ملخص
مريم أبو دقة... حياة أضاءت بعدستها عتمة غزة، فوثقت وجع أهلها وحكايات أطفالها وأمهاتها تحت القصف، وظلت تحمل الكاميرا بوصفها رسالة لا مجرد مهنة، حتى أطفأت غارة إسرائيلية حياتها وهي تغطي الهجوم على مجمع ناصر الطبي. رحلت مريم، لكن الصور التي صنعتها بقيت شاهدة على الحرب التي أصرت على نقلها إلى العالم حتى اللحظة الأخيرة.
يمد أحد أفراد العائلة يده إلى الكيس الذي يحتوي جثمان مريم أبو دقة، يحتضن وجهها برفق، ثم يضع هاتفاً محمولاً بمحاذاة أذنها.
إنها لحظة موجعة، فمريم، الصحافية في "اندبندنت عربية"، قُتلت للتو في غارة إسرائيلية مزدوجة استهدفت آخر مستشفى لا يزال يعمل في جنوب غزة. وحولها، يحتشد المشيعون في مشهد يختصر فاجعة الفقد.
على الطرف الآخر من الهاتف ابنها الوحيد غيث، البالغ 14 عاماً، وهو يودّعها.
كان يبعد عنها أكثر من ألف ميل، بعدما بذلت والدته جهداً كبيراً قبل عام لإجلائه إلى الإمارات بحثاً عن الأمان.
وهكذا، وسط الحصار والقصف الإسرائيليين غير المسبوقين على غزة، لم يكن أمام الصبي المفجوع سوى هذه الطريق ليقول لأمه وداعه الأخير.
في واحدة من آخر المقابلات التي أجرتها قبل مقتلها بقليل، قالت مريم عن غيث باكية: "بصراحة ... كنت ضد أن يكون ابني بعيداً عني، لأنه حرفياً حياتي كلها ... لكنني كنت أصور الشهداء كل يوم، وكانوا أطفالاً، أطفالاً فقط، إلى درجة أنني تخيلت غيث ذات يوم بينهم".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كان قد مضى أكثر من عام على مغادرته، كما أوضحت في مقابلة مع منظمة ’فلسطينيات‘، وهي تواجه صعوبة في الحديث: "لا يزال يتابع الأخبار ... وكلما وردت أنباء عن استهداف صحافيين وكنت غير متصلة بالإنترنت، كان يهاتفني. يقول: ’أمي، هل أنت بخير؟ أرجوك أخبريني أنك بأمان. طمئنيني عليكِ‘... كان ذلك يمنحني شعوراً بأن هناك شخصاً ... يهتم بي حقاً".
والآن، بعدما تحققت أسوأ مخاوف غيث، ستكون هذه آخر مكالمة يجريها مع والدته. هذه المرة، لوداعها، على أمل أن يصل صوت الوداع إلى روحها في مكان ما وتسمعه.
قتلت إسرائيل مريم، وهي في عمر 33 عاماً، في الـ25 من أغسطس (آب) 2025، بينما كانت تغطي عملية قصف زميلها حسام المصري، المصور لدى وكالة "رويترز". وكانت إسرائيل قد قتلت حسام قبل نحو ثماني دقائق، بينما كان يتفقد كاميرته التي كانت تبث ما يجري بشكل مباشر لـ"رويترز" من مستشفى ناصر، وهو مبنى تحميه القوانين الدولية. وكانت مريم قد سارعت إلى المكان لمعرفة ما حدث.
يعني هذا أن مقتلها كان يُبث مباشرة إلى العالم. وكان صديق مريم، مراسل قناة ’غد تي في‘ إبراهيم قنان، يصور كل ما يجري من موقعه للبث المباشر، على بعد أمتار قليلة فقط. وبعد القذيفة الأولى من الدبابة، التي فجّرت حسام، وجّه كاميرته فوراً نحو الدرج الخارجي الذي كان يقف عنده.
في اللقطات التي صورها إبراهيم، تظهر مريم هناك، ترتدي حجاباً أبيض وعباءة سوداء. وكل صحافي غطّى نزاعاً من قبل سيتعرف فوراً إلى ذلك التركيز الشديد؛ فهي غارقة تماماً في مهمتها، تصور باهتمام عملية الإنقاذ على هاتفها المحمول. لا وقت لديها للتفكير أو لاستيعاب حزنها، ولا حتى لإدراك هول ما يجري من حولها. في تلك اللحظة، كانت مريم منصرفة إلى مهنتها.
ومع تزايد أعداد الصحافيين وعناصر الاستجابة الأولى والمسعفين والمدنيين على الدرج، دوّى انفجار ثانٍ يصم الآذان، وابتلعت عاصفة من الشظايا المتطايرة وقطع الإسمنت والخشب والغبار مريم إلى الأبد. قُتلت في ذلك اليوم داخل المستشفى نفسه الذي وُلدت فيه.
وصف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مقتل نحو 22 شخصاً بأنه "حادثة مأسوية غير مقصودة". وقال الجيش الإسرائيلي إن الهدف كان كاميرا "وضعتها ’حماس‘... لمراقبة تحركات قوات الجيش الإسرائيلي"، ثم حدّد لاحقاً ستة أشخاص قال إنهم من مقاتلي "حماس". وسرعان ما أكدت وكالة "رويترز" أن الكاميرا كانت تستخدم لبثها المباشر.
لكن تحقيقاً وإعادة بناء استغرقا عاماً كاملاً أجرتهما صحيفة "إندبندنت"، وتم نشرهما اليوم، يقدمان رواية مختلفة تماماً عن الادعاءات الإسرائيلية، ويكشفان عن أدلة قال خبراء في القانون الدولي إنها تشير إلى انتهاكات للقانون الدولي، وإلى جرائم حرب محتملة. جرائم حرب أمضت مريم سنوات في توثيقها من الميدان.
كانت مريم محبوبة من قبل الذين عاشوا وعملوا إلى جانبها. وليس هذا مