ملخص
في حين أن التحذير من أن الشيوعيين الملحدين على وشك الاستيلاء على السلطة في الولايات المتحدة قد يبدو بلا أساس منطقي، إلا أنه ليس بريئاً تماماً، فهو يأتي في خضم انتخابات محمومة انخفضت فيها شعبية ترمب إلى مستويات قياسية في عدد من استطلاعات الرأي، وتصدرت الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار المستهلك وفضيحة ملفات إبستين عناوين الأخبار، مما جعل الجمهوريين يبحثون عن هجوم مضاد، وبعدما اختبروا رسالة الشيوعية من خلال مجموعات نقاش، يبدو أنهم خلصوا إلى أنها سلاحهم الأقوى.
خلال أسبوعين فقط استشهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالشيوعية 81 مرة، ووصف خصومه بالشيوعيين المتشددين الملحدين، معتبراً أن الشيوعية سرطان يجب استئصاله، كما حذر رئيس مجلس النواب الأميركي مايك جونسون من أن الشيوعية لم تعد تهديداً بعيد المنال، بل قائمة على الأرض الأميركية، ونشرت وزارة الخارجية الأميركية تقريراً من 100 صفحة يصور صحافيين ونقابيين ونشطاء أميركيين كمشاركين في شبكة نفوذ شيوعية كوبية.
يأتي ذلك بينما يتبنى الحزب الجمهوري ووسائل إعلامه الآن هذه الرسالة ويدقون ناقوس الخطر، فما سبب عودة ما يسمى بالخوف الأحمر من الشيوعية الذي اتسمت به موجتان سابقتان في الولايات المتحدة، الأولى في عشرينيات القرن الـ20، والثانية في الخمسينيات خلال الحرب الباردة؟ وما أوجه التشابه والاختلاف بين الحالتين؟ وكيف يؤثر ذلك في الانتخابات النصفية والرئاسية؟ وهل هي ظاهرة أميركية أم عالمية؟
مخاوف وأخطار
لم يكن وصم الرئيس ترمب خصومه من الديمقراطيين الاشتراكيين والحزب الديمقراطي بصورة عامة خلال الأيام الأخيرة بأنهم شيوعيون منفصلاً عن سياق دأب على إثارته منذ أشهر طويلة، فقد كان خطابه أمام النصب التذكاري الوطني لجبل رشمور لحظة محورية وسط الاحتفالات بمناسبة مرور 250 عاماً على تأسيس أميركا، ونقطة انطلاق رئيسة ركز فيها على أخطار الشيوعية التي قال إنها عادت كخطر حقيقي وتهديد وجودي للحرية الأميركية.
وفي عدد من الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي في يونيو (حزيران) استشهد الرئيس وحده بالشيوعية 81 مرة خلال أسبوعين، ووصف خصومه بالشيوعيين المتشددين الملحدين، والشيوعية بأنها سرطان يجب استئصاله، محذراً من أن الشيوعيين سيسيطرون على السياسة الأميركية، وفي نهاية المطاف على نمط الحياة الأميركي، بينما استضافت إدارته اجتماعاً وزارياً بعنوان "عودة الإرهاب السياسي"، حضره ممثلون عن 65 دولة، ركز فيه حلفاء ترمب بصورة حصرية على العنف السياسي من اليسار، محذرين من ثوريين ماركسيين عنيفين ومعسكرات اعتقال.
دفعت خطابات ترمب سياسيين آخرين إلى التفكير بالطريقة نفسها، فقد ربط وزير الخارجية ماركو روبيو حديث ترمب عن الشيوعية بكوبا، إذ وصف هافانا بأنها معقل "إرهاب اليسار المتطرف"، وأصدر تقريراً من 100 صفحة أشار فيه إلى تكتيكات حقبة السيناتور جوزيف مكارثي في خمسينيات القرن الماضي لوقف نمو المنظمات التقدمية في أميركا.
وانضم رئيس مجلس النواب الجمهوري مايك جونسون إلى المتحدثين عن خطر الشيوعية، محذراً الشعب الأميركي من أن الأمر ليس مزحة، لأن المتشددين الصغار المجانين الذين يظهرون في كل مكان في البلاد، يشكلون خطراً على كل شخص وكل عائلة، بحسب قوله.
أقوال وأفعال
أدى استخدام ترمب لمصطلحات الاشتراكية والشيوعية والاشتراكية الديمقراطية بصورة متبادلة إلى خلق حالة جديدة من الهلع الأحمر أو الخوف الأحمر في إشارة إلى الشيوعية المرتبطة باللون الأحمر الذي كان رمزاً وعلماً للاتحاد السوفياتي والثورة البلشفية في روسيا مطلع القرن الماضي، لكن تزايد الاتهامات بالشيوعية الموجهة إلى السياسيين، لم تعد أقوالاً فقط، بل تحولت إلى أفعال أيضا، إذ دفعت خطابات ترمب المعادية للشيوعية إدارته إلى التجسس على الجماعات السياسية والحقوقية اليسارية، ومنصات الاشتراكيين الديمقراطيين.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، استخدمت إدارة ترمب القانون الفيدرالي لإجراء مراقبة وتحقيقات سرية تستهدف المجموعات ذات الميول اليسارية والنقابات العمالية والمنظمات الاشتراكية، مثل الاتحاد الدولي لموظفي الخدمة، ومجموعات المناخ مثل حركة صن رايز أو شروق الشمس، إذ بدأت مراقبتهم أثناء احتجاجات الهجرة في ولاية مينيسوتا.
وادعى العملاء الفيدراليون أن هذه المجموعات كانت مرتبطة بالانتهازيين والمحرضين العنيفين، على رغم عدم اتهام أي من المنظمات المستهدفة بارتكاب جريمة، كما راجعت الإدارة الأميركية سنوات من التحويلات البرقية والسجلات المصرفية للنقابات العمالية الكبرى والتجمعات الاشتراكية من دون أن تكتشف أنشطة إجرامية.
عامل الانتخابات
على رغم أن ترمب بدأ حملته ضد الشيوعية منذ أشهر عدة، إلا أنه ربط الحرب ضد الشيوعية بانتخابات التجديد النصفي المقبلة في نوفمبر (تشرين الثاني)، فقد أتاحت الانتخابات الفرصة لتصنيف جميع الديمقراطيين كشيوعيين، وربما التأثير في انتخابات التجديد النصفي الحاسمة، في ظل تدني حظوظ الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه ترمب، واقترابه نحو خسارة أحد مجلسي الكونغرس في الأقل، وربما كليهما، بينما تستمر شعبية الرئيس في التراجع، بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة.
ووفقاً لأستاذ التاريخ الحديث للعلاقات الدولية ديفيد برايدان، قد تكون هذه الحملة جزئياً، رد فعل على نجاح زهران ممداني، الذي انتخب بصورة مفاجئة العام الماضي عمدة لمدينة نيويورك عن الاشتراكيين الديمقراطيين، وهو الفوز الذي تلته انتصارات عدة من المرشحين المنتمين لليسار الراديكالي المدعومين من السيناتور بيرني ساندرز وعضوة مجلس النواب ألكسندريا أوكازيو كورتيز، على المعتدلين والوسطيين في الحزب الديمقراطي، مما ترددت أصداؤه في أرجاء الولايات المتحدة، خصوصاً بعد فوز عبد السيد (عبدالرحمن محمد السيد)ـ الذي ينتمي للتيار نفسه على منافسته في سباق مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي في ولاية ميتشغان.
جاذبية سياسية
وفي حين يشكك كثيرون في أن ممداني أو أي من زملائه الاشتراكيين الديمقراطيين يعد شيوعياً، إلا أن ترمب قرر على ما يبدو أن أفضل استراتيجية لانتخابات التجديد النصفي هي إثارة موجة جديدة من الخوف من الشيوعية، وقد يكون محقاً في ذلك، لأن معاداة الشيوعية تحظى بجاذبية كبيرة في الثقافة السياسية الأميركية، لا سيما لدى جيل الناخبين الذين نشأوا، مثل ترمب، على دعاية الحرب الباردة.
وبالنظر إلى الروابط التي يقيمها ترمب باستمرار بين الشيوعية والهجرة، فإن هذا الأمر يجذب أيضاً بعض الناخبين من الجاليات المهاجرة، وبخاصة لدى الشتات اللاتيني في الولايات المتحدة من أماكن مثل كوبا وفنزويلا، إذ تعد معاداة الشيوعية أكثر تأثيراً من الناحية السياسية مما هي عليه بالنسبة إلى بقية البلاد.
صناعة عدو داخلي
هناك ثلاثة أسباب جعلت معاداة الشيوعية مشروعاً بالغ التأثير، ولا تزال كذلك، فمن السهل ربط الكراهية أو الخوف من الشيوعية بالكراهية أو الخوف من جماعات أخرى غريبة، وبالنسبة إلى ترمب فإن الرابط هو بين الشيوعيين والمهاجرين غير الشرعيين، كما تستقطب الرسالة المعادية للشيوعية عدداً من جماعات المهاجرين في الولايات المتحدة، بمن فيهم كثير من ذوي الأصول الصينية.
في الوقت نفسه، ثبت أن معاداة الشيوعية لديها القدرة على توحيد الناس عبر الطيف السياسي، من المحافظين التقليديين إلى أقصى تطرف الفاشية، ففي الحرب الأهلية الإسبانية، أثبت الخوف من الشيوعية أنه عامل توحيد أيديولوجي أقوى لأنصار الديكتاتور فرانكو من الخوف من الفاشية بالنسبة إلى الجانب الجمهوري المنقسم، وعلى مدار التاريخ، ظهرت أمثلة عديدة لليبراليين والديمقراطيين الاجتماعيين الذين اختاروا، عند اشتداد الصراع، الانحياز إلى جانب الفاشيين حين لاحت بوادر خطر الشيوعية.
كما أن معاداة الشيوعية لا تتطلب وجود شيوعيين فعليين لتستمر في التأثير، فكثير ممن يوصمون بالشيوعية، ليسوا أكثر من ديمقراطيين اجتماعيين معتدلين وفقاً للمعايير التاريخية، كما أن معظم ضحايا مجازر مناهضة الشيوعية في إندونيسيا وأميركا اللاتينية لم يكونوا أعضاء رسميين في أي حزب.
وما يفعله ترمب والقيادات الجمهورية الآن ليس سوى تكرار لمشاهد مماثلة حول العالم خلال العقود الأخيرة، فقد صرح الرئيس البرازيلي السابق جاير بولسونارو، في حفلة تنصيبه الأولى بأن علم البرازيل لن يكون أحمر أبداً، كما ندد الرئيس الكولومبي المنتخب أبيلاردو دي لا إسبريلا بمنافسه الإصلاحي، ووصفه بأنه ماركسي يساري متطرف، حتى المحافظون البريطانيون المعتدلون، مثل سويلا برافرمان، يميلون إلى تبني نظريات المؤامرة المتعلقة بالماركسية الثقافية.
عودة الخوف القديم
يثير الخوف الأحمر المعاصر مخاوف سياسية متأصلة في المجتمع الأميركي، وهي مخاوف تعود لأكثر من قرن كامل، إذ جاء الخوف الأحمر الأول عقب الثورة البلشفية الروسية عام 1917، الذي شهد مداهمات بالمر عامي 1919 و1920 (نسبة إلى المدعي العام ميتشل بالمر) واعتقال آلاف المشتبه بهم من المتطرفين والمهاجرين، إذ ألقي القبض على عدد من الأشخاص، وكثير منهم من دون أوامر قضائية.
وفي موجة الخوف الأحمر الثانية في خمسينيات القرن الماضي، استخدم السيناتور جوزيف مكارثي مزاعم الانتماء للشيوعية لتدمير مسارات مهنية وإسكات المعارضة، إذ كانت التهمة غالباً أهم من الأدلة في أوج الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، إذ لم يقتصر مفهوم الشيوعية على كونه نظاماً سياسياً واقتصادياً فحسب، بل شمل أيضاً أفكاراً عن الثورة والإلحاد والديكتاتورية والتخريب والخيانة، وهكذا تحول المعارضون السياسيون إلى أعداء في الداخل.
أدت المكارثية (نسبة إلى السيناتور مكارثي) وحملة الخوف من الشيوعية إلى إنشاء لجنة الأنشطة غير الأميركية التابعة لمجلس النواب الأميركي، لكن ما كان من المفترض أن تكون لجنة لوقف انتشار الشيوعية تحول إلى حملة ضد كل من يعارض سياسات جوزيف مكارثي، فقد اتهمت اللجنة عدداً من الأشخاص بالشيوعية من دون دليل، مما أدى إلى فقدان المتهمين وظائفهم وتشويه سمعتهم، وشعر الأميركيون بآثار الخوف من الشيوعية على المستوى الشخصي أيضاً، إذ تعرضت حتى حياة آلاف من المتعاطفين المزعومين مع الشيوعية للاضطراب على يد أجهزة إنفاذ القانون، ونبذوا من مجتمعاتهم، وفصلوا من وظائفهم.
فارق كبير
يختلف الخوف الأحمر المعاصر عن الموجتين السابقتين اختلافاً كبيراً في أهدافهما الجيوسياسية، وأساليبهما العملياتية، ونطاقهما الأيديولوجي، ففي حين انصب الخوف الأول والثاني على الاتحاد السوفياتي، والتجسس الذري، والولاء للحزب الماركسي اللينيني، واتهامات تتعلق بالعضوية الفعلية أو المزعومة في الحزب الشيوعي، أو التخريب الماركسي التقليدي، يتعلق الخوف الحالي بالاستقطاب الحزبي الداخلي، وتستخدم مصطلحات "اشتراكي" أو "شيوعي" بكثرة كخطاب حزبي واسع النطاق يستهدف المعارضين السياسيين الرئيسين، والحركات الاجتماعية، والسياسات التقدمية، ومصطلحات واسعة النطاق تشمل أيديولوجيات الاستيقاظ، بدلاً من الخلايا الثورية السرية، ونادراً ما يشار إليه على أنه جزء من الصراع الجيوسياسي والاقتصادي مع الحزب الشيوعي الصيني.
وبينما اعتمدت موجة الخوف الأحمر الأصلية على أوامر الاستدعاء، والملفات الورقية، والتنصت على المكالمات الهاتفية، والقوائم السوداء في قطاعات حيوية مثل هوليوود ومحطات التليفزيون والصحف، تعتمد موجات الخوف الحديثة على جمع البيانات العامة، وتضخيم الغضب عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والكشف عن المعلومات الشخصية على الإنترنت، وقدرات المراقبة الرقمية.
كلمة واحدة وأربعة أبعاد
من الناحية اللغوية، يستخدم مصطلح "شيوعي" كتعبير مسيء في الولايات المتحدة، أي أنه وصف مهين يستبدل بآخر أكثر دقة أو حيادية، إذ تكمن قوته في نوع من التكثيف الدلالي، بمعنى أن الكلمة تختصر مجموعة من الأفكار والمشاعر في كلمة واحدة، إذ يخلط مصطلح "الشيوعية" بين أربعة أبعاد تثير تساؤلات عدة في المجتمع الأميركي، أولها البعد الاقتصادي، من حيث إلى أي مدى ينبغي أن يعتمد الاقتصاد على الملكية الخاصة، والملكية العامة، والرقابة الحكومية، وثانيها البعد السياسي، أي من يحكم، وكيف تتخذ القرارات، وهل يمكن عزل الحكام؟ ثم البعد الديني بما يطرحه من تساؤل عما إذا كانت الفلسفة السياسية تتطلب الإيمان الديني، أو الإلحاد، أو لا هذا ولا ذاك، ثم الوسائل المستخدمة لتحقيق التغيير السياسي من انتخابات، ومداولات، واحتجاج سلمي، أم إكراه، وعنف، وثورة.
جمعت الأنظمة الشيوعية في القرن الـ20 غالباً بين سيطرة الدولة على الاقتصاد، وديكتاتورية الحزب الواحد، والإلحاد الرسمي، ووصل عدد منها إلى السلطة عبر ثورة عنيفة.
تسمح هذه السوابق التاريخية للجمهوريين الأميركيين بإقامة تشابه اقتصادي بين الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية التقليدية، ثم إدخال كل ما تبقى من إرثها الأيديولوجي، ولأن الاشتراكيين الديمقراطيين يؤيدون زيادة الملكية العامة والرقابة الحكومية، يفترض الجمهوريون ضمناً أنهم (وجميع الديمقراطيين) يؤيدون أيضاً الديكتاتورية، والإلحاد، والثورة العنيفة.
معاداة تاريخية عالمية
لم تقتصر معاداة الشيوعية عبر التاريخ على الولايات المتحدة أو الحرب الباردة، بل كانت من أقوى المشاريع السياسية العالمية في القرن الـ20، فقد دفعت معاداة الشيوعية بريطانيا وحلفاءها إلى غزو روسيا عام 1919، وأثارت ردة فعل يمينية ضد صعود حزب العمال في عشرينيات القرن الـ20، كما غذت معاداة الشيوعية السياسة والأحزاب المسيحية في فترة ما بين الحربين، لا سيما بالنسبة إلى الفاتيكان.
وأسهمت معاداة الشيوعية أيضاً في صعود الفاشية وشعبيتها في جميع أنحاء أوروبا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الـ20، وبالمثل غذت هذه الفكرة حرب بريطانيا الدموية ضد استقلال ماليزيا في خمسينيات القرن الماضي، وتسببت في مقتل ما يصل إلى مليون شخص في الإبادة الجماعية الإندونيسية في الستينيات، واستخدمت لتبرير التعذيب الجماعي والاختفاء القسري خلال الديكتاتوريات بأميركا اللاتينية في السبعينيات.
ومع ذلك، شكلت معاداة الشيوعية دافعاً قوياً وأساساً متيناً لعدد من سمات السياسة في القرن الـ20 التي تعد على نطاق واسع تقدمية، فعلى سبيل المثال بنيت دولة الرفاه في المملكة المتحدة لتشجيع الطبقة العاملة على مقاومة إغراءات الشيوعية، ونشأت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية لتقديم بديل إصلاحي للأحزاب الثورية اليسارية، وانخرط عدد من النقابات العمالية في بريطانيا وغيرها في محاربة خصومها الشيوعيين بحماسة أكبر من نضالها ضد أرباب عملها، ولهذا كانت معاداة الشيوعية أكثر ثباتاً وتأثيراً في تاريخ القرن الـ20 من معاداة الفاشية.
خدعة لغوية
غير أن مفهوم الاشتراكية في العالم المعاصر يبدو مختلفاً خارج أميركا، فمن منظور أوروبا أو أستراليا أو نيوزيلندا، تبدو معظم مظاهر التطرف لدى المرشحين المتحالفين مع الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين عادية ومألوفة لهم، ذلك أن توفير الرعاية الصحية الشاملة بأسعار معقولة، والحد الأدنى اللائق للأجور، والتعليم العام، ومزايا التقاعد الحكومية، ليست استعدادات لديكتاتورية البروليتاريا، بل هي سمات طبيعية للاقتصاد المختلط.
تجمع الدول الاسكندنافية، التي يسعى الاشتراكيون الديمقراطيون إلى محاكاتها، بين روح المبادرة الخاصة والديمقراطية التنافسية، إلى جانب خدمات عامة واسعة النطاق، وضرائب مرتفعة نسبياً، ونقابات عمالية قوية.
اشتراكية مؤيدة للأعمال
حتى عمدة نيويورك زهران ممداني، أشهر اشتراكي ديمقراطي بمنصب تنفيذي في أميركا الآن، أعلن أخيراً أكثر من 50 إصلاحاً لتخفيف الإجراءات البيروقراطية أمام الشركات الصغيرة، ومن ثم يسهم كاشتراكي في نجاح القطاع الخاص.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الوقت نفسه، استحوذت إدارة ترمب، التي يفترض أنها تدعم اقتصاد السوق الحرة، على حصص ملكية في 30 شركة خاصة، أو أعلنت ذلك، وبحسب التقارير، مارس ترمب ضغوطاً على الشركات لتقديم تبرعات ضخمة لمشاريعه الشخصية.
ولهذا يؤيد كل من ترمب وممداني تدخل الحكومة في اقتصاد السوق، لكن بأنواع مختلفة من التدخل ولأغراض مختلفة وفقاً لأستاذ الدراسات التنظيمية في جامعة ماسي ثيودور زورن، ولا يؤيد المرشحون المدعومون من منظمة الاشتراكيين الديمقراطيين الأميركيين (أو حتى معظم الديمقراطيين) بالضرورة كل بند في برنامج المنظمة الوطني، وهو ما ادعاه رئيس مجلس النواب مايك جونسون أخيراً.
ولهذا فإن اعتبار أكثر مقترحات المنظمة راديكالية موقفاً لكل ديمقراطي، يشبه الادعاء بأن جميع الجمهوريين يريدون أن تختار المجالس التشريعية للولايات، وليس الناخبين، أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي، لمجرد أن 10 نواب جمهوريين اقترحوا ذلك تحديداً.
أغراض انتخابية
في حين أن التحذير من أن الشيوعيين الملحدين على وشك الاستيلاء على السلطة في الولايات المتحدة قد يبدو بلا أساس منطقي، إلا أنه ليس بريئاً تماماً، فهو يأتي في خضم انتخابات محمومة انخفضت فيها شعبية ترمب إلى مستويات قياسية في عدد من استطلاعات الرأي، وتصدرت الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار المستهلك وفضيحة ملفات إبستين عناوين الأخبار، مما جعل الجمهوريين يبحثون عن هجوم مضاد، وبعدما اختبروا رسالة الشيوعية من خلال مجموعات نقاش، يبدو أنهم خلصوا إلى أنها سلاحهم الأقوى.
نجت معاداة الشيوعية من نهاية الحرب الباردة، وتغلغلت في بعض التيارات الأيديولوجية، وهي الآن تبرز مجددا كركيزة أساسية في السياسة العالمية، وهي قوية ومؤثرة وخطرة، صحيح أنها لا تستولي على أميركا، لكن "الخوف الأحمر" يطل برأسه من جديد.