Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"سافو" العالقة بين غونو وباتشيني والرومانسي ليوباردي

الشاعر حول زميلته إلى عاشقة للطبيعة والموسيقيان الفرنسي والإيطالي جعلا منها امرأة استثنائية

سافو في الفن التشكيلي الكلاسيكي (موسوعة الفن الكلاسيكي)

ملخص

ذات لحظة، إذ تزور سافو الكاهن في المعبد تعلم منه أن فاوون قد طلب ابنته للزواج، فيستبد بها غضب فتاك وتقلب المعبد رأساً على عقب. غير أنها سرعان ما تندم على فعلتها وتسأل الآلهة أن تغفر لها قبل أن تتوجه إلى العراف متسائلة عما إذا لم يكن رمي نفسها من أعلى الصخور إلى البحر ينفع كتكفير عن ذنبها.

لا شك أن كلاً من الموسيقيين، الإيطالي جيوفاني باتشيني في عام 1832 والفرنسي شارل غونو في عام 1851، اطلعا بإمعان على القصيدة التي كتبها الشاعر الإيطالي جاكومو ليوباردي خلال عام 1824 بعنوان "نشيد سافو الأخير". ليس لكي يسير على خطاها أي من الملحنين الأوبراليين الكبيرين - كل على طريقته - بل لكي يعارضاها. وهما عارضاها بالفعل حتى وإن لم يبتعدا من ليوباردي كثيراً، في الأقل بتحويل سافو من تلك الشاعرة الإغريقية التي عاشت، كما تقول الحكاية، في القرن السادس قبل الميلاد، بخاصة في جزيرة ليسبوس، إلى امرأة حقيقية وقوية تنتمي إلى القرن الذي عاش الموسيقيان وأبدعا خلاله، وهو القرن التاسع عشر.

كان ذلك تحويلاً موفقاً في حالتي الموسيقيين من دون أن يبتعد الشاعر نفسه عن التوفيق على أية حال، حتى وإن خلصنا إلى أن سافو كما تناولها الثلاثة، تبدو بعيدة كل البعد من تلك الصورة التي "تراكمت" لها على مر الأزمنة. حالها في هذا حال كليوباترا. ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى أن ثمة فارقاً كبيراً بين "سافو" باتشيني كما موسيقاه الإيطالية والذي كان صديقاً مقرباً من جواكينو روسيني، وبين "سافو" غونو.

وهنا تجدر الإشارة إلى أن نشيد سافو للإيطالي باتشيني يعد أهم أعماله وأشهرها بينما تعتبر "سافو" الفرنسي من أعمال غونو الثانوية، خصوصاً عند مقارنته بأوبراه الكبرى "فاوست" أو باشتغاله البديع على "روميو وجولييت".

ومهما يكن من أمر لا بد من أن نذكر هنا أن الموسيقيين باتشيني وغونو والشاعر ليوباردي لم يفعلوا في الأحوال كافة، أكثر من أنهم استحوذوا على الأسطورة ونسفوها كما اعتادت الأمور أن تكون حين تتملك الفنون الحديثة أعمالاً كلاسيكية مشتغله عليها اقتباساً أو استعارة أو أي شيء من هذا القبيل.

ذاتية الشاعر

وهنا، قبل التوقف عند العمل الأشهر بين شتى الأوبرات التي اقتبست حكاية "سافو" لتموسقها بشكل غاية في الإبداع، ونعني بهذا أوبرا الموسيقي جيوفاني باتشيني (1796 – 1867)، قد يكون من الأفضل التساؤل حول الصورة التي جعلها الشاعر جاكومو ليوباردي (1798 – 1837) للشخصية نفسها في قصيدته التي أشرنا إليها.

ففي "نشيد سافو الأخير" يصور الشاعر زميلته القديمة، كامرأة قلقة مأخوذة كلياً بشغفها بالطبيعة، يكاد يدمرها رفض تلك الطبيعة لمبادلتها ذلك الشغف. والحال أنها صورة شديدة البعد عما هو معهود بالنسبة إلى تلك الشخصية وفي جميع التنويعات عليها. وذلك بالتحديد لأن المجابهة النابذة / الجاذبة بين الشاعرة والطبيعة ليست في حقيقتها سوى كناية رمزية عن الحال التي تعتري تلك الروح النبيلة انطلاقاً من منظور مغرق في رومانسيته، هو بالتأكيد منظور ليوباردي نفسه معبراً عن التعارض القاتل داخل مكنون روح رائعة الجمال سجينة جسد لا يتمتع ولو بقبس من هذا الجمال.

 

والحقيقة أن من يتمعن في شخصية ليوباردي وزمنه سيكون من المستحيل عليه إلا أن يرى في القصيدة انعكاساً لقلقه الذاتي؛ أي أن قصيدته ليست أكثر من بورتريه شديد الذاتية.

