Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

النحاتة المصرية الراحلة رعاية الله حلمي تعود إلى الضوء

معرض استعادي يكشف عن مسارها الفني وتاريخ المشاركة النسائية في الأربعينيات

من لوحات المعرض الاستعادي  (خدمة المعرض) 

ملخص

يلقي معرض تشكيلي تشهده قاعة حامد ندا - غاليري ضي (ضاحية الزمالك، القاهرة) الضوء على تجربة النحاتة المصرية الرائدة رعاية الله حلمي (1923 – 2014)، التي توقفت مسيرتها الفنية نهاية الخمسينيات، على رغم تميز إنتاجها كنحاتة وفنانة تنتمي إلى طليعة خريجات كلية التربية الفنية في القاهرة.

يشير مؤرخو الفن في مصر إلى أن تأسيس مدرسة الفنون الجميلة في مصر عام 1908 مثَّل فرصة لإحداث حراك اجتماعي، أفاد شباب الفنانين الذين جاءوا من الطبقة الوسطى التي نمت بعد ثورة 1919.

غير أن ممارسة السيدات هذا الفن، ظلت استثنائية حتى جاءت أربعينيات القرن الماضي، ونجحت بعض الفنانات في فتح مسارات رائدة، وبالذات في فن التصوير، الذي عرف رائدات مثل تحية حليم وإنجي أفلاطون وجاذبية سري، في حين ظل النحت يعاني ندرة لافتة في أسماء الممارسات لهذا الفن.

 

مسيرة لم تكتمل

يكتسب المعرض، الذي يحمل اسم "رعاية الله حلمي... فنانة توقفت في منتصف الطريق" أهمية بالغة، إذ يكشف عن أعمال فنانة رائدة، ظل إنتاجها غير معروف بالقدر الذي يلائم القيمة الفنية والتاريخية لأعمالها، ذلك على رغم أنها كانت زوجة لأحد أبرز نقاد الفن التشكيلي، وهو الراحل بدر الدين أبو غازي، الذي تولى وزارة الثقافة أوائل سبعينيات القرن الماضي. كما أنها والدة المؤرخ وأستاذ الوثائق في جامعة القاهرة عماد أبو غازي، الذي تولى أيضاً وزارة الثقافة في أعقاب الاحتجاجات الشعبية التي أسقطت نظام الرئيس حسني مبارك عام 2011.

عاشت حلمي مسيرة حافلة، وكانت من بين خريجات الدفعات الأولى من معهد الفنون الجميلة للفتيات، الذي أصبح في ما بعد كلية التربية الفنية التابعة لجامعة العاصمة حالياً (حلوان سابقاً). وشجعها والدها، محمد حلمي أحمد حلمي، الموظف في الإدارة القانونية بوزارة المعارف، على دراسة الفن بعدما لاحظ استعدادها الفطري في التصوير والنحت، تعبيراً عن إيمانه بضرورة مساهمة الشباب في حركة التغيير التي عرفتها مصر في ثلاثينيات القرن الماضي، وحرصاً على أن تستكمل بناته المسار التعليمي، تعبيراً عن استنارته التي جعلته خارج الثقافة السائدة.

ووفقاً لما كتبه عماد أبو غازي في الكتالوغ المصاحب للمعرض: "اختارت رعاية الله حلمي دراسة الفنون، ولحقت بها شقيقتها الأصغر منها مباشرة، الفنانة منحة حلمي".

بعد تخرجها أمضت الجزء الأكبر من حياتها الوظيفية معلمة للفن في المدرسة السنية للبنات، وهي أول مدرسة أقامها محمد علي باشا لتعليم الفتيات في مصر. واستمرت الفنانة في سلك التعليم إلى أن استقالت من عملها عام 1979، عقب مصرع ابنها الأكبر في حادثة سيارة.

تماثيل وألوان

يكشف المعرض عن خبيئة من الأعمال غير المعروفة التي أنجزتها الفنانة خلال مسيرتها الفنية القصيرة، وتشمل نحو 39 عملاً متنوعاً، إضافة إلى بورتريه للفنانة أنجزته حفيدتها مريم عماد أبو غازي في طفولتها، وهي الآن تعد لنيل درجة الدكتوراه من ألمانيا. وتوجد لوحة بعنوان "عروسة المولد" قامت رعاية الله حلمي بتصميمها وتركت لأحفادها مهمة تلوينها.

ظهرت الأعمال الفنية داخل المعرض في حال أصلية وبأحجام مختلفة، إلى جانب ستة أعمال نحتية، من بينها ثلاثة أعمال أُعيد صبها في قوالب الجبس. في حين وجدت ثلاثة تماثيل أصلية كانت بحوزة الأسرة. وتعرض تماثيل ظلت قيد الدراسة والإعداد، إما تجسد بعض أصدقاء العائلة أو تنسخ نماذج من النحت الإغريقي.

يشمل المعرض أيضاً تخطيطات من اسكتشات قيد الدراسة حُبرت، وبعض الاسكتشات لُونت بالألوان المائية، وتعرض لوحة تصور الموديل العاري، وهو تقليد فني في دراسة الفنون الجميلة، لكنه توقف في مصر عام 1976 بعد صعود حركات الإسلام السياسي التي أصدرت فتاوى بتحريم استعماله.

تسيطر على موضوعات لوحات التصوير الزيتي الرغبة في رسم المناظر الطبيعية داخل مدن مصر الساحرة، بداية من أسوان (جنوب مصر)، وحتى رأس البر حيث يلتقي نهر النيل مع البحر المتوسط. وتصور بعض الأعمال مشاهد من حي الروضة وبعض الأحياء الشعبية، وتوجد بعض اللوحات منفذة بالألوان المائية.

وهناك مجموعة متميزة تنتمي إلى فن البورتريه الشخصي، فضلاً عن بعض الأعمال النحتية البالغة التميز، وغالبها مُنفذ بحجر الجبس. ويشير أبو غازي إلى أن الأسرة تمتلك صوراً لبعض التماثيل التي نفذتها الراحلة خلال أعوام الدراسة بمعهد الفتيات.

 

 سر التوقف

ينفي أبو غازي، نجل الفنانة الراحلة، أن يكون توقفها عن ممارسة الفن التشكيلي جاء رد فعل لزواجها من والده بدر الدين أبو غازي في صيف عام 1955، وكان اسمه قد برز كأحد أهم نقاد الفن التشكيلي بعد صدور كتابه "محمود مختار... حياته وفنه" عام 1948.

ويقول: "لم يأت اعتزالها خوفاً من شبهة تعارض المصالح كما يعتقد بعضٌ، وإنما جاء استجابة لشعور ملأها بأنها لن تستطيع الجمع بين تربية أولادها والعمل في التدريس وممارسة الفن، ولأنها عشقت التدريس وشعرت بمسؤولية تجاه تلميذاتها وتكوينهن".

ويضيف "اختارت التنازل عن الفن الذي تميزت فيه، لكنها في أعوامها الأخيرة، عادت مرة أخرى إلى التصوير بإلحاح من ابنتها، أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة نادية أبو غازي، ومن أحفادها الذين كانوا يأتون لها بالألوان والخامات لحثها على العودة من جديد".

عادت الفنانة مرة أخرى إلى التصوير والزخرفة، وظهر أن موهبتها ما زالت حية ونابضة، واهتمت بإعادة صب ما تبقى من أعمالها النحتية للحفاظ عليها للأبناء والأحفاد.

 

وإضافة إلى اللوحات النادرة، يضم المعرض مجموعة من الأرشيفات الصحافية والوثائق الشخصية، شديدة الصلة بالمسار العائلي والفني لرعاية الله حلمي. وتكشف بعض المواد الأرشيفية عن أحداث ووقائع بالغة الأهمية في تاريخ حركة تعليم الفنون الجميلة في مصر. فمع إنشاء معاهد الفنون في مصر وامتداد إشراف وزارة المعارف عليها، تزايد تقبل الأسر المصرية لفكرة إلحاق بناتها بتلك المعاهد في ثلاثينيات القرن الماضي. وكان لاقتران الفن التشكيلي بالثورة الوطنية (ثورة 1919)، من خلال تمثال نهضة مصر للفنان الرائد محمود مختار وحركة الاكتتاب الشعبي من أجل إقامته، أثر أيضاً في تغير نظرة المجتمع للفن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من بين أهم الوثائق التي تُعرض وثيقة تعهد موقعة من الفنانة رعاية الله حلمي وولي أمرها (والدها) بعدم ممارسة أي نشاط سياسي خلال فترة دراستها في معهد الفنون للفتيات.

ويرى أبو غازي "أن وجود هذه الوثيقة في أرشيف العائلة يعني أنها لم تسلم إلى إدارة المعهد، الذي تأسس في البداية كمعهد للمعلمات، وفيه قسم لمعلمات الفنون، ثم مع بداية الأربعينيات تأسس معهد الفنون الجميلة للفتيات. وكانت الدراسة فيه ثلاثة أعوام بعد التوجيهية، تحصل الطالبة بعدها على دبلوم الفنون الجميلة. ومن ترغب في التخصص في تدريس الرسم تستمر لعام رابع. أما من يردن التخصص في التصوير أو النحت، فكان عليهن أن يمكثن في الدراسة لعامين إضافيين. وقد اختارت رعاية حلمي التخصص في النحت وليس في قسم التصوير".

يشمل المعرض أيضاً قصاصات ورقية من الصحف والمجلات، من بينها مادة صحافية تضمنت استطلاعاً حول معهد الفتيات، وصورة نادرة تظهر فيها رعاية الله حلمي وهي تصب أحد التماثيل.

وتوجد مجلة مدرسية أعدتها طالبات مدرسة السنية للبنات، وقت أن كانت حلمي تعمل بالتدريس فيها، وتتضمن المجلة مقالة موقعة حول دوافع دراستها للفنون. وتوجد بعض الصور الفوتوغرافية للفنانة مع أفراد عائلتها وبعض الشخصيات العامة، وأبرزهم الكاتب الصحافي البارز أحمد بهاء الدين (1927 – 1996)، ورائد فن التصوير الحديث في مصر الفنان محمود سعيد، ومعها صورة أخرى لبورتريه غير مكتمل كانت ترسمه لزوجها بدر الدين أبو غازي.

يستمر المعرض حتى الـ14 من سبتمبر (أيلول) الجاري.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة