ملخص
جددت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات طرح ملف المساواة في الميراث، في إطار ندوة دولية انتظمت بالعاصمة تحت عنوان "أين نحن من المساواة؟"، بمشاركة حقوقيات ومحاميات وناشطات من تونس وعدد من الدول العربية.
وقالت رئيسة الجمعية رجاء الدهماني إن الجمعية ستواصل طرح مسألة المساواة في الميراث والدفع نحو إقرار تشريع يكرس هذا المبدأ، معتبرة أن التمييز ضد المرأة لا يزال قائماً في عدد من المجالات.
70 عاماً على صدور "مجلة الأحوال الشخصية" التي غيّرت واقع المرأة والأسرة في تونس ورسخت مكاسب عُدت آنذاك من الأكثر تقدماً في المنطقة. لكن بعد سبعة عقود، يعود السؤال حول قدرة هذه المنظومة القانونية على مواكبة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفها المجتمع التونسي، وفي مقدمتها مسألة المساواة في الإرث، أحد أكثر المواضيع حساسية وجدلاً بخاصة في الأوساط الحقوقية.
فهناك من يرى أن المساواة في الإرث مسألة لا بد من مراجعتها باعتبارها قضية تمس خصوصاً النساء من الفئات الهشة والفقيرة، ومن يعتبر أن طرح هذا الملف في الظرف الراهن غير ملائم، مع الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها البلاد.
التمييز لا يزال قائماً
جددت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات طرح ملف المساواة في الميراث، في إطار ندوة دولية انتظمت بالعاصمة تحت عنوان "أين نحن من المساواة؟"، بمشاركة حقوقيات ومحاميات وناشطات من تونس وعدد من الدول العربية.
وقالت رئيسة الجمعية رجاء الدهماني إن الجمعية ستواصل طرح مسألة المساواة في الميراث والدفع نحو إقرار تشريع يكرس هذا المبدأ، معتبرة أن التمييز ضد المرأة لا يزال قائماً في عدد من المجالات.
وأوضحت أن من أبرز الملفات التي تطالب الجمعية بمراجعتها مسألة المساواة في الإرث، باعتبارها "قضية تمس خصوصاً النساء من الفئات الهشة والمهمشة والفقيرة".
وتأتي هذه الندوة في إطار مساعي المشاركات لإعداد "إعلان تونس للمساواة داخل الأسرة" الذي وقّع في الـ13 من أغسطس (آب) الجاري، تزامناً مع عيد المرأة التونسية والذكرى الـ70 لصدور "مجلة الأحوال الشخصية" عام 1956.
ويعود الجدل حول المساواة في الميراث للواجهة منذ سنوات، ولا سيما منذ عام 2017، مع أعمال "لجنة الحريات الفردية والمساواة" التي أقرها رئيس الجمهورية الراحل الباجي قائد السبسي والتي اقترحت مراجعة منظومة الإرث، قبل تقديم مشروع قانون عام 2018 الذي ينص على المساواة في الميراث مع إتاحة إمكان اختيار التقسيم وفق الأحكام التقليدية. ولم يُعرض المشروع على التصويت، ليبقى الملف محل نقاش مجتمعي وقانوني وسياسي يطفو إلى السطح من حين إلى آخر.
وتستند الجهات الداعية إلى المساواة في الميراث إلى مبدأ المساواة بين المواطنين وتغير الأدوار الاقتصادية والاجتماعية للمرأة، معتبرة أن مساهمتها في الإنفاق وتحمل المسؤوليات الأسرية تتطلب مراجعة العلاقة بين الحقوق والواجبات.
في المقابل، يرى الرافضون للمساواة أن أحكام الميراث تستند إلى نصوص دينية قطعية وأن المسألة ترتبط بخصوصية الأسرة والمجتمع، مشيرين إلى أن حالات الإرث لا تقتصر على قاعدة حصول الرجل على ضعف نصيب المرأة، إذ توجد حالات ترث فيها المرأة أكثر من الرجل أو ترث مثله.
وبينما تؤكد الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات عزمها مواصلة الضغط من أجل إعادة طرح مشروع المساواة في الميراث، يتجدد النقاش حول حدود الإصلاح التشريعي وتوقيته، ومدى ملاءمة مراجعة هذه الأحكام للتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي عرفتها البلاد.
القانون ليس "متحفاً للقرون الماضية"
من جهتها شددت الناشطة التونسية هاجر الأسود على أن "الاحتفال بعيد المرأة التونسية لا ينبغي أن يقتصر على استحضار المكاسب التاريخية، بل يجب أن يكون مناسبة لمواصلة طرح الأسئلة حول مدى ملاءمة القوانين والحقوق للواقع الاجتماعي والاقتصادي المتغير".
وقالت الأسود إن "ملف الميراث يمثل أحد أبرز الملفات التي تستحق نقاشاً مجتمعياً هادئاً وعميقاً"، مشيرة إلى أن "القرآن أحدث، في سياقه التاريخي، تحولاً مهماً عندما أقر للمرأة نصيباً من التركة، بعدما كانت الأعراف السائدة تحرم النساء والأطفال من الإرث في حالات كثيرة". وأضافت أن "التاريخ لا يتوقف عند لحظة نزول النص، والمجتمع تغير بصورة جذرية، فالمرأة اليوم تعمل وتساهم في دفع الضرائب ونفقات الأسرة، وتملك العقارات وتبني الثروة، كما تتحمل في كثير من الحالات أعباء اقتصادية وأسرية كبيرة".
وتساءلت، "إذا تغيرت المسؤوليات، فهل يجب أن يبقى توزيع الحقوق ثابتاً بينما تتغير الواجبات؟"، معتبرة أن "النقاش الحقيقي يجب أن ينطلق من التمييز بين قداسة مبدأ العدل وتاريخية بعض التطبيقات الاجتماعية".
ورأت الأسود أن "بعض مسائل نظام الإرث التقليدي، ومن بينها حالات التعصيب، يستحق إعادة النظر والنقاش، بخاصة عندما يرث قريب من جهة الأب مع البنات من دون أن يكون بالضرورة متحملاً لمسؤولية إعالتهن في الواقع الاجتماعي المعاصر".
وشددت على أن طرح هذه المسائل "ليس معركة ضد الدين، وإنما معركة من أجل العدل داخل قراءة الدين"، معتبرة أن "تغير الواقع الاجتماعي والاقتصادي يفرض فتح نقاش فكري وقانوني جاد حول علاقة الحقوق بالواجبات".
وفي حديثها عن تجربة الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، رأت أن "أهمية الإصلاحات التي عرفتها تونس آنذاك لم تكُن فقط في تغيير بعض القوانين، وإنما في تكريس فكرة أن المجتمع قادر على مراجعة ما ورثه، وأن القانون ليس متحفاً للقرون الماضية، وأن المرأة يجب أن تكون فاعلاً كاملاً في المجتمع لا مجرد طرف تُتخذ القرارات في شأنه".
لنقاش قانوني وفقهي
من جانبها قالت المتحدثة الرسمية باسم جمعية "أبناء مقاومي حركة التحرير" ريم مختاري إن "النقاش لا يمكن أن يكتمل من دون فتح حوار مجتمعي رصين حول مسألة الميراث باعتبارها من أكثر الملفات حساسية، ودراسة مدى انسجام الأحكام الحالية مع مبدأ المساواة الذي أقره الدستور، مع احترام قناعات المجتمع وخصوصية الموضوع، وترك المجال لنقاش قانوني وفقهي ومجتمعي عميق بعيداً من المزايدات".
وأوضحت أن "أحكام الإرث تتضمن حالات تختلف فيها أنصبة النساء عن الرجال بحسب صلة القرابة والوضعية الإرثية"، مما يتطلب، وفق رأيها، "نقاشاً جدياً ومتعدد الأبعاد حول مستقبل هذه الأحكام".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وأكدت أن "تكريم مجلة الأحوال الشخصية لا يعني تجميدها، كما أن تطويرها لا يعني التنكر لمنجزها التاريخي"، معتبرة أن "أصدق وفاء لمن أرسوا هذا الإصلاح هو مواصلة مسيرته وتطويره بما يعزز قيم المساواة والكرامة والشراكة والعدل".
وختمت ريم مختاري بالتأكيد على أن "مرور 70 عاماً على مجلة الأحوال الشخصية يجب أن يكون مناسبة للتطلع إلى الـ70 سنة المقبلة، بما يجعلها أكثر إنصافاً للمرأة وأكثر حماية للأسرة وأكثر قدرة على مواكبة تونس التي تغيرت وتطورت".
تقدم المجتمع
من جهته أوضح النائب التونسي لزهر ضيفي أن "الجدل حول المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية يظل مرتبطاً، في جانب منه، بالنقاش حول المساواة في الإرث"، قائلاً إن "المسألتين أثارتا مواقف متباينة داخل مجلس النواب".
وأشار إلى أنه "خلال مناقشة عدد من الاتفاقات المتعلقة بحقوق المرأة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطفل، برز خلاف بين من يعتبرون أن هذه الحقوق لا ينبغي ربطها بمسألة الإرث، ومن يرون فيها مدخلاً غير مباشر لتجاوز الأحكام التي جاءت بها الشريعة الإسلامية في مجال الميراث"، مضيفاً أن "التصويت انتهى إلى المصادقة على مبدأ المساواة، غير أن مسألة الإرث بقيت محل جدل، وتعود للواجهة من حين إلى آخر، خصوصاً في المناسبات المرتبطة بتاريخ مجلة الأحوال الشخصية".
وبيّن ضيفي أن "النقاش حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية لم يُربط بصورة مباشرة بمسألة الميراث"، على رغم ما وصفه بـ"التقدم الحثيث الذي يشهده المجتمع باتجاه التوزيع المتناصف للموروث بين الورثة، من خلال ما يقوم به أصحاب الأموال والممتلكات من توزيع منابات الإرث على ورثتهم خلال حياتهم".
وختم النائب بالقول إن "مسألة الميراث لا تزال تمثل في هذا السياق، استثناءً عن بقية مسارات المساواة التي شهدت تطوراً على المستويين التشريعي والمجتمعي".