... والموضوعية الأوبرالية

في المقابل، يسير الموسيقي باتشيني في أوبرا "الروسينية" في خط مفارق تماماً إذ يضعها في مواجهة عمل ميلودرامي مأساوي من ثلاثة فصول، تدور حبكته بخاصة من خلال العلاقة المفترضة بين سافو نفسها وبين حبيبها فاوون الذي إذ يحدث له ذات لحظة أن يعتقد، لسبب ما أن حبيبته الشاعرة تخونه، يؤثر الابتعاد منها والزواج من الحسناء كليمين ابنة كاهن معبد أبولو، الكاندر.

وذات لحظة، إذ تزور سافو، الجاهلة بكل تلك التطورات والتي يدهشها فقط ابتعاد فاوون منها، الكاهن في المعبد تعلم منه أن فاوون قد طلب ابنته للزواج، فيستبد بها غضب فتاك وتقلب المعبد رأساً على عقب. غير أنها سرعان ما تندم على فعلتها وتسأل الآلهة أن تغفر لها قبل أن تتوجه إلى العراف متسائلة عما إذا لم يكن رمي نفسها من أعلى الصخور إلى البحر ينفع كتكفير عن ذنبها.

طبعاً سيجيبها العراف بأن التكفير طريق للغفران، لكنه في الوقت نفسه يكشف لها سراً لا يعرف فحواه غيره: إنها ليست في حقيقة أمرها سوى ابنة أخرى للكاهن الكاندر نفسه، الذي كان يعتقد أنها ماتت منذ طفولتها المبكرة حين غرقت في مياه البحر. وأن اسمها ليس سافو بل أسباسي. وإذ يعلم الكاندر بكل هذه التطورات يجن جنونه أمام اضطراره للسكون الآن عن فتوى العراف التي تطلب من سافو التكفير المطلوب. وها هو يتضرع الآن للآلهة أن تعفو عن سافو وتمنحها الغفران. لكن الآلهة ترفض ذلك، فلا يكون من سافو إلا أن تطلب من أختها الالتحاق بفاوون كامرأة له. وحين يتم ذلك، تعتلي سافو الصخور وترمي بنفسها في لجة البحر.

بطلة رومانسية تماماً

ويبقى هنا أن نتوقف بعض الشيء عند الأوبرا التي لحنها الفرنسي شارل غونو في اقتباس عن حكاية سافو، والتي من الواضح أنها لا تقل ابتعاداً من الحكاية الأصلية التي ارتبطت بتلك الشخصية وحياتها محاطة برفيقاتها من النساء، ولا سيما من المراهقات اللواتي جعلن من حولها حلقة من مريدات يعشن لخدمتها وتحديداً لخدمة أشعارها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

فالحال أن غونو، وتماماً كما فعل باتشيني ولكن في ميل أكثر وضوحاً إلى إعادة اختراع البطلة الرومانسية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولكن لا على طريقة ليوباردي المبجلة للطبيعة وجبروتها، ولا على طريقة باتشيني المغرقة في ميلودراميتها.

ومن هنا تضحي سافو بين يدي غونو أول بطلة بالمعنى الرومانسي الذي كان سائداً في القرن التاسع عشر: امرأة جبارة في شخصيتها، عظيمة في مواهبها، تكاد تكون قدوة فريدة من نوعها في شاعريتها وشغفها، لكنها، وبالتحديد لأنها امرأة، تجد نفسها مجبرة على أن تدفع مقابل كل أنواع الشغف تلك، أثماناً باهظة.

وهو ما سنلاحظ كيف أنه أمر يتخذ دلالات دائمة ومتكررة في أعمال غونو الرئيسة من "جان دارك" إلى "فاوست" ومن "روميو وجولييت" إلى "يوليسيس"... وكلها أعمال أتت لاحقة على "سافو" بمعنى أن هذه الأخيرة كانت هي العمل الذي افتتح أوبرات غونو الكبرى. بل لعل في مقدورنا أن نقول إن "سافو" تبقى العمل المؤسس لجانب من مسيرة غونو الإبداعية يقوم على تمظهر ثنائية الفن والحب، تلك الثنائية التي كانت قد بدأت تظهر بقوة في الفنون الرومانطيقية الفرنسية في الوقت الذي قدم غونو هذه الأوبرا كنوع من رد "فرنسي" على الإيطاليين ليوباردي وباتشيني، وأيضاً كنوع من محاولة موفقة قام بها غونو نفسه للاستحواذ على الحكايات القديمة وجعلها جزءاً من التراث الفرنسي، تماماً كما سيجعل حين سيستحوذ على فاوست الجرماني ليجعل منه أيقونة فنية فرنسية تفتتح أوبرا الإنسان، بحسب النقاد.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة