Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أفريقيا بعيدة من الحرب الإيرانية وقريبة من تداعياتها

دول القارة لا تريد استيراد الصراع أو تحويل علاقات بعضها مع طهران إلى كلفة أمنية واقتصادية

دعا الاتحاد الأفريقي إلى ضبط النفس والحوار وحذر من انعكاسات الحرب الإيرانية على الطاقة والأمن الغذائي والاقتصادات الأفريقية (غيتي)

ملخص

مع استمرار الحرب الإيرانية، تظل كيفية تفاعل الدول الأفريقية مع تداعياتها مرتبطة باتساع نطاقها ومدتها، وبالضغوط التي قد تنتقل تدريجاً من ساحتها المباشرة إلى النظام الاقتصادي والأمني الأوسع.

على رغم أن أفريقيا تقع خارج المسرح المباشر للحرب الإيرانية، فإن تداعياتها لا تتوقف عند حدود الإقليم الذي تدور فيه المواجهة. فالحرب، بما تفرضه من اضطراب في أسواق الطاقة وحركة التجارة والممرات البحرية، وإعادة ترتيب الأولويات الأمنية والدبلوماسية، تمتد آثارها إلى دول بعيدة جغرافياً من ساحتها، بينها دول أفريقية ترتبط بدرجات متفاوتة بالاقتصاد العالمي وبطرق الإمداد والطاقة والتجارة الدولية. ومن ثم، فإن القارة تجد نفسها أمام حرب لا تدور على أراضيها، لكنها قد تتقاطع مع مصالحها وحساباتها الأمنية والاقتصادية. 

وتكتسب هذه التداعيات وزناً إضافياً بحكم موقع أفريقيا في محيط الممرات البحرية، التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر والخليج العربي، وهي ممرات تتأثر مباشرة بأي تصعيد واسع في المنطقة. كما أن امتداد الحرب إلى هذه المساحات البحرية أو انعكاساتها على حركة الملاحة والطاقة يمكن أن يجعل دولاً أفريقية بعيدة من مركز المواجهة جزءاً من بيئة استراتيجية تتغير بفعل الحرب. 

وفي المقابل، تتابع طهران علاقاتها مع الدول الأفريقية في وقت تواجه فيه ضغوطاً عسكرية وسياسية واقتصادية متزايدة. وقد ظهر ذلك أخيراً في تحرك دبلوماسي إيراني خلال الحرب، عندما أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن بلاده تمتلك "تصميماً استراتيجياً" لتعزيز العلاقات مع الدول الأفريقية، ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع حافظت فيه إيران على اتصالاتها مع عدد من الدول الأفريقية، في وقت أصبحت فيه الحرب عاملاً جديداً في البيئة التي تتحرك داخلها تلك العلاقات. 

لا تبدو أفريقيا مجرد جغرافيا بعيدة من الحرب الإيرانية، بل فضاء تتقاطع فيه آثار الصراع مع اعتبارات الطاقة والتجارة والأمن والممرات البحرية والدبلوماسية الدولية. ومع استمرار المواجهة، تظل كيفية تفاعل الدول الأفريقية مع تداعياتها مرتبطة باتساع نطاق الحرب ومدتها، وبالضغوط التي قد تنتقل تدريجاً من ساحتها المباشرة إلى النظام الاقتصادي والأمني الأوسع. 

توسيع الشراكات 

منذ ستينيات القرن الماضي، أدركت دولة الشاه محمد رضا بهلوي أن القارة الخارجة من الاستعمار تتحول إلى مجال جديد للصراع على النفوذ. كان الإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي حليفاً مهماً لطهران، فيما مثل مؤتمر أديس أبابا عام 1963، ثم زيارة الشاه إلى إثيوبيا عام 1968، نقطتين في تشكل سياسة إيرانية أكثر انتظاماً تجاه القارة. 

 

ومع طفرة أسعار النفط في السبعينيات، توسعت طهران في مشاريع صناعية ومساعدات واستثمارات، وارتبطت على نحو وثيق في جنوب أفريقيا، وبحلول 1978 كانت إيران توفر أكثر من 90 في المئة من واردات جنوب أفريقيا من النفط الخام. وفي الوقت نفسه، حاول الشاه لعب دور في أزمة روديسيا، مدفوعاً بحسابات الأمن والممرات البحرية وموازين الحرب الباردة.

جاءت ثورة 1979 لتقلب المعادلة، فقطعت إيران علاقاتها مع نظام الفصل العنصري، وفرضت مقاطعة نفطية وتجارية على جنوب أفريقيا، وبدأت في دعم حركات التحرر، قبل أن تعود العلاقات الدبلوماسية في الـ10 من مايو (أيار) 1994 مع انتهاء "الأبارتهايد". وفي سبتمبر (أيلول) 1996، زار الرئيس علي أكبر هاشمي رفسنجاني جنوب أفريقيا ضمن جولة أفريقية، والتقى نيلسون مانديلا، مما عد تعريفاً للعلاقة على قاعدة التعاون بين دولتين من "الجنوب".

في عهد محمود أحمدي نجاد، اتسع الانخراط الإيراني بصورة لافتة، مدفوعاً بعقيدة "الجنوب العالمي" والحاجة إلى كسر العزلة، فقد زار أفريقيا مراراً، ومنها جولة 2009 في كينيا وجيبوتي وجزر القمر، ونسج علاقات مع السودان والسنغال وغيرها. ثم جاءت أزمة 2016 باقتحام السفارة السعودية في طهران والقنصلية في مشهد، فقطعت السودان وجيبوتي والصومال وجزر القمر علاقاتها مع طهران.

أما عهد حسن روحاني فشهد تراجعاً واضحاً في أولوية أفريقيا، ثم أعاد إبراهيم رئيسي القارة لصلب السياسة الخارجية، وفي يوليو (تموز) 2023 زار كينيا وأوغندا وزيمبابوي، في أول جولة رئاسية إيرانية إلى أفريقيا منذ أكثر من عقد، قبل أن يتجه الانخراط الإيراني إلى دول الساحل والجنوب العالمي في سياق ما بعد السابع من أكتوبر (تشرين الأول).

وفي 2025، بلغ المسار الاقتصادي ذروة رمزية بعقد مؤتمر التعاون الاقتصادي الإيراني - الأفريقي الثالث في طهران، بمشاركة ممثلين من أكثر من 50 دولة أفريقية. ومع اندلاع الحرب الحالية في الـ28 من فبراير (شباط) الماضي، اكتسبت أفريقيا قيمة إضافية باعتبارها مجالاً لتوسيع الشراكات والحفاظ على منافذ سياسية واقتصادية خارج نطاق الصراع المباشر.

مواقف متباينة

لا توجد في أفريقيا جبهة سياسية موحدة تجاه الحرب الإيرانية، فمنذ اندلاع المواجهة، اتجهت غالبية الحكومات إلى الدعوة لوقف التصعيد، والقلق من انتقال كلفة الحرب إلى أسواق الطاقة والغذاء والتجارة. انتقدت بريتوريا الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، وتمسك الرئيس سيريل رامافوزا بتسوية النزاعات عبر القانون الدولي والتفاوض. وعندما أعلن اتفاق وقف الأعمال العسكرية بين واشنطن وطهران في يونيو (حزيران) الماضي، رحبت به الحكومة. وسارت السنغال في اتجاه قريب، إذ انتقد رئيس الوزراء السابق عثمان سونكو الضربات على إيران، ودعا إلى معالجة الأزمة عبر الأطر متعددة الأطراف. واختارت نيجيريا لغة أكثر تحفظاً، فدعت إلى خفض التصعيد وضبط النفس، وشددت على احترام ميثاق الأمم المتحدة وسلامة أراضي الدول.

 

أما السودان فقد أكد تضامنه مع دول الخليج، خصوصاً السعودية، ورفض المساس بسيادتها، وأن أمن الخليج واستقرار المنطقة يمثلان أهمية كبيرة للخرطوم. وفي تشاد، دان الرئيس محمد إدريس ديبي إتنو الهجمات الإيرانية على دول الخليج، وأكد تضامنه معها. وفي غانا وغامبيا، اتسم الخطاب الرسمي بالتحفظ والتأكيد على القانون الدولي. وفي مصر، نشط التحرك الدبلوماسي بأن شاركت القاهرة في جهود الوساطة.

أما الاتحاد الأفريقي، فدعا إلى ضبط النفس والحوار، وحذر من انعكاسات الحرب على الطاقة والأمن الغذائي والاقتصادات الأفريقية، لكنه دان الهجمات الإيرانية على دول الخليج، معتبراً إياها انتهاكاً لسيادة تلك الدول.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

امتداد الصراع

تسعى طهران، تحت الضغط العسكري والاقتصادي، إلى توسيع شبكة علاقاتها مع الدول الأفريقية، وتؤكد اتصالاتها مع الاتحاد الأفريقي هذا التوجه، ففي الـ23 من يونيو، نقل السفير الإيراني لدى إثيوبيا والممثل الدائم لدى الاتحاد الأفريقي علي أكبر رضائي رسالة من وزير الخارجية عباس عراقجي إلى رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، أكد التزام طهران بتعزيز التعاون مع الاتحاد ودوله الأعضاء في مجالات متعددة.

