستهلاك اليومي 148 مليون ليتر، مما اضطر الحكومة إلى استخدام المخزونات لتعويض جزء من النقص.

تراجع القدرة الشرائية

وحذر أمين جمعية الغاز الطبيعي المضغوط في طهران وحيد سراوند من تداعيات الوضع، مشيراً إلى أنه خلافاً لأزمة المياه لا يمكن انتظار تغير الظروف الطبيعية لتعويض نقص البنزين، وقال "لن تمطر السماء بنزيناً حتى تمتلئ خزانات البلاد الاستراتيجية المخصصة لتخزين الوقود".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن مضاعفة السعر الثالث لا تقتصر تداعياتها على فاتورة محطات الوقود، فالبنزين يمثل إحدى الكلف الأساسية للنقل في الاقتصاد، ومن شأن ارتفاع سعره، ولا سيما في اقتصاد يعاني توقعات تضخمية مرتفعة، أن يؤثر في قطاعات تمتد من أجور سيارات الأجرة وخدمات التوصيل إلى تكاليف توزيع السلع والخدمات. فالسائق الذي يدفع كلفة أعلى للوقود، والمتجر الذي يتحمل نفقات نقل أكبر لإيصال البضائع، والعامل الذي يضطر إلى استخدام سيارته للانتقال من أطراف المدينة إلى مكان عمله، سيتحمل كل منهم جزءاً من هذه الزيادة.

وتنتقل هذه الضغوط إلى موائد الأسر في وقت كانت فيه القدرة الشرائية للمواطنين قد تراجعت بشدة حتى قبل ارتفاع سعر البنزين، ووفقاً لأحدث الإحصاءات الرسمية الواردة في التقارير المحلية بلغ معدل التضخم على أساس سنوي في أغسطس (آب) نحو 89 في المئة، فيما تجاوز الارتفاع السنوي في أسعار المواد الغذائية والمشروبات 127 في المئة. وبالتزامن مع ذلك، سجل الدولار الواحد في السوق الحرة خلال الأيام الأخيرة مستوى قياسياً تاريخياً بلغ 230 ألف تومان. وفي اقتصاد كهذا، حتى ارتفاع الكلفة الذي لا يطاول جميع الأسر بصورة مباشرة، يمكن أن يعزز التوقعات بحدوث موجة جديدة من ارتفاع الأسعار.

وتظهر التجربة الإيرانية أيضاً مدى الحساسية الاجتماعية تجاه أسعار البنزين، فقد أدى الارتفاع المفاجئ في أسعار الوقود في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 إلى اندلاع احتجاجات واسعة واجهها النظام بقمع دموي. وربما لهذا السبب أبقت الحكومة هذه المرة على السعرين المدعومين من دون تغيير، وركزت الزيادة في البداية على البنزين المباع ببطاقات محطات الوقود. ومع ذلك، فهذه ليست الخطوة الأولى التي تتراجع فيها الحكومة عن دعم الوقود، إذ سبق أن أعلنت أن السيارات المتهالكة التي لا يبادر أصحابها إلى تحويلها إلى خردة (التخلص منها) ستفقد حصص البنزين المدعومة.

تزايد الضغوط الخارجية

ولا تكمن جذور الأزمة الراهنة في الاستهلاك المحلي وحده، فالحرب والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة والقيود الشديدة على الواردات، أخلت بالتوازن الهش في سوق الوقود الإيرانية. كذلك أقر الرئيس بزشكيان بأن الحكومة تحتاج إلى الاستيراد لتعويض العجز، لكن عمليات الاستيراد أصبحت أكثر صعوبة، فيما تراجعت الموارد المالية المتاحة لشراء البنزين.

وفي الوقت ذاته تتزايد الضغوط الخارجية، إذ أدى الحصار البحري وتشديد العقوبات الأميركية إلى وصول صادرات النفط الإيرانية إلى الصفر، كذلك قيدا بشدة وصول طهران إلى موارد النقد الأجنبي، وهو وضع يؤدي، مع تفاقم شح العملات الأجنبية وتراجع الواردات وقفزات الأسعار، إلى زيادة الضغوط الاقتصادية على المواطنين.

وعلى رغم ذلك، لا تظهر في مواقف كبار مسؤولي النظام الإيراني أي مؤشرات إلى تراجع التوتر العسكري. فبعد ساعات فقط من إعلان زيادة سعر البنزين، حذر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، رداً على تهديد بيت هيغسيث، من أن الشركات والمنشآت الأميركية للنفط والغاز في المنطقة ستتعرض للاستهداف في حال مهاجمة أصول إيرانية. وكرر محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، المواقف ذاتها.

وهكذا، تجد الأسر في إيران نفسها عالقة بين ضغطين متزامنين: فمن جهة العقوبات والحصار وانهيار الريال وشح الموارد، ومن جهة أخرى المأزق الراهن في التوتر مع الولايات المتحدة، الذي يبقي خطر اندلاع مواجهات جديدة ومزيداً من الضغوط الاقتصادية قائماً.

وقد تسهم زيادة السعر الثالث للبنزين بنسبة 100 في المئة في خفض جزء من كلفة عجز الوقود التي تتحملها الحكومة، لكن في اقتصاد تواجه فيه أسعار الغذاء والسكن والنقل وسائر الاحتياجات اليومية ارتفاعات حادة بالفعل، فإن جزءاً كبيراً من فاتورة الأزمة سينتقل مرة أخرى إلى المواطنين.

نقلاً عن "اندبندنت فارسية"

اقرأ المزيد

المزيد من متابعات