ملخص
لم يعد السفر داخل السودان خلال الحرب مجرد شراء تذكرة والجلوس في حافلة، بل تغيرت العملية بالكامل. فالمسافر الذي يريد الانتقال من منطقة إلى أخرى بات يحتاج إلى معرفة الطرق المفتوحة، ونقاط التفتيش، والمناطق التي تغيرت السيطرة عليها، وأسعار النقل، وأماكن المبيت، وأحياناً إلى شخص ينسق له الرحلة من بدايتها حتى نهايتها.
لم تكتفِ الحرب المندلعة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 40 شهراً بتغيير أماكن الناس وطرق معيشتهم، بل أعادت تشكيل تفاصيل حياتهم اليومية. ومع تعطل المصارف والمؤسسات وقطع الطرق وتعقّد السفر، ظهرت الحاجة إلى وسطاء للتحويلات والسفر والوثائق، وسائقين يتولون الرحلات الطويلة بين المدن ومناطق النزوح والحدود، فتحولت بعض هذه الأدوار من حلول موقتة إلى مصادر دخل جديدة.
سوق التحويلات
قبل الحرب، كان تحويل المال بين المدن أو الولايات اعتيادياً تنجزه المصارف أو شركات التحويلات خلال وقت معلوم. لكن مع اندلاع القتال وتعطل المصارف وانقطاع الطرق وشبكات الاتصال في مناطق واسعة، أصبح الوصول إلى المال نفسه رحلة محفوفة بالأخطار.
بسبب هذا الفراغ، ظهر وسطاء يتولون مهمة نقل الأموال بين الأشخاص والمناطق، مستفيدين من شبكات شخصية وتجارية تمتد بين المدن ودول الجوار، إذ لم تعد مهمتهم مجرد تسليم مبلغ من شخص إلى آخر، بل البحث عن طريق آمن، ومطابقة هوية المرسل والمستلم، وتحمل أخطاراً نقل الأموال في بيئة أمنية مضطربة.
يقول الباحث الاقتصادي هاشم محمد، إن "الحرب خلقت اقتصاداً موازياً للخدمات المالية، نتيجة تعطل جزء من النظام المصرفي الرسمي وصعوبة الحركة بين المناطق". مضيفاً أن "توسع دور الوسطاء لا يمكن فهمه باعتباره مجرد نشاط تجاري جديد، وإنما بوصفه استجابة مباشرة لانهيار البنية التقليدية للتحويلات، فالحاجة إلى السيولة والوصول إلى الأموال تخلق عادة أسواقاً بديلة عندما تعجز المؤسسات الرسمية عن أداء وظائفها".
وتابع أن "السوق الجديدة تحمل أخطاراً، من بينها ارتفاع كلفة التحويل، وصعوبة التحقق من الأطراف، واحتمال تعرض المتعاملين للاحتيال، إضافة إلى غياب الضمانات التي توفرها المؤسسات المالية الرسمية، كما تحولت قدرة شخص ما على الوصول إلى مدينة أخرى أو دولة مجاورة، وامتلاكه شبكة من العلاقات، إلى مهارة يمكن أن تتحول إلى مصدر دخل".
سماسرة السفر
لم يعد السفر داخل السودان خلال الحرب مجرد شراء تذكرة والجلوس في حافلة، بل تغيرت العملية بالكامل. فالمسافر الذي يريد الانتقال من منطقة إلى أخرى بات يحتاج إلى معرفة الطرق المفتوحة، ونقاط التفتيش، والمناطق التي تغيرت السيطرة عليها، وأسعار النقل، وأماكن المبيت، وأحياناً إلى شخص ينسق له الرحلة من بدايتها حتى نهايتها.
يقول الباحث في شؤون النزوح والهجرة يوسف نادر، إن "الحرب غيّرت مفهوم السفر داخل السودان، إذ لم يعد عامل المسافة وحده هو الذي يحدد كلفة الرحلة، وإنما درجة الأخطار وعدد نقاط العبور والطرق البديلة". لافتاً إلى أن "ظهور هذه المهنة يعكس انتقال المجتمع من نظام نقل تقليدي إلى شبكة أكثر تعقيداً، تعتمد على المعلومات بقدر اعتمادها على المركبات".
وأردف أن "من يعرف الطريق أصبح يمتلك قيمة اقتصادية. ومن يعرف متى يمكن المرور وأي طريق أكثر أماناً وأين يمكن للمسافر أن يجد سيارة أو مكاناً للمبيت، أصبح قادراً على تحويل هذه المعرفة إلى خدمة مدفوعة".
ويرى نادر أن "هذه المهنة تقع أيضاً في منطقة رمادية، فغياب التنظيم يجعل من الصعب التمييز بين الوسيط الذي يقدم خدمة حقيقية، ومن يستغل حاجة المسافرين، خصوصاً في الرحلات التي يضطر أصحابها إلى دفع مبالغ مرتفعة تحت ضغط الخوف والحاجة. ومع استمرار النزوح، لم تعد الوساطة في السفر نشاطاً عابراً، بل باتت جزءاً من اقتصاد الحركة الذي تشكل حول الحرب".
ميسرو إجراءات
لم تعطل الحرب الطرق والبنوك فقط، بل جعلت الحصول على الأوراق الرسمية نفسها أكثر صعوبة، إذ باتت شهادات الميلاد وبطاقات الهوية والجوازات والشهادات الدراسية والمستندات المتعلقة بالملكية أو الحالة الاجتماعية وغيرها من الوثائق، بالنسبة إلى النازحين والمهاجرين أكثر أهمية، وفي الوقت ذاته أكثر صعوبة في الاستخراج.
فإغلاق المؤسسات، وانتقالها من مدينة إلى أخرى، وفقدان الملفات، وصعوبة الوصول إلى السجلات، أو وجود صاحب المعاملة في مكان بعيد من المؤسسة المختصة، كلها عوامل فتحت المجال أمام أشخاص يقدمون أنفسهم بوصفهم وسطاء أو ميسرين للإجراءات، إذ يقوم هؤلاء بمتابعة المعاملة نيابة عن صاحبها، أو إرشاده إلى الجهة التي يمكن أن يبدأ منها، وأحياناً ترتيب إجراءات متعددة في مدن مختلفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يقول الباحث القانوني جمعة عيسى، إن "الحاجة إلى الوساطة تزداد عندما تتراجع قدرة المؤسسات على تقديم الخدمة بصورة مباشرة، لكن الخطورة تكمن في غياب معايير واضحة تحدد من يملك حق تقديم هذه الخدمة".
وزاد أن "المواطن الذي فقد منزله أو نزح إلى مدينة أخرى قد لا يعرف أين توجد المؤسسة التي يحتفظ فيها بسجله، أو ما الأوراق المطلوبة، أو كيفية متابعة معاملة بدأت قبل الحرب، وبذلك تتحول المعرفة بالإجراءات إلى سلعة".
وواصل عيسى "الشخص الذي يعرف الموظف المختص، أو المؤسسة البديلة، أو الخطوات المطلوبة، يمكنه بيع هذه المعرفة لمن لا يملكها. لكن سوق الوثائق هي الأكثر حساسية بين المهن الجديدة، لأن الحاجة إلى وثيقة رسمية قد تدفع بعض الأشخاص إلى التعامل مع جهات غير موثوقة، خصوصاً عندما تكون الوثيقة مرتبطة بالسفر أو التعليم أو العمل أو إثبات الهوية".
ومضى في القول "لذلك، لا تعكس هذه المهنة فقط قدرة السودانيين على ابتكار حلول في ظروف الحرب، وإنما تكشف أيضاً حجم الفجوة التي تركها تعطل المؤسسات الرسمية".
أخطار أمنية
قبل الحرب، كانت الرحلات الطويلة بين المدن جزءاً من حركة النقل المعتادة، يتولاها سائقون يعملون ضمن شركات أو خطوط معروفة. لكن الحرب غيّرت طبيعة هذه الرحلات.
يقول سائق عربة خاصة يقوم بنقل المسافرين وتهريبهم يدعى أحمد "ظهرت الحاجة إلى سائقين مستعدين للذهاب إلى مسافات أبعد، وسلك طرق بديلة، ونقل الأسر والأفراد بين مناطق النزوح، وأحياناً مواصلة الرحلة إلى الحدود أو نقاط التجمع التي ينطلق منها المسافرون إلى دول الجوار".
ويستطرد أحمد "لم نعد نبيع مقعداً في مركبة فقط، بل نبيع القدرة على الوصول. وارتفاع الطلب على الرحلات الطويلة مرتبط مباشرة باتساع رقعة النزوح وتقطع شبكات النقل التقليدية". مبيناً أن "السائقين أنفسهم أصبحوا جزءاً من منظومة معلومات غير رسمية، لأنهم الأكثر احتكاكاً بالطرق وأحوالها، ويعرفون التغيرات التي قد لا تصل إلى المسافرين عبر القنوات الرسمية".
ويستدرك السائق "لكن العمل في هذه الظروف يحمّلنا كسائقين أخطاراً إضافية، وساعات قيادة طويلة، وارتفاع أسعار الوقود وقطع الغيار، وتدهور الطرق، والأخطار الأمنية، واحتمال تعطل المركبة في مناطق بعيدة، وفي المقابل، يتحمل المسافر كلفة هذه الأخطار عبر ارتفاع أجرة الرحلة".
حلول موقتة
من جانبه، أوضح الباحث الاقتصادي السر سليمان، أن "هذه المهن لا تعني بالضرورة أن أصحابها استغلوا الحرب، فكثير منهم كانوا يحاولون تأمين دخل في اقتصاد فقد وظائفه التقليدية. لكنها في الوقت ذاته تكشف كيف يمكن للصراع أن يعيد توزيع القيمة الاقتصادية داخل المجتمع، فالمهارة لم تعد مرتبطة فقط بشهادة جامعية أو وظيفة رسمية. إذ أصبحت قيمة العامل في قدرته على الوصول والمعرفة والحركة وامتلاك شبكة العلاقات".
وتابع سليمان أن "استمرار هذه الأنشطة لفترة طويلة قد يؤدي إلى تحول بعضها من حلول موقتة إلى قطاعات اقتصادية قائمة بذاتها، خصوصاً إذا استمرت صعوبة الوصول إلى الخدمات الرسمية. لكن السؤال الأهم يبقى: ماذا يحدث لهذه المهن عندما تنتهي الحرب؟".
وأردف "قد يختفي بعض هذه المهن بمجرد عودة المصارف والمؤسسات والطرق إلى العمل الطبيعي. وقد يستمر بعضها الآخر بعدما اكتسب أصحابها خبرة وشبكات وعملاء خلال سنوات الحرب. في النهاية، لم تخلق الحرب الخراب فقط، بل خلقت أيضاً اقتصاداً جديداً اضطر السودانيون إلى ابتكاره يوماً بعد يوم، اقتصاداً يعمل بين المدن والحدود، بين الوثيقة والطريق، وبين الحاجة والقدرة على توفير الحل".
واختتم الباحث الاقتصادي قائلاً "بينما يسعى الناس إلى العودة إلى حياة طبيعية، ستبقى هذه المهن شاهداً على الطريقة التي أعاد بها الصراع تشكيل سوق العمل، وعلى قدرة المجتمع على ابتكار وسائل للبقاء في الفراغات التي تركتها الحرب".