Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حكومة إسرائيل تعاقب "إذاعة الجيش" على انتقادها

قرار إغلاقها يؤكد أن وزراء اليمين المتطرف يعتبرون وجود رأي آخر تهديداً للأمن القومي

جندية إسرائيلية تعمل في إذاعة الجيش (فلاش 90)

ملخص

المعركة الحالية لتجاوز مصير محطة إذاعية هي في حقيقتها معركة على هوية إسرائيل ذاتها، وصراع محتدم حول من يملك حق رسم السردية وتوجيه الرأي العام: أهي حكومة الائتلاف السياسي أم المؤسسات المستقلة المحصنة بالقانون؟

دائماً ما اعتادت إسرائيل أن تسوق لنفسها أمام العالم بوصفها "واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، واضعة حرية الإعلام والصحافة في واجهة هذه الدعاية التي ظلت تظهر كأحد الأركان الحصينة لنظامها السياسي، غير أن التحولات الأخيرة العميقة أثبتت أن هذه الواحة ليست سوى سراب يتآكل تحت وطأة اليمين القومي والمسياني الحاكم.

لم تكن القصة يوماً مجرد قرار إداري اتخذه وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس بإغلاق "إذاعة الجيش الإسرائيلي" (غالي تساهال)، بل كانت في عمقها إعلاناً صريحاً لبدء مرحلة جديدة من هندسة الفضاء العام، وتصفية المؤسسات النقدية، وتقليم الأظافر الصحافية التي جرأت على الخروج عن نص الرواية الرسمية، ففي لحظات الحروب والأزمات الوجودية تبدو الديمقراطيات ميالة إلى استهداف الصحافيين أولاً.

وحين صوتت الحكومة الإسرائيلية بالإجماع على تصفية إذاعة تاريخية أُسست قبل أكثر من سبعة عقود، كانت بعثت برسالة واضحة، لا مكان للحياد أو النقد حين يقرر الائتلاف الحاكم اليميني المتطرف فرض هيمنته الكاملة على الوعي، إلا أن قرار المحكمة العليا الإسرائيلية بإلغاء قرار الإغلاق بالإجماع لم يضع حداً لهذه المعركة، بل كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، ومؤشراً دراماتيكياً إلى وصول الصراع بين الائتلاف الحاكم والمؤسسات القضائية والأمنية إلى مرحلة "الكسر الحاد".

إن المعركة الحالية لتجاوز مصير محطة إذاعية هي في حقيقتها معركة على هوية إسرائيل ذاتها، وصراع محتدم حول من يملك حق رسم السردية وتوجيه الرأي العام: أهي حكومة الائتلاف السياسي أم المؤسسات المستقلة المحصنة بالقانون؟

​ "معقل لليسار"

​عام 1950 أُسست محطة "إذاعة الجيش"، برعاية رئيس الوزراء الأول دافيد بن غوريون، لتبث مواد إرشادية وتثقيفية موجهة للجنود والضباط، لكن مع مرور العقود، تحولت المحطة إلى واحدة من أكبر وأهم الإذاعات الإخبارية والمدنية في إسرائيل، وباتت منافساً شرساً لوسائل الإعلام التجارية، مستفيدة من تعيين صحافيين مدنيين إلى جانب المجندين الشباب.

هذا التحول الهيكلي جعل الإذاعة تدور في فلك تناقض صارخ، فمن الناحية التمويلية والتنظيمية، هي مؤسسة تتبع لوزارة الدفاع وتعتمد على موازنة الجيش وتدار بواسطة ضباط ومستشارين عسكريين، ومن الناحية التحريرية والمهنية، ظلت تصر على الاحتفاظ بهامش تحريري استقلالي واسع، حيث أفردت مساحات للتحقيقات السياسية واستضافة صحافيين ومحللين ينقدون أداء الحكومة وسياسات الجيش والجماعات الاستيطانية بحرية تامة.

ومع صعود اليمين إلى السلطة وترسخ سيطرته، أصبحت هذه الإذاعة في نظر جمهور اليمين وممثليه السياسيين رمزاً لـ"النخبوية العلمانية التل أبيبية" تمول من جيوب دافعي الضرائب والجيش ومحطة يسيطر عليها كادر ليبرالي يصوغ الوعي العام برواية تناهض أجندة اليمين.

وبالنسبة إلى سياسيين مثل كاتس ووزير الاتصالات الإسرائيلي شلومو كرعي، فإن سماح الجيش لنفسه باستضافة منتقدين للحكومة أثناء حرب أو أزمة سياسية هو "شذوذ لا يوجد في أي دولة ديمقراطية".

