Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"صانع النجوم"... محنة السينما المصرية بعد 1952

جرجس شكري يعيد اكتشاف حلمي رفلة في "سيرة بلا مكياج"

حلمي رفلة صانع النجوم في مصر (من الكتاب)

ملخص

في كتابه "صانع النجوم: حلمي رفلة... سيرة سينمائية بلا مكياج"، يتتبع جرجس شكري مسيرة أحد رواد السينما المصرية، مستنداً إلى وثائق ورسائل وفيلموغرافيات تكشف عن جوانب مجهولة من حياته، وتضيء تحولات ما بعد ثورة 23 يوليو 1952، ومحنة رفلة مع التأميم.

يحمل كتاب "صانع النجوم" (دار آفاق)، للشاعر والناقد جرجس شكري، أهمية خاصة من جوانب عدة، أولها أنه أول كتاب يتناول حلمي رفلة (1909-1977)، أحد أبرز مؤسسي السينما المصرية، سواء في عمله "ماكيير" أو مخرجاً أو منتجاً أو كاتباً للسيناريو والحوار.

كان رفلة من رواد فن المكياج عربياً، فقد سافر إلى فرنسا عام 1930 لتعلم هذا الفن على أصوله، غير أن ظروفه المادية أجبرته على العودة قبل إكمال دراسته، ليعمل بعد ذلك مساعد "ماكيير"، ويكتسب خبرة عملية. وعمل بهذه الصفة في أول فيلم مصري ناطق، "أولاد الذوات"، عام 1932. سافر رفلة بعد ذلك في بعثة أخرى لدراسة هذا الفن، بمساعدة الاقتصادي الرائد طلعت حرب، وبتوصية من كوكب الشرق أم كلثوم، لكنه لم يكمل دراسته هذه المرة أيضاً، بسبب مرض والدته، الذي أجبره على العودة لمصر. وبلغت حصيلة أعماله "ماكيير" 47 فيلماً، إضافة إلى عدد من الأعمال المسرحية للفرقة القومية.

تكشف السيرة كذلك دور رفلة في اكتشاف مجموعة من النجوم، مثل شادية، التي التقط موهبتها مبكراً، وأخرج لها جملة من الأفلام. وقدمت شادية للسينما أكثر من 110 أفلام، جسدت خلالها عشرات الشخصيات المختلفة حد التناقض. وتكشف الرسائل المتبادلة بين رفلة والممثلين عن علاقته الوطيدة بهم، وثقتهم فيه، واعتباره "عمدة" قادراً على حل مشكلاتهم، ولا سيما الخلافات التي نشبت بين إسماعيل ياسين وتحية كاريوكا.

من "الفودفيل" إلى الميلودراما

لا يكتفي جرجس شكري بعرض سيرة حلمي رفلة الفنية، وإنما يقدم تحليلاً فنياً للأفلام التي أخرجها، ولمراحل تطورها، بدءاً من فيلم "العقل في إجازة" عام 1947، وهو فيلم مفقود حتى الآن، وصولاً إلى آخر أعماله "مكالمة بعد منتصف الليل"، الذي عرض عام 1978، ليصل عدد الأفلام التي أخرجها إلى 76 فيلماً.

في بدايات عمله في الإخراج، انحاز رفلة إلى الفيلم الغنائي الاستعراضي، الذي يغلب عليه الطابع المسرحي، وتشارك فيه مجموعة من المطربين. واعتمد الحوار الغنائي جزءاً أساساً من الحدث ومن البنية العميقة للفيلم، متأثراً بفن "الفودفيل"، الذي كان شائعاً في فرنسا أثناء دراسته فيها في ثلاثينيات القرن الماضي.

ويرصد شكري التحولات الفنية التي مرت بها أفلام رفلة. ففي الفترة من عام 1947 إلى عام 1952، تميز بأسلوب فني كانت فيه الكلمة العليا للغناء والموسيقى أكثر من الحوار. ولم تُؤدِّ بعض لوحاته الاستعراضية دوراً درامياً في بعض الأحيان، فيما تنوعت هذه الأفلام بين التعبيرية والواقعية والإنسانية، مع تركيز واضح على الطابع الإنساني.

وفي أفلامه التي أعقبت ثورة يوليو (تموز)، تراجع الديكور الخيالي، وأصبحت المشاهد الاستعراضية أكثر واقعية، واستمدت مفرداتها من الريف المصري. واستمرت هذه المرحلة حتى عام 1963، حين تحول مشروعه من الفيلم الغنائي والدراما الاجتماعية إلى الميلودراما، التي أصبحت لها الكلمة العليا.

يقدم شكري قراءة نقدية فاحصة لعينة من أفلام رفلة الفارقة، مثل "المليونير"، من قصة مأمون الشناوي، وحوار وأغانٍ لأبي السعود الإبياري، وسيناريو أنور وجدي، معتبراً إياه نموذجاً للفيلم الاستعراضي الغنائي، الذي جاءت بنيته أقرب إلى المشاهد المسرحية. فبعض مشاهده أقرب إلى "اسكتشات" كوميدية، مثل مشهد السكارى، الذي يغلب عليه الأداء الحركي المصاحب للغناء، والذي جاء في صورة حوار باهر وممتع، على حد وصف شكري.

قبضة حديدية

وتبرز السيرة دور رفلة منتجاً، إذ قدم للسينما المصرية 65 عملاً من إنتاجه مع شركته الخاصة، التي انتزعت منه في سياق إجراءات التأميم التي اتبعها نظام حكم جمال عبدالناصر، ويكشف شكري عن الاستيلاء على الأفلام التي أنتجها بثمن بخس، وهو ما أثبته رفلة في شكاواه المتكررة، مؤكداً أن البيع جرى في أجواء من التهديد بالتأميم وفرض الحراسة، إلى جانب اتهامات جائرة تعرض لها.

يقدم هذا الجزء من السيرة صورة واقعية لأجواء القمع والقبضة الأمنية الصارمة التي سادت بعد ثورة يوليو. ففي عام 1953، جرى توقيف رفلة لأنه كان يزور تحية كاريوكا في محبسها، على خلفية اتهامات سياسية، وفوجئ باتهامه بالشيوعية، على رغم أنه لم يعتنق طوال حياته مذهباً سياسياً، ولم تكن له أي اتصالات بجماعات سياسية.

ومع انتشار خبر اعتقاله، تجنب زملاؤه في الوسط الفني زيارته في محبسه، باستثناء مديحة يسري، التي يصف موقفها بالشجاعة والوفاء، قائلاً: "لقد استطاعت أن تسري عني بزيارة امتدت لساعات عدة، وأشعرتني أن التعاطف مع الإنسان أثناء تعرضه لمحنته دائماً ما يكون له أعمق الأثر في النفس". وانتهت هذه الحقبة بالاستيلاء على شركته الخاصة في أجواء من الإرهاب السياسي والأمني.

أسلوب سينمائي

عمد شكري إلى تقديم سيرة حلمي رفلة بأساليب مختلفة، فتارة يأخذ الكتاب طابع السيناريو، فيبدأ بفصل بعنوان "نهار خارجي: الموت في سيارة مسرعة"، يرسمه بأسلوب سينمائي مشهدي، راصداً لحظة وفاة رفلة في باريس، أثناء إعداده عملاً عن الفترة التي قضاها توفيق الحكيم في فرنسا.

أما الفصل الثاني، فيعنونه "ليل داخلي... خطاب الوداع ومرثية لم تكتمل"، وفيه يسرد مأساة حلمي رفلة الكبرى وإجباره على بيع شركته: "عقود أبرمت ورتبت معي في شكل قانوني، ولم يرسم على صفحاتها المسدس الذي كان مصوباً إلى صدري، أو الخنجر الذي كان في ظهري".

ثم تأخذ السيرة شكلاً سرديا مطعماً بالرسائل التي أرسلها رفلة إلى أصدقائه من الفنانين، والشكاوى التي وجد شكري أنها تشبه شكاوى الفلاح الفصيح التي لم تجد أذناً صاغية، إلى جانب المذكرات التي كتبها، واليوميات التي تكشف جوانب من حياته العملية والخاصة، وتتضمن السيرة جانباً نقدياً مقالياً، يقدم فيه شكري تحليلاً لأسلوب رفلة الفني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ولا يغفل شكري، في أثناء ذلك كله، العودة للسياق الاجتماعي والسياسي العام المواكب للأحداث الشخصية التي يرويها من حياة حلمي رفلة، ليقدم صورة بانورامية عنها. فعلى سبيل المثال، حين يتحدث عن المسلسل الذي كان رفلة يعده عن توفيق الحكيم في أبريل (نيسان) 1977، يشير إلى انتفاضة الخبز التي اندلعت في يناير (كانون الثاني) من العام نفسه، كاشفاً بذلك عن السياقات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والفنية التي تحرك خلالها حلمي رفلة، والتي لا يمكن فصل تجربته الشخصية والفنية عنها.

ومن الأمور المهمة التي قدمها شكري في الكتاب الفيلموغرافيات الثلاث التي أعدها عن رفلة، سواء بوصفه مخرجاً أو "ماكيير" أو منتجاً. وقد بذل في جمعها جهداً كبيراً، مما يجعل الكتاب مرجعاً لا غنى عنه لكل باحث في سيرة رفلة، أو في بدايات نشأة السينما المصرية والعربية عموماً.

غاص شكري بجد واجتهاد في مكتبة رفلة الشخصية، بمساعدة ابنته نادية، التي أمدته بما احتاج إليه من وثائق ومواد، ثم أضاف إليها بحثاً واسعاً يربط الخاص بالعام، متنقلاً بين أروقة البرلمان ودهاليز الصحافة والنيابة العامة، لرصد اعترافات المسؤولين الصريحة والوثائق التي تبين الاستيلاء على شركته وأفلامه، وتؤكد صدق شكاواه التي لم تجد استجابة حتى وفاته.

وينقل شكري في نهاية الكتاب أن الصدفة وحدها هي التي قادته إلى هذه السيرة، التي لم يكن يخطط لكتابتها، حين التقى نادية رفلة، وحدثها عن رغبته في كتابة مقال، أو سلسلة مقالات، عن فنان تعلق بأفلامه منذ الطفولة. وقاده هذا الحديث إلى مكتب حلمي رفلة وما يحويه من أوراق، كانت بمنزلة آلة زمن أعادته إلى ثلاثينيات القرن الـ20، ليعيش مع رفلة ما يقارب خمسة عقود، حتى رحيله.

وهكذا، يرى شكري سيرة رجل عاش مرتين، في زمنين مختلفين حد التناقض، ما بين ما قبل ثورة يوليو وما بعدها، فتتحول سيرة حلمي رفلة من توثيق لحياة فنان إلى شهادة على تحولات السينما المصرية، وتحولات الزمن السياسي والاجتماعي الذي أحاط بها.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة