ملخص
520 ألف عامل عابرون للحدود يومياً يحولون أجوراً شهرية تفوق متوسط الأجور في فرنسا بنسبة تراوح ما بين 65 و92 في المئة.
يعبر 520 ألف فرنسي الحدود يومياً للعمل في دول مجاورة، وبالتحديد سويسرا ولوكسمبورغ وألمانيا وبلجيكا وموناكو، ويصل الفارق في الدخل لدى هؤلاء مع العاملين في سوق العمل الفرنسية إلى ثلاثة أضعاف، وهو ما يعكس التفاوت في الأجور بين بعض البلدان الأوروبية ونظيرتها في فرنسا.
ويبلغ الحد الأدنى الشهري للأجور في جنيف عام 2026 نحو 4697 يورو (5448 دولاراً)، في مقابل عمل لمدة 42 ساعة أسبوعياً، مما يبرز جاذبية سوق العمل هناك. وتدر أجور الفرنسيين العاملين في دول الجوار عوائد تعادل ضعف ما تدره السياحة، وتمثل أحد أهم روافد التدفقات المالية التي يتم ضخها مباشرة في فرنسا.
وعلى عكس السياح الأجانب الذين يقضون وقتاً محدوداً في فرنسا، يقيم العمال الفرنسيون العابرون للحدود فيها على مدار العام، وينفقون الجزء الأكبر من أجورهم المرتفعة داخل البلاد على السكن والاستهلاك والخدمات، مما يعزز بقوة الأنشطة التجارية والنسيج الاقتصادي في كامل فرنسا، والمناطق الحدودية على وجه الخصوص.
ويفوق صافي دخل العمال العابرين للحدود بوضوح صافي إيرادات السياحة، على رغم أن إجمال المبالغ الناتجة من السياحة يظل أعلى من حيث القيمة المطلقة، إذ يحقق قطاع السياحة إيرادات كبيرة، لكنه ينطوي أيضاً على نفقات ضخمة. وتعد فرنسا واحدة من الوجهات السياحية الرائدة عالمياً، وتدر عليها السياحة الوافدة أكثر من 60 مليار يورو (69.6 مليار دولار) سنوياً.
ومع ذلك، ينفق الفرنسيون مبالغ طائلة عند سفرهم إلى الخارج تتجاوز 40 مليار يورو (46.4 مليار دولار)، مما يجعل المكسب الفعلي، أو صافي الرصيد، في حدود 20 مليار يورو (23.2 مليار دولار)، في المتوسط.
أما في ما يتعلق بالعاملين عبر الحدود، فالأمر يمثل تدفقاً أحادي الاتجاه، إذ يعود العاملون الفرنسيون الذين يعملون في سويسرا ولوكسمبورغ وألمانيا وبلجيكا بأكثر من 27 مليار يورو (31.3 مليار دولار)، أجوراً إلى فرنسا.
وفي المقابل، فإن أعداداً قليلة جداً من الأجانب غير المقيمين يأتون للعمل في فرنسا وتقاضي أجور فيها، إذ لا تتجاوز المبالغ المدفوعة للعمال الوافدين ما بين ملياري يورو (2.32 مليار دولار)، و3 مليارات يور (3.48 مليار دولار)، وبذلك يقترب صافي الربح لفرنسا من 25 مليار يورو (29 مليار دولار).
وفي عام 2024، ووفقاً لبنك فرنسا، بلغ صافي دخل العمال العابرين للحدود 33.5 مليار يورو (38.8 مليار دولار)، مقارنة بـ31.3 مليار يورو (36.3 مليار دولار)، في عام 2023.
وفي العام نفسه، حققت السياحة الخارجية إيرادات إجمالية لفرنسا بلغت 71 مليار يورو (82.3 مليار دولار)، غير أن الفرنسيين أنفقوا أموالاً في الخارج أيضاً، وبعد خصم هذه النفقات، لم يتجاوز صافي رصيد السياحة، وبالتحديد بند "السفر"، ما يزيد قليلاً على 15 مليار يورو (17.4 مليار دولار)، وفق المتخصص جمال بن جميع، الذي عبر في المقابل عن تحفظه، معتبراً أن الموارد المذكورة تمثل رصيداً صافياً للتبادل مع الخارج، أو المساهمة الصافية في ميزان المدفوعات، بدلاً من المداخيل من القطاع السياحي، بحكم التركيز على صافي الفارق بين نفقات السياح الفرنسيين في مقابل الوافدين، وهو الأمر الذي يختلف عن أرباح القطاع السياحي، بحسب تقديره.
إيرادات قياسية للاستهلاك
يعد الانعكاس الإجمالي للعمال العابرين للحدود على الاقتصاد الفرنسي كبيراً ومتناقضاً في آن واحد، إذ يمثل هؤلاء محركاً قوياً للاستهلاك المحلي، لكنهم يهددون استقرار الشركات والخدمات العامة في فرنسا.
ويحول أكثر من 520 ألف عامل عابر للحدود أجوراً شهرية تفوق بوضوح متوسط الأجور في فرنسا بنسبة تراوح ما بين 65 و92 في المئة. وينفق جزء كبير من هذه الأموال داخل فرنسا على السكن والغذاء والترفيه والخدمات المحلية، مما ينعش الحركة التجارية في المناطق الحدودية بصورة خاصة.
وفي حين تحصل ضريبة الدخل غالباً في الخارج، تجني الدولة الفرنسية عوائد ضريبية غير مباشرة هائلة من خلال ضريبة القيمة المضافة البالغة 20 في المئة، والمفروضة على الغالبية العظمى من النفقات الاستهلاكية لهذه الأسر ذات القدرة الشرائية العالية، فضلاً عن الضرائب العقارية والرسوم المحلية.
غير أن هذه الديناميكية تولد توترات محلية حادة، يثيرها أيضاً السكان والبلديات في المناطق الحدودية، وتتمثل في الارتفاع الهائل في كلفة المعيشة، إذ تؤدي الأجور المدفوعة بالعملات الأجنبية إلى قفزة كبيرة في أسعار العقارات، مما يهمش العمال المحليين.
تحدي الضرائب والرسوم الإضافية
تسعى الحكومة الفرنسية إلى فرض ضرائب على هذه الثروة بهدف تحقيق التوازن في حساباتها العامة، وفي هذا السياق تأتي "المساهمة التفاضلية على الدخل المرتفع"، وهي ضريبة أدرجت أخيراً في التشريع الضريبي الفرنسي، وتستهدف بصورة مباشرة أصحاب الدخل المرتفع للغاية.
وتطبق هذه الضريبة الآن على العاملين عبر الحدود الذين يتجاوز "الدخل الضريبي المرجعي" الخاص بهم عتبات محددة، حتى وإن كانت دخولهم قد خضعت بالفعل للضريبة من المنبع في بلد العمل.
ويخلق تفاوت الأجور منافسة يعتبرها أصحاب المؤسسات المحلية غير عادلة، إذ تفتقر الشركات الصغرى والمتوسطة والمؤسسات الصناعية والتجارية الواقعة في الجانب الفرنسي إلى الموارد المالية اللازمة لمواءمة جداول الأجور لديها.
وتواجه هذه الشركات صعوبات مزمنة في التوظيف، إذ تفضل اليد العاملة المؤهلة دائماً عبور الحدود، وللحفاظ على موظفيها، تجد بعض الشركات الفرنسية والبلجيكية نفسها مضطرة إلى تقديم مكافآت أو ترتيبات خاصة، وذلك للحد من ظاهرة هجرة الكفاءات.
ويحدث تدفق الأموال تحولاً جذرياً في سوق العقارات بالمناطق الحدودية، إذ يؤدي ارتفاع القدرة الشرائية للعاملين عبر الحدود إلى دفع أسعار العقارات والإيجارات نحو الصعود، مما يتسبب في استبعاد السكان غير العاملين عبر الحدود، فالموظفون الذين يعملون في فرنسا لم يعودوا قادرين على السكن بالقرب من أماكن عملهم، ويدفعون إلى السكن في ضواح نائية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتضطر الدولة إلى القيام باستثمارات عمومية بمليارات اليوروهات في البنية التحتية للنقل، إذ تؤدي التنقلات اليومية بين محل السكن ومكان العمل إلى حال من الاكتظاظ في شبكات الطرق والسكك الحديدية الفرنسية.
ويتعين على الدولة والسلطات المحلية الفرنسية تمويل مشاريع بنية تحتية ضخمة لاستيعاب هذه التدفقات، وذلك من دون أن يتم تعويض هذه الكلفة بالكامل من جانب الدول التي يعمل فيها هؤلاء الأفراد.
اختلال في التوازنات
في المقابل، يقوم نظام التأمين ضد البطالة الفرنسي بتعويض العمال العابرين للحدود الذين يفقدون وظائفهم، في حين أن اشتراكاتهم الاجتماعية كانت قد دفعت للدولة المجاورة، مما يؤدي إلى عجز متكرر وتوترات سياسية.
ووفقاً للمختص جان بيار روبن، فإن تأثير العمال العابرين للحدود على أنظمة الحماية الاجتماعية الفرنسية يكشف عن مفارقة عميقة. في حين تثري قدرتهم الشرائية المناطق الحدودية، يتسبب وضعهم في عجز كبير في صندوق التأمين ضد البطالة، ويؤدي إلى نقص حاد في الكوادر الطبية في المستشفيات المحلية.
وبموجب القواعد الأوروبية، يسدد العمال العابرون للحدود اشتراكاتهم في البلد الذي يعملون فيه، مثل سويسرا أو لوكسمبورغ. وفي المقابل، إذا فقدوا وظائفهم، فإن فرنسا، باعتبارها بلد الإقامة، هي التي تتولى دفع إعانات البطالة، وبحلول عام 2026، ستصل كلفة تعويضات البطالة المخصصة لهؤلاء العمال إلى نحو مليار يورو (1.16 مليار دولار)، سنوياً تتحملها فرنسا.
ولا تدفع الدول المجاورة سوى تعويض ضئيل يبلغ نحو 200 مليون يورو (232 مليون دولار)، مما يترك عجزاً سنوياً قدره 800 مليون يورو (928 مليون دولار)، على عاتق فرنسا.
وتترتب كلفة باهظة على موجات تسريح العمال، لا سيما في سويسرا ولوكسمبورغ، إذ يتقاضى العامل الحدودي الذي عمل في سويسرا، في المتوسط، 2670 يورو (3097 دولاراً) شهرياً كتعويضات بطالة في فرنسا، في مقابل 1265 يورو (1467 دولاراً) للعامل الخاضع للنظام العام الفرنسي.