​ خنق الإعلام المستقل

​لم يكن استهداف إذاعة الجيش نوبة غضب مفاجئة، بل حلقة في سلسلة متصلة تعكس استراتيجية منهجية لتقليم أظافر الإعلام النقدي، تنوعت أدواتها بين العقوبات المالية، والتشريعات التقييدية، والترهيب المباشر.

و​في خطوة غير مسبوقة في تاريخ الصحافة الإسرائيلية، اتخذت الحكومة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 قراراً فرضت بموجبه عقوبات رسمية على صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، تمثلت في مقاطعة شاملة من المؤسسات الوزارية، وإلغاء جميع اشتراكات موظفي الدولة والشركات الحكومية، وتجميد الإعلانات الرسمية، بهدف محاصرة الصحيفة مالياً ودفعها إلى الإفلاس انتقاماً من تغطيتها التحقيقية لانتهاكات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة والضفة الغربية وتصريحات ناشرها النقدية الحادة لسياسات نتنياهو.

وسبق ذلك أن أقر الكنيست في أبريل (نيسان) 2024 "قانون منع وسائل الإعلام الأجنبية"، المعروف إعلامياً "بقانون الجزيرة"، وتم تمديد العمل به وتطويره تشريعياً ليصبح صلاحية دائمة تسقط الرقابة القضائية القاطعة.

وبموجب هذا التشريع، أغلقت مكاتب شبكات إعلامية أجنبية وصودرت معداتها ومنع صحافيوها من البث الميداني، تحت ذرائع فضفاضة ترتبط بـ"الأمن القومي"، مما فتح الباب لملاحقة أي قناة أجنبية تخرج تغطيتها عن الرواية المعتمدة لدى الرقيب العسكري.

في حين يمثل مشروع "قانون سوق البث الجديد (2023 - 2024) "التهديد الأكبر للهياكل الإعلامية التجارية (القنوات 12 و13)، إذ يقضي بإلغاء الهيئات الرقابية المستقلة واستبدال "مجلس منظم للبث" بها، تعين وزارة الاتصالات معظم قياداته.

ويسعى القانون إلى تفكيك الضوابط التي تمنع الاحتكار الإعلاني والسياسي، مما يمنح الوزراء القدرة على الابتزاز المالي للشركات الإخبارية سحباً للتراخيص أو فرضاً للغرامات إن هي تمسكت بالاستقلالية التحريرية.

ولم تسلم هيئة البث الرسمية والتلفزيونية "كان" من الاستهداف، إذ تكررت المحاولات التشريعية لقصقصة موازناتها أو إرغامها على الخصخصة، تحت ذريعة أن البرامج التحقيقية والوثائقية التي تنتجها تسهم في تفكيك "اللحمة الوطنية" وتتحامل على قيادات اليمين.

 المشهد الراهن

​يعيش المشهد الإعلامي الإسرائيلي في الوقت الحالي أعمق حال انقسام وإعادة هيكلة في تاريخه، فإعلام السردية المطلقة المتركز في القناة "14"وقنوات اليمين، تحول إلى أداة ترويج سياسي وأيديولوجي مباشر للائتلاف الحكومي، مع الامتناع عن عرض أي مشاهد أو تقارير تبرز حجم الخسائر البشرية أو المعاناة الإنسانية في الجبهات المختلفة، والتركيز الكامل على الخطاب الحكومي والتحريض على المؤسسات القضائية والعسكرية.

 

 

وبين الحذر والرقابة الذاتية، تعيش القناتان "12" و"13" الإخباريات التجارية وسط حال توازن حرج ومربك، إذ تحاول الاحتفاظ بالحد الأدنى من المهنية والتحقيقات السياسية، لكنها تخضع لضغط الرقابة العسكرية الشديدة، وتخشى التوسع في نقد السياسات الأمنية تجنباً لفقدان قاعدتها الإعلانية أو التعرض لهجوم من الجمهور اليميني بتهمة "ضعف الوطنية".

في حين تواجه صحيفة "هآرتس" والإعلام العربي ضغوطاً استثنائية، فالصحف الليبرالية تعاني تجفيف الموارد المالية الحكومية، بينما يواجه الإعلام العربي في الداخل (فلسطينيو 48) استدعاءات شرطية وأمنية مستمرة وملاحقات لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي، مما أدى إلى تجريف وتغييب شبه كامل للصوت العربي المناهض للحرب عن الفضاء العام.

وتمارس الرقابة العسكرية المباشرة دوراً تحريرياً كاملاً وشبه يومي في غرف الأخبار، حيث بات يشطب أو يعدل المئات من المواد التحقيقية قبل خروجها للعلن تحت بند "السرية والأمن القومي".

​الحريات الإعلامية

​وفقاً لبيانات منظمة "صحافيون بلا حدود RSF))" فإن مؤشر حرية الصحافة في إسرائيل تراجع من المرتبة 88 عالمياً إلى المرتبة 116، وهو تصنيف تؤكد المنظمة فيه تحول البيئة الإعلامية الإسرائيلية إلى تصنيف "الصعبة والأنظمة التقييدية".

وبحسب بيانات الرقيب العسكري عبر مجلة "972+" فقد تم حظر نشر 1635 مقالاً وتحقيقاً صحافياً بالكامل في عام واحد، مع ممارسة شطب مسبق لكل التحقيقات التي تمس إخفاقات الحرب أو المؤسسة الأمنية، وأخضع 6265 مقالاً لشطب جزئي وتعديل قبل النشر، بمعدل يومي يتجاوز 21 تقريراً صحافياً يعدل أو يحظر، وهو الرقم الأعلى منذ عقود.

وذكر معهد الديمقراطية الإسرائيلي IDI)) أن 53 في المئة من اليهود و70 في المئة من العرب يفضلون الصمت السياسي، تجنباً لتفشي الرقابة الذاتية وخوف المواطنين والصحافيين من الملاحقة الوظيفية والأمنية.

وتتكامل هذه الأرقام مع ما كشفته المسوح التحليلية لسلوك التغطيات التلفزيونية الصادرة عن المعهد نفسه، التي تبين أن أقل من ثلاثة في المئة فقط من المواد الإخبارية في القنوات المركزية تطرقت إلى الأبعاد الإنسانية في القطاع، تجنباً للوقوع تحت طائلة الشطب العسكري أو الاتهام بـ"خيانة المعنويات الوطنية".

وتكشف تفضيلات الاستهلاك الإعلامي لدى الجمهور الإسرائيلي، وفقاً لبيانات سلطة التطوير التقني والإنترنت الإسرائيلية ISOC ومسوح المشاهدة الدورية، عن مجتمع إسرائيلي يعيش داخل فصول مغلقة وفقاعات معلوماتية معزولة تماماً، مقسمة بناءً على الانتماء السياسي والديني.

صحف وقنوات

وبحسب خريطة البث التلفزيوني التي تظهر قياس نسبة المشاهدة ووثقها معهد IDI))، تحافظ القناة "12" (Keshet) على صدارتها بنسبة مشاهدة تراوح ما بين 50 و70 في المئة كخيار رئيس، متكئة على شريحة العلمانيين ومعسكر الوسط واليسار وسكان منطقة المركز (تل أبيب وضواحيها).

في حين حققت القناة "14" (Now) ظاهرة غير مسبوقة بتحولها من قناة هامشية إلى القناة الثانية في إسرائيل بنسبة مشاهدة بلغت 20 إلى 30 في المئة، فهي تتميز بتبنيها خطاباً يمينياً متطرفاً وموالياً لنتنياهو.

وتظهر البيانات البحثية أن 25 في المئة من متابعي القناة "14" لا يشاهدون أي قناة إخبارية أخرى نهائياً، وأن 96 في المئة من جمهورها ينتمون صراحة لتيار اليمين القومي والديني، مما يعكس انعزالاً تاماً عن أي سردية تحليلية أخرى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبينت النتائج تراجع متابعة القناة "13" وهيئة البث "كان" لتراوح ما بين 13 و15 في المئة فقط، جراء الضغوط الاستثمارية والحملات الحكومية الموجهة ضدهما.

ووفقاً لأرقام سلطة الإنترنت الإسرائيلية ISOC)) يتصدر موقع (Ynet) "يديعوت أحرونوت" الفضاء الرقمي بنسبة تتجاوز 40 في المئة كخيار إخباري أول، يليه موقع N12 التابع للقناة "12"، مشيرة إلى أن تطبيقات التواصل المغلقة "تيليغرام" و"واتساب" باتت المصدر الأساس لنحو 52 إلى 65 في المئة من الشارع الإسرائيلي للحصول على الأخبار العاجلة الميدانية، وتحديداً لدى المجموعات الاستيطانية وتيارات اليمين التي تفضل استهلاك الأخبار دون فلترة تحريرية أو رقابة قضائية.

في حين بينت مسوح معهد IDI وقراءات الصحف أنه وعلى رغم تراجع الصحافة المطبوعة لتبلغ نسبة قراءتها بين 14 و 16 في المئة فقط بين عموم السكان الإسرائيليين، تتصدر صحيفة "إسرائيل هيوم" (المجانية والداعمة لليمين) المبيعات ورقياً، متفوقة على "يديعوت أحرونوت"، بينما لا تتجاوز صحيفة "هآرتس" نسبة 4 في المئة المحصورة في الأوساط النخبوية.

وتشير دراسات المعهد إلى أن الفئة الوحيدة التي ترتفع لديها القراءة الورقية للصحف بنسبة تصل إلى 35 في المئة هي فئة الأحزاب الحريدية والمتدينة المتشددة، نتيجة تحريم استخدام الهواتف الذكية والتلفزيون داخل مجتمعاتها الملازمة للمدارس الدينية.

​مواجهة مباشرة

​تستمد هذه الأزمة سخونتها من طبيعة المواجهة الكلامية والسياسية بين صناع القرار في المؤسسة السياسية والقيادات العسكرية والقضائية، ومن داخل الائتلاف الحكومي صرح كاتس بوضوح عند إعلانه قرار تصفية الإذاعة "ما كان لن يكون بعد الآن.

إذاعة الجيش أنشئت لتبث للجنود ولتكون صوتاً لهم، وليس منصة للآراء والتحليلات التي تهاجم الجيش وتضعف معنويات المقاتلين في منتصف الحرب".

 

 

وعقب صدور حكم المحكمة العليا بإلغاء القرار عاد كاتس ليتحدى القضاء قائلاً "أنا أختلف تماماً مع قرار المحكمة التي وضعت تقديرها فوق تقدير الحكومة المنتخبة"، وأضاف "عندما ننال ثقة الجمهور مجدداً في الانتخابات المقبلة، سنكمل العملية ونغلقها".

من جانبه، اتهم كرعي القضاة بـ"التغول القضائي"، صاعقاً في تصريحاته بالقول إن المحكمة "تحمي جيوب النخبة القديمة والإعلام المعادي لليمين على حساب دافعي الضرائب الذين يقتلون في الميدان".

وعلى رغم تحفظ رؤساء الأركان المتعاقبين على تبعية إذاعة إخبارية مدنية للجيش تنظيمياً، فإنهم رفضوا باستمرار تصفيتها تعسفياً، وقد استندت المحكمة العليا في حكمها إلى توصيات سابقة أعدتها لجنة مهنية ترأسها رئيس الأركان إيال زامير، أوصت بضرورة إبقاء الإذاعة وتطويرها لا إغلاقها، مما أثبت للمحكمة أن دوافع الوزير كاتس كانت "انتقامية وسياسية".

وقد كتب في النص المحكم للقرار الصادر عن القاضي يحيئيل كاشر وزملائه "لا يمكن لشخص يحمل سلطة حكومية، لمجرد أنه لا يوافق على ما يقوله المذيع، أن يقرر إغلاق الميكروفون بوجهه، أي حكومة تتصرف بهذه الطريقة هي حكومة تتصرف بشكل غير ديمقراطي وواضح".

في المقابل، اعتبر رئيس حزب الديمقراطيين، يائير جولان، أن السعي إلى إغلاق المحطة هو محاولة لمسح ملفات الفشل السياسي ولجان التحقيق الرسمية في أحداث السابع من أكتوبر (تشرين الأول)، مؤكداً أن المعركة هي لحماية ما تبقى من هيئات نقدية.

حرب شرسة

​إن قراءة مشهد الإغلاق وإلغائه، والتأمل في الأرقام والتصريحات المتبادلة، تقودنا إلى أن إسرائيل لا تخوض فقط حرباً على جبهاتها الخارجية، بل تخوض حرباً داخلية شرسة لإعادة تشكيل عقل مجتمعها، فلم تعد القصة مجرد إذاعة يبث منها مجندون أغاني وموجزات إخبارية، بل باتت تتعلق بـ"سلب الميكروفون" من أي صوت يذكر الشارع بوجود رأي آخر، أو يطالب بلجان تحقيق، أو ينقل زاوية نقدية لسلوك الحكومة.

إن الاستقطاب الإعلامي الحاد، بين جمهور يتابع حصرياً "القناة 14" ومواقع "تيليغرام" المغلقة، وجمهور آخر يحتمي بالمحكمة العليا ونقابة الصحافيين، يبين أن المجتمع الإسرائيلي يتجه بخطى متسارعة نحو تفكيك مؤسساته التقليدية لصالح سلطة سياسية تنفرد بفرض الرواية، وما توعُّد كاتس بالعودة لإغلاق "إذاعة الجيش" فور انتهاء الانتخابات إلا إشارة صريحة إلى أن المعركة لم تنته، بل أجلت جولتها المقبلة، جولة لن تقلم فيها الأظافر فحسب، بل قد تقطع فيها ألسنة الصحافة المستقلة برمتها باسم "إرادة الناخب" و"ضرورات الحرب".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير