Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما حقيقة تزويد روسيا إيران بتقنيات صاروخية وصور فضائية؟

موسكو تستطيع إمدادها بالمكونات والأجزاء الفرعية التي تسمح لها بتطوير صناعتها الدفاعية لا سيما تلك الفرط صوتية والطائرات المسيرة الحديثة

تقدم روسيا لإيران الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري التقني المحدود لكنها تمتنع عن التدخل العسكري المباشر في الصراع الذي تخوضه طهران ضد أميركا وإسرائيل (أ ف ب)

ملخص

على رغم أن موسكو وطهران لم تشكلا تحالفاً عسكرياً رسمياً قط، فإن تعاونهما في مجال البرامج الصاروخية والطائرات من دون طيار والاستخبارات والتهرب من العقوبات والأمن الداخلي قد تعمق منذ أن شنت روسيا "عمليتها العسكرية الخاصة" في أوكرانيا.

مع تشديد العقوبات وتصاعد وتيرة التحذيرات الأميركية، رد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، يوم الثالث من سبتمبر (أيلول) الجاري، على تصريح وزير الخزانة سكوت بيسنت للدول الداعمة لطهران الذي دعا فيه إلى "الابتعاد"، بالقول "إن روسيا ستواصل تطوير شراكتها مع إيران، بحسب ما تقتضي مصلحتها". وقال في مقابلة مع برنامج الأخبار على قناة "فيستي تي في" إن "الولايات المتحدة لا تملك القدرة ولا الحق في الاستئثار بالعلاقات الثنائية مع أي دولة بمفردها، من غير المرجح أن تتمكن الولايات المتحدة من أن تفرض طبيعة وشكل العلاقات مع أي دولة، أو ينبغي لها احتكار علاقاتها مع أي دولة بعينها". وأضاف "لدينا شركاؤنا وأصدقاؤنا. وسنحافظ على هذه العلاقات الودية والشراكة ونعمل على تطويرها".

وصرح بيسنت لقناة "فوكس بيزنس" قبل ذلك بيوم، أن إدارة ترمب تتحرك نحو "خنق" إيران اقتصادياً، وحذر أولئك الذين لا يزالون يدعمون طهران وطلب منهم "الابتعاد".

بوتين

وعلى هامش قمة منظمة "شانغهاي" التي عقدت في قيرغيزيا مطلع سبتمبر، قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، إن موسكو تقدم لإيران المعدات وغيرها من المساعدات الإنسانية في خضم حربها مع الولايات المتحدة. وأكد تضامن الشعب الروسي مع الشعب الإيراني في نضاله من أجل مصالحه، والحفاظ على ديناميكية مستدامة للتفاعل التجاري والاقتصادي بين روسيا وإيران بمستوى مؤشرات العام الماضي، على رغم الوضع العسكري والسياسي الراهن.

وأوضح أن العلاقات الروسية - الإيرانية تتطور بثبات في الاتجاهات كافة. كذلك أكد الرئيسان مواصلة تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري على رغم التحديات الإقليمية والدولية.

وأضاف بوتين "نحن نرى أن الشعب الإيراني يواجه أوضاعاً صعبة، لكنه يدافع عن مصالحه الوطنية بثبات، ونحن نتفهم ذلك وندعمه". وأشار إلى أن موسكو "تحاول تقديم الدعم لإيران في ظل الظروف الصعبة عبر توريد السلع التي تحتاجها".

وكان بوتين قد أكد قبل ذلك خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي في يونيو (حزيران) الماضي، أن روسيا لم تزود إيران بالأسلحة خلال النزاع، وأن طهران لم تطلب ذلك، من دون أن يتطرق إلى موضوع المساعدة العلمية والتقنية لإيران في تطوير صواريخ أسرع من الصوت قادرة على ضرب أهداف كبيرة مهمة وتدميرها. ومع ذلك لم يستبعد احتمال استخدام الإيرانيين الأقمار الاصطناعية التجارية، بما فيها أقمار روسية، يمكنها بيع هذه المعلومات بسهولة كمنتج تجاري.

ورأى الرئيس الروسي أن إيران لم ترتكب أي استفزازات أدت إلى الصراع مع الولايات المتحدة. ووصف الضربات التي نفذتها واشنطن وتل أبيب، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بأنها "مأساة".

طبيعة دعم روسيا لإيران

تقدم روسيا لإيران علناً الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري التقني المحدود، لكنها تمتنع عن التدخل العسكري المباشر في الصراع الذي تخوضه طهران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتواصل روسيا تقديم المساعدات لإيران وسط تصاعد التوترات العسكرية والسياسية، وانشغالها بحربها في أوكرانيا التي تستنزف موارد هائلة. ففي الأول من سبتمبر الجاري، وخلال قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك، أعلن الرئيس الروسي عن إيصال سلع أساسية ومساعدات إنسانية إلى طهران.

وصرح السفير الإيراني لدى روسيا، كاظم جلالي، بأن روسيا قوة عظمى، ولا يمكن تصور سلام مستدام من دونها، ملمحاً إلى أن بلاده تتشاور مع موسكو في كل ما يتعلق بصراعها مع الولايات المتحدة. وأضاف أن العالم الغربي، الذي وضع أسس القانون الدولي، قد انتهكه اليوم.

صحيح أن روسيا تحافظ على علاقاتها التجارية مع إيران، وتضمن إمدادها بالسلع الأساسية والأدوية، إلا أنها لا تكشف علناً عن تقديم أي مساعدة لها يمكن أن تثير غضب أو حفيظة الولايات المتحدة، لأنها لا تزال تعول على إعادة العلاقات مع واشنطن إلى مجاريها الطبيعية، وتأمل في أن تسفر الوساطة الأميركية عن إيجاد حل للأزمة الأوكرانية يلبي كثيراً من مطالبها، خصوصاً بعد معاودة الوسيطين الأميركيين جاريد كوشنير وستيف ويتكوف جولاتهما المكوكية بين موسكو وكييف، وإعلان الرئيس الروسي عن أن بلاده ترحب بمساعيهما دوماً.

وصرحت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، بأن روسيا ستواصل تقديم المساعدات الإنسانية للشعب الإيراني، على رغم الظروف الصعبة التي يواجهها. ويهدف موقف روسيا إلى تسهيل خفض التصعيد سريعاً وحل النزاع بالوسائل السياسية.

وأعرب الرئيس الإيراني عن امتنانه لنظيره الروسي لدعمه طهران في الصراع مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أهمية التعاضد داخل منظمة شنغهاي للتعاون لمكافحة الأعمال الأحادية ودعم المعايير الدولية.

وفي سياق العمليات العسكرية التي بدأتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران يوم الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، دانت روسيا الضربات على الأهداف الإيرانية ودعت إلى الامتثال لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي.

معلومات "فايننشال تايمز"

في الثاني من سبتمبر ذكرت صحيفة "فايننشال تايمز" أن "روسيا تُقدم دعماً أكبر لإيران في مجهودها الحربي مما كنا نعتقد سابقاً". وقالت إن تحقيقاً أجرته كشف أن روسيا تُساعد إيران في تطوير صواريخ تفوق سرعة الصوت، قادرة على ضرب سفن حربية أميركية في الشرق الأوسط. وأوضح الصحافي الاستقصائي مايلز جونسون، الذي أجرى التحقيق قائلاً "لقد اكتشفنا أنه على مدى سنوات عدة، كان هناك برنامج سري يقدم فيه مهندسون روس يعملون لدى أهم شركة روسية لتكنولوجيا الصواريخ، مساعدة تقنية للجيش الإيراني لتطوير ما يُعرف بصواريخ ’كروز‘ الأسرع من الصوت. وهذا النوع من الصواريخ من شأنه أن يمنح إيران ما لم تتمكن من الحصول عليه، وهو ما كانت تتوق إليه لفترة طويلة، ألا وهو نوع من الصواريخ قادر على تهديد السفن الكبيرة، وبطريقة قد تتمكن من اختراق الدفاعات الحديثة. الآن، لم تصل بعد إلى مرحلة نشر هذا النظام أو اكتماله، لكنه مشروع قطع شوطاً كبيراً وتطلب تعاوناً وثيقاً. وخلال تغطيتنا الصحفية، تواصلنا مع الروس والإيرانيين للاستفسار عن هذا الأمر، لكنهم لم يجيبوا على أسئلتنا".

وتابع جونسون "لطالما كان هناك تعاون كبير بين روسيا وإيران، لكن هذا التعاون تسارع بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرة، خصوصاً منذ اندلاع الحرب الأوكرانية. ومن أبرز مظاهر هذا التعاون نقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة من إيران إلى روسيا، التي استخدمتها روسيا على نطاق واسع في الهجوم على أوكرانيا. لكننا تحدثنا إلى خبراء عدة، وكانوا واضحين تماماً أن هذا الأمر بالغ الأهمية. فهو في الواقع نقل لتكنولوجيا ذات أهمية استراتيجية من روسيا إلى إيران، وهو أمر قد يُغير، مع مرور الوقت، بصورة كبيرة، القدرات المحلية لإيران في ما يتعلق بالتهديدات التي يمكنها استخدامها ضد مصالح الولايات المتحدة ودول أخرى في الشرق الأوسط".

واستطرد قائلاً "أعتقد أن هناك شيئاً مثيراً للاهتمام يحدث، حيث يوجد هذا النوع من التغيير الجاري الذي مكن إيران من ضرب القواعد العسكرية الأميركية بدقة أكبر مما توقعه أي شخص والتسبب في المزيد من الأضرار. وما نشهده هو تقلص الفجوة في قدرات دولة مثل إيران، وقوة عظمى مثل الولايات المتحدة، وذلك بفضل قدرة إيران على الحصول على المساعدة والمعدات وغيرها من الأشياء من أماكن مثل روسيا والصين. لذا أعتقد أنه على المدى الطويل، إذا نجحوا في تطوير هذه الصواريخ الجوالة الأسرع من الصوت، فسيكون ذلك دليلاً إضافياً على قدرتها على ضرب الولايات المتحدة بطرق تجعل الناس يشعرون بعدم الارتياح الشديد".

وخلص جونسون للقول "أعتقد أن هذا يُظهر بوضوح، أن روسيا مستعدة لتجاوز الحدود قليلاً عما كانت عليه سابقاً. وهذا أمر من شأنه أن يُثير حفيظة دول الخليج، وإسرائيل التي تربطها بروسيا علاقة معقدة، وبالطبع الولايات المتحدة. كذلك تتلقى إيران مساعدات كبيرة من الصين، في مجالات مثل الحصول على صور أقمار اصطناعية، مما يُمكنها من مراقبة القواعد العسكرية الأميركية، التي تتعرض بدورها للهجوم بالصواريخ والطائرات المسيرة. ويأتي هذا في سياقٍ تُعد فيه إيران من أكثر الدول خضوعاً للعقوبات في العالم، مما يدفعها للبحث عن سبلٍ للحصول على معدات أو تقنيات أو خبرات من حلفائها، لتتمكن من استخدامها لاحقاً".

محاولة أميركية لثني موسكو عن مساعدة طهران

قام مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون راتكليف، في الـ25 من أغسطس (آب) بزيارة مفاجئة لم يعلن عنها مسبقاً إلى روسيا. ولم تُصدر موسكو وواشنطن أي تفاصيل رسمية. ولكن بحسب تقارير إعلامية روسية وغربية، فإن راتكليف التقى رئيسي جهاز الأمن الفيدرالي الروسي وجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، محذراً موسكو من دعم إيران ومساعدتها في الالتفاف على العقوبات الخانقة التي فرضتها عليها بلاده، وحذرها أيضاً من استغلال انشغال أميركا بحربها مع إيران لمهاجمة دول "الناتو".

ويعتقد إيليا غراشينكوف، العالم السياسي ومدير عام مركز تنمية السياسات، أن زيارة راتكليف جاءت لتحذير روسيا من عدم جواز مساعدة طهران في تطوير برنامجها الصاروخي أو الإقدام على أي تصعيد إضافي، على سبيل المثال، حول عدم جواز شن هجوم على السفن الأميركية بعد أن أقرت روسيا باحتمالية ذلك. ويؤكد سياسيون أن "الهم الأساس للولايات المتحدة في الوقت الراهن تحقيق هدفها بخنق الاقتصاد الإيراني، بما يتيح لها فرض إملاءاتها على طهران، وهي تعرف أن البلد الأكثر قدرة وأهلية وميلاً لمساعدة إيران على تخفيف آثار العقوبات هو روسيا، نسبة لموقعها الجغرافي القريب وإمكاناتها الاقتصادية الكبيرة، خصوصاً أنها تعاني أسوة بطهران من ضير العقوبات الغربية وتعرف بالممارسة طرق الالتفاف عليها، لذلك يسعى الأميركيون إلى ثنيها عن تقديم أي مساعدة لطهران، مقابل سعيهم للضغط على أوكرانيا من أجل القبول بمقترحات ترمب للتسوية".

وقال أليكسي مارتينوف، مدير معهد الدول الناشئة حديثاً، إن "طبيعة أجهزة الاستخبارات وكفاءتها ووظائفها لا تسمح برسائل سياسية. إنها أدوات لضمان الأمن القومي والمصالح. وعندما نتحدث عن أجهزة الاستخبارات العالمية، مثل تلك التابعة للقوى العظمى، فإنها تتفاعل باستمرار فيما بينها. إنه لأمر مذهل، لكن هكذا تسير الأمور. ولم يتوقف هذا التفاعل قط، حتى خلال أصعب الأوقات التي مرت بها العلاقات الثنائية في القرن الماضي".

أندري كورتونوف، الخبير في نادي فالداي الدولي، قال "هذه ليست زيارة عادية. فقد كثرت الروايات حول زيارة راتكليف. لكن الموضوعين الرئيسين اللذين نوقشا كان أولهما منع أي تصعيد غير مقصود محتمل بين روسيا والدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو). هذه الدول تنجذب تدريجاً إلى الصراع، ويتزايد الحديث عن احتمالية شن ضربات انتقامية ضد أهداف في هذه الدول. هذا الأمر يُثير قلق الولايات المتحدة، لأنه يُمثل اشتباكاً عسكرياً مباشراً بين روسيا وبعض الدول الأوروبية الأعضاء في حلف شمال الأطلسي. سيضع هذا التطور واشنطن أمام خيار صعب للغاية: التدخل أو عدمه. وإذا تدخلت، فما هو نطاق هذا التدخل وكيفيته؟ من الواضح أن واشنطن ترغب في منع حدوث مثل هذا السيناريو. أما المسألة الثانية، فهي استمرار الحرب الأميركية مع إيران، وقد تشعر واشنطن بالقلق إزاء استمرار تعاون موسكو مع طهران، بما في ذلك جوانب معينة من التعاون العسكري التقني، والتعاون الاقتصادي أيضاً، لا سيما بعد إعلان ترمب أخيراً عن استراتيجية لخنق إيران اقتصادياً. من الواضح أن روسيا، إلى جانب الصين وبعض الشركاء الإيرانيين التقليديين الآخرين، يشكلون عقبة كأداء أمام تنفيذ مثل هذه الخطة".

التآزر الذي نشأ من حرب أوكرانيا

على رغم أن موسكو وطهران لم تشكلا تحالفاً عسكرياً رسمياً قط، فإن تعاونهما في مجال البرامج الصاروخية والطائرات من دون طيار والاستخبارات والتهرب من العقوبات والأمن الداخلي قد تعمق منذ أن شنت روسيا عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا.

تشرح نيكول غرايفسكي، الخبيرة في العلاقات الروسية - الإيرانية في معهد الدراسات السياسية "سيانس بو" في باريس ومؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، كيف أصبحت الصراعات في أوكرانيا والخليج العربي متشابكة بصورة متزايدة - وإلى أي مدى روسيا مستعدة للذهاب لدعم إيران.

وتقول "في سياق الحربين، يتضح جلياً مدى ترابط العلاقات الروسية - الإيرانية وتطورها. فعلى سبيل المثال، زودت إيران روسيا بطائرات ’شاهد‘ المسيرة، التي استُخدمت على نطاق واسع ضد أوكرانيا. وفي المقابل، تقدم روسيا لإيران دعماً بالغ الأهمية يتمثل في صور الأقمار الاصطناعية، والمساعدة المحتملة في تحديد الأهداف، والتدريب، والمساعدة العملياتية، وتبادل البيانات".

وتضيف "هكذا، نشأ نوع من التآزر نتيجة للحرب في أوكرانيا، ونشهد تجلياته في الحرب الحالية في الشرق الأوسط. علاوة على ذلك، فإن عديداً من التهديدات التي تواجهها أوكرانيا يومياً يواجهها حالياً حلفاء الولايات المتحدة في الخليج العربي. وخلال الحرب، قدمت أوكرانيا المشورة لشركائها في المنطقة بشأن عمليات مكافحة الطائرات المسيرة. هناك عديد من الروابط بين الحربين، وأعتقد أنه سيكون من الخطأ عدم تحليلهما معاً، لأنهما مرتبطتان ارتباطاً وثيقاً ليس فقط من خلال الطرفين المشاركين، ولكن أيضاً من خلال التقنيات والموارد المشتركة ذاتها".

لا يزال من غير الواضح تحديداً ما هي التكنولوجيا الروسية التي نُقلت لتطوير البرنامج الصاروخي الإيراني، أو ما الجديد تحديداً في الطائرات الإيرانية المسيرة. مع ذلك، من الواضح أن استراتيجية إيران وتكتيكاتها، بل وحتى أساليبها التشغيلية، قد تحسنت، وهي تحمل بعض أوجه التشابه مع كيفية استخدام روسيا لهذه الأنظمة في أوكرانيا. لكن لا يتوقع أحد أن تنقل روسيا علناً أنظمة أسلحة رئيسة إلى إيران، وفق مراقبين. وكانت آخر صفقة أسلحة مُعلنة بين البلدين بحسب تقرير لصحيفة "فايننشال تايمز" قد حصلت في ديسمبر (كانون الأول) 2025، حين سلمت موسكو أنظمة الدفاع الجوي المحمولة "فيربا" لطهران، ومنذ بداية الحرب ضد إيران في فبراير الماضي، لم يجرِ نقل أي أنظمة أسلحة رئيسة كاملة النطاق بصورة مباشرة.

لكن إيران تمتلك صناعة دفاعية قوية نسبياً، وعليه تستطيع روسيا تزويدها بالمكونات والتقنيات الصاروخية والأجزاء الفرعية التي تسمح لها بتطوير هذه الأسلحة، لا سيما الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيرة الحديثة. وتشير بعض الدلائل إلى أن هذا يحدث بالفعل، لكن لا يوجد دليل قاطع حتى الآن يحدد بدقة المكونات التي تم نقلها.

متى يمكن أن تتدخل روسيا؟

تكشف نيكول غرايفسكي، الخبيرة في العلاقات الروسية -الإيرانية، عن أنه "إذا وصل الوضع في إيران إلى حافة حرب أهلية أو فوضى عارمة، وإذا انهار النظام وظهر فراغ مشابه لما شهدناه في سوريا، فأنا على يقين تام بأن روسيا ستتدخل. وقد يعني هذا نشر قوات عمليات خاصة أو ربما ما يُسمى الشركات العسكرية الخاصة".

وتقول "تكمن المشكلة الأكبر في أنظمة الدفاع الجوي، خصوصاً منظومات أس-400". لكن روسيا تواجه وضعاً صعباً في ما يتعلق بتزويد طهران بهذه الأنظمة، لأنها تحتاجها لنفسها. أما إيران، فتفتقر إلى الموارد المالية اللازمة لاقتنائها.

مع ذلك، توجد طرق أخرى تستطيع روسيا من خلالها تعزيز قدرات إيران تدريجاً، كتقديم الأسلحة الصغيرة أو مكونات وتقنيات الصواريخ والطائرات المسيرة. لذا، "من الخطأ الادعاء بأن روسيا غارقة في أوكرانيا لدرجة أنها لا تستطيع تقديم أي شيء لإيران. بل على العكس، لا تزال قادرة على تقديم الدعم في المجالات التي تحتاجها طهران بشدة"، بحسب خبراء في الشأن العسكري.

الوضع معقد

لم تتوان روسيا عن دعم النظام السياسي الإيراني خلال فترات الاضطرابات الداخلية بسبب ما تمتلكه من خبرات في السيطرة على المعلومات واختراق صفوف المعارضة وتحجيم قواها. فقد استفاد الإيرانيون كثيراً من تجربة روسيا، بدءاً من "الثورات الملونة" والاحتجاجات الروسية في العقد الثاني من الألفية، لا سيما في ما يتعلق بأساليب السيطرة.

خلال الموجة الأخيرة من الاحتجاجات، نفذت السلطات الإيرانية عمليات قطع للإنترنت أكثر استهدافاً، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات المحلية الحيوية، وهو أمر كانت تواجه صعوبة في تحقيقه سابقاً. وتشير بعض الدلائل إلى وجود دعم من روسيا أو الصين. كذلك توجد اتفاقات بين أجهزة الاستخبارات الروسية والإيرانية، تعود إلى عام 2014، وقد جرى توسيع نطاقها بمرور الوقت. ويتضمن ميثاق التعاون في مجال الأمن السيبراني بين روسيا وإيران لعام 2021 بنوداً للدعم وتبادل البيانات.

وأفادت تقارير أميركية أن روسيا شاركت إيران معلوماتٍ مستقاة من الأقمار الاصطناعية حول أهداف عسكرية محتملة. لكن جرى تقديم جزء كبير من الدعم الروسي لإيران تحت ستار "الإنكار المعقول". ونفت روسيا الاتهامات الموجهة إليها بتقديم دعم عبر الأقمار الاصطناعية أو ببساطة اعتبرته غير رسمي وجرى عبر شركات تسعى لتحقيق مكاسب مالية، وقالت إنه لا يختلف عن المساعدات الاستخباراتية التي تقدمها الولايات المتحدة لأوكرانيا.

روسيا غير مستعدة للإعلان صراحة عن تورطها في هذا الصراع، وهو أمر منطقي تماماً بالنظر إلى علاقاتها مع دول الخليج العربي، من جهة، وتعويلها من جهة أخرى على استعادة العلاقات الطبيعية مع الولايات المتحدة والاستناد إلى وساطتها في إقناع أوكرانيا والدول الأوروبية الأطلسية بتقديم تنازلات لها في أي تسوية للأزمة الأوكرانية، وتقديم ضمانات بعدم ضم كييف لحلف شمال الأطلسي (الناتو).

لا يعد الخبراء موقف روسيا سلبياً، بل هي تدعم إيران بطريقة تُبقي لها خيار عدم الاعتراف بأي شيء. فتقديم صور الأقمار الاصطناعية وتبادل البيانات والتقنيات الصاروخية لا يُعدان إمداداً مباشراً بالأسلحة، ولا نشراً مباشراً لقوات روسية. وبدلاً من ذلك، تعمل روسيا تدريجياً على تعزيز قدرات إيران، لا سيما في مجالات مثل الصواريخ الفرط صوتية واستطلاع الفضاء، حيث تعاني إيران ثغرات كبيرة. لكن موسكو ليست مستعدة للدخول في صراع ضمن تحالف عسكري مع إيران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

"المصائب تجمع"

أمر واحد واضح تماماً: يصعب رفع العقوبات بعد فرضها، لا سيما من قبل الولايات المتحدة. وقد استُثنيت روسيا، على سبيل المثال، في قطاع النفط، بسبب الحرب مع إيران، لكن نظام العقوبات لا يزال سارياً بصورة عامة. وقد خضعت إيران لعقوبات أوسع نطاقاً من تلك المفروضة على روسيا، وفي المجمل، يمر البلدان حالياً بوضعٍ مماثل.

وجدت كل من روسيا وإيران نفسيهما تحت نير العقوبات الغربية. لكنهما وجدتا أيضاً سبلاً جديدة للتعاون. فقد توسع تعاونهما في مجال التملص من العقوبات بطريقة ملحوظة، وأصبح هذا جزءاً مهماً من علاقتهما. وقد استفادت روسيا، على وجه الخصوص، كثيراً من إيران، التي تمتلك سنوات من الخبرة في العمل في ظل العقوبات والتحايل عليها.

مطلع العام الماضي وقع الرئيسان الروسي والإيراني اتفاقية شراكة استراتيجية شاملة لمدة 20 عاماً، تنص على تعزيز التعاون في مجالات الأمن والطاقة ومواجهة العقوبات، وتدين موسكو بانتظام العقوبات والحظر الأميركي الأحادي الجانب ضد إيران، بينما تدعم اندماج طهران في هياكل مثل مجموعة "البريكس" ومنظمة "شنغهاي" للتعاون، وتعلن القيادة الروسية عن نيتها مواصلة تطوير علاقات الشراكة مع إيران، مؤكدة أنه لا ينبغي للولايات المتحدة احتكار العلاقات الدولية. وتقوم الدولتان بتنفيذ مشاريع مشتركة في قطاعات النفط والغاز والطاقة النووية في مفاعل بوشهر، كذلك تعملان على تطوير ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب لتقليل الاعتماد على طرق الخدمات اللوجستية الغربية. ويناقش الطرفان دمج أنظمة الدفع الوطنية واستخدام مخططات المقايضة لتقليل تأثير القيود المالية.

يؤكد الخبراء أن اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة مع إيران، لا تلزم روسيا بالاندماج في صراع عسكري مباشر إلى جانب طهران، لذلك فإن طبيعة الدعم تتحدد من خلال توازن براغماتي بين مصالح موسكو في المنطقة وأولوياتها الخاصة.

المزيد من تقارير