ويمكن النظر إلى أن القيمة الاستراتيجية لأفريقيا أصبحت تتجاوز الدبلوماسية في ظل الحرب التي أعادت رسم أهمية البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، إذ تتقاطع الجغرافيا الأفريقية مع قلب الصراع. ومع تصاعد العمليات الحوثية المدعومة من إيران، أصبح أمن الملاحة يمس السودان ومصر وجيبوتي والصومال وإثيوبيا، بينما يواجه الاقتصاد ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة واضطراب السلع والأسمدة. وأعلنت السعودية في يوليو تشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية الملاحة، بما يدفع دول القرن الأفريقي للتعامل مع أمن الممرات كأمن قومي.

وفي الساحل، قد تضاعف صدمة الطاقة والغذاء هشاشة مالي والنيجر وبوركينا فاسو، إذ يضيف ارتفاع الأسعار ضغطاً إضافياً إلى ضعف الموارد واتساع نشاط الجماعات المسلحة. وهكذا تحاول إيران توسيع حركتها في أفريقيا، بينما تحاول الدول الأفريقية إبقاء الحرب خارج حدودها. والخطر الأرجح ليس جبهة إيرانية جديدة، بل تحول البحر الأحمر والمحيط الهندي إلى امتداد اقتصادي وأمني للصراع، خصوصاً مع استمرار تهديد الملاحة في باب المندب خلال أغسطس (آب).

اتجاه العلاقة

يتمثل الموقف الأفريقي في أن دول القارة لا تريد استيراد الصراع أو تحويل علاقات بعضها مع طهران إلى كلفة أمنية واقتصادية، وخلص "مجلس العلاقات الخارجية" إلى أن غالب الدول الأفريقية، امتنعت عن الاصطفاف مع إيران، وبعضها عمل على خفض الانكشاف السياسي، خصوصاً من تراها ضمن شبكة شركاء أوسع ولا تريد ربطها بالمواجهة الأميركية. وستدفع الحرب إلى تنويع الشركاء والطاقة والممرات، مما يشجع على إبقاء القنوات مفتوحة. وهنا تزداد قيمة الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية منخفضة الكلفة لإيران، خصوصاً في جنوب أفريقيا وزيمبابوي وأوغندا.

فعلى رغم إدانة جنوب أفريقيا الضربات الأميركية والإسرائيلية، إلا أنها رحبت بوقف العمليات، كما أثارت مشاركة البحرية الإيرانية في تدريبات "ويل أوف بيس" قبالة جنوب أفريقيا تدخلاً من الرئيس سيريل رامافوزا لمنع مشاركتها، مؤكداً حدود التعاون الأمني.

وفي شرق أفريقيا والقرن الأفريقي، ستزداد الحساسية مع استمرار اضطراب البحر الأحمر وباب المندب، خصوصاً لدى الدول المعنية بكلفة الشحن والطاقة والأسمدة والتحويلات، وسط ارتفاع الطاقة واضطراب الأسمدة ونقص الوقود.

وعلى المدى البعيد، قد تدفع الأزمة أفريقيا إلى براغماتية أكبر تجاه القوى الكبرى، والاحتفاظ بأكبر الخيارات، وسيبقى النفوذ الإيراني مرهوناً بتقديم تجارة واستثمار وتقنية وطاقة أو تعاون سياسي، لا الخطاب المناهض للغرب.

ويبقى احتمال انتقال إيران من "دبلوماسية الصمود" إلى نشاط أمني سري جديراً بالمتابعة، في ضوء إشارات سابقة إلى خلايا في السودان وتشاد وغانا والنيجر وغامبيا وأفريقيا الوسطى، وتقارير عن "سرايا الزهراء" وتحقيقات أممية في شأن تدريب أعضاء من هذه الدول في لبنان والعراق، وتقارير عن "الدفاع المتقدم" وشبكات النفوذ جنوب الصحراء.

والسيناريو الأرجح ليس "جبهة إيرانية"، بل اختبار للمرونة الإيرانية والبراغماتية الأفريقية، طهران تريد علاقات بأقل كلفة، والدول الأفريقية تريد خيارات بأقل الأخطار. وما سيحسم اتجاه العلاقة في الفترة المقبلة لن يكون الخطاب السياسي وحده، بل قدرة الحرب على الاستمرار، وكلفة العزلة الإيرانية، ومدى استعداد الأفارقة لتحويل علاقاتهم مع طهران من قنوات دبلوماسية إلى شراكات ذات مضمون فعلي.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل