صورة طرابلس الحضارية... الفن يجمعنا

خمسة أيام من الفرح كانت كافية للتعبير عن نمط الحياة الذي يحبه ويعيشه المواطنون

لم تنجح محاولات تلميع صورة المدينة والترويج لها سياحياً (رويترز)

خمسة أيام من الفرح كانت كافية للتعبير عن نمط الحياة الذي يحبه ويعيشه الطرابلسيون، وتحطيم أكداس من الصور النمطية التي راكمتها سنوات العزلة بين عاصمة شمال لبنان ومحيطها. وتحوّلت ساحة عبد الحميد كرامي إلى أيقونة نور تشع انتفاضة وأملاً في نجاح محاولة التغيير السلمي في البلد المتعدد طائفياً. وأعطت مشاركة الفنان مارسيل خليفة بُعداً وطنياً، كما حقق الدي جاي نجاحاً عظيماً من خلال تحفيز المتظاهرين للكشف عن نمط الحياة القائم على الفرح الذي يحبون عيشه، وشاركه في ذلك عدد كبير من العازفين الذين يحملون الطبول ويُقَرّعون فيها على الفاسدين.

المفاجأة الطرابلسية كانت غير متوقعة بنظر كثيرين، لأن هذه المدينة التي تعايش فيها المسيحيون واليهود والمسلمون منذ الفتح الإسلامي، تقرّر في ذروة الحرب الأهلية اللبنانية تحويلها إلى قلعة للمسلمين. وانعكس ذلك على ساحة عبد الحميد كرامي حيث تمّت إزالة تمثال رجل الاستقلال عبد الحميد كرامي في بداية الثمانينيات، وسحبه إلى زيتون أبي سمراء. أعقب ذلك إقامة تمثال لفظة الجلالة التي زيّلت بالآية الكريمة "الله نور السموات والأرض".

وجاءت مرحلة الوجود السوري وحكومات ما بعد الطائف لتكرس مقولة إن "عملية الإنماء في لبنان، تتوقف عند جسر المدفون في منطقة البترون شمال بيروت". وأدى ذلك إلى تهميش دور مدينة طرابلس كعاصمة ثانية للبنان. وفي أعقاب اغتيال الرئيس رفيق الحريري ومع تسعير الخطاب المذهبي، تحوّلت طرابلس خزاناً بشرياً يغذي ثورة14  آذار، ولصندوق رسائل بعد أحداث 7 أيار( مايو) 2008 من خلال الصدامات المسلحة بين جبل محسن وباب التبانة.

وفي هذه الأجواء المشحونة، تحوّلت ساحة النور إلى مكان للتعبير عن وجع الناس من ضعف الإنماء في أفقر مدن البحر المتوسط، وأحياناً إلى واحة للخطاب المذهبي المأزوم، كما استثمرت بعض الأحداث على غرار الحشد الذي أعقب توقيف المحكوم غيابياً بالأعمال الإرهابية شادي المولوي. وشهدت الساحة مزيداً من جهود الشيطنة على الصعيد الوطني، مع اعتصامات أهالي الموقوفين الإسلاميين للمطالبة بـ"العفو العام". وتحمّل الناشطة هدى الصباغ الإعلام مسؤولية جزء كبير من تشويه صورة طرابلس، لأن أمر اليوم كان يقتضي ترسيخ الصورة السلبية لدى جموع اللبنانيين، حيث كانت تأتي القنوات بـ"الدخلاء على المدينة" للحديث عنها واستبعاد أبنائها المبدعين. وتعود في الذاكرة لتشير إلى أن كثيراً من التحركات الإيجابية والصرخات الفنية التي حصلت في ساحة النور وطرابلس لم تحظَ بأي تغطية إعلامية.     

طرابلس ليست قندهار

أدت سلسلة التراكمات إلى بناء صورة "طرابلس قندهار" في المتخيّل الجماعي لأبناء لبنان. ولم تنجح محاولات تلميع صورة المدينة والترويج لها سياحياً على نطاق واسع. إلى أن جاءت "ثورة الشوكولا" كما تُحب أن تسميها هند الصوفي الأستاذة الجامعية، وتشير إلى أن ما أنتجته الانتفاضة الشعبية خلال أيام قليلة، لم تفلح جميع الحملات الإعلانية والنشاطات في تحسينها. وتستهجن الصوفي ما يُحكى من أن الاحتفالات الفنية تقلل من قيمة الحراك المطلبي، وتؤكد أن الفن بات وسيلة للثورة والتعبير في أنحاء العالم كافة، خصوصاً أنها لغة يفهمها الجميع.

 

ثورة كورال الفيحاء

أعطت مشاركة كورال الفيحاء بُعداً جديداً للتعبير عن الرأي بواسطة الغناء، وتقديم نموذج حضاري بعيداً عن مضايقة الآخرين. وأسبغ حضورهم مزيداً من الإيجابية على انتفاضة ساحة النور، والفرقة التي  حملت اسم "الفيحاء" إلى العالم حضرت بين أهلها في أكبر تجمع شعبي في تاريخ لبنان. ومن وجهة نظر باركيف تاسلاكيان قائد الكورال أن المكان الطبيعي لكورال الفيحاء هو الوجود بين الناس، لأنهم جزء من الوطن، وعلى عاتقهم الحفاظ على التراث الفني الوطني والعربي. كما أن أعضاء الكورال قبل أن يكونوا مغنين ومرنمين فإنهم موظفون يطمحون لتحسين أوضاعهم المعيشية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويكشف تاسلاكيان أن الكورال بفروعه الثلاثة، طرابلس وبيروت وبعقلين، يتألف من عناصر ينتمون إلى 17 طائفة، يعطون صورة حسنة عن كل طرابلس وكل لبنان. وهم بذلك يحاولون تقديم صورة حول إمكان التآلف والتكامل بين مختلف المكونات اللبنانية، وإعطاء قدوة للمواطن الصالح الذي يتكاتف مع إخوته في الوطن لمنع السلوكيات السلبية. وينطلق تاسلاكيان من تجربته الشخصية لدعوة اللبنانيين والسياح إلى طرابلس، فهو ابن عنجر ويعيش في طرابلس بسلام، واختبر طيبة أهلها وحسن تصرفهم وغناها التاريخي والثقافي الذي أكسبها لقب "مدينة العلم والعلماء".

الرسوم

لم يقتصر التعبير عن المواقف على حناجر صدحت، وشعارات رفعت، وغناء وموسيقى. بل تجاوزها إلى نشر الفرح ببودرة الألوان والحب. فقد تطوّع عدد كبير من الشبان والشابات لرسم العلم اللبناني على وجوه الجيل الجديد من المتظاهرين. وتلفت عفيفة كرم، معلمة متقاعدة من الميناء، إلى أنها ترسم العلم اللبناني على خدود الأطفال الذين لم يتعلموا رسمه في المدارس، وكل منهم يلتقط صورة له ليحتفظ بمكانة لبنان الأخضر والثورة الحمراء، وتحريك النفوس نحو تجميع الجهود الفردية.

وإلى جانب وجوه الأفراد، بدأ الفنان محمد الأبرش رسم جدارية كبيرة على مبنى قيد البناء في ساحة النور. ويشكل هذا الجهد استمرارية لعمل الأبرش في تجميل شوارع وأبنية مدينة طرابلس، وتكريس دور المبادرة الفردية في تحسين الواقع وتجميله بعيداً عن دعم الأحزاب والساسة.

في المحصلة، تمكنت الانتفاضة الشعبية من تحقيق مجموعة من الانتصارات، وربما يأتي في مقدمها تغيير صورة ساحة عبد الحميد كرامي وطرابلس، من ساحة للمطالب الفئوية إلى مكان للتعبير عن الوجع الذي يتقاسمه أبناء لبنان.

المزيد من العالم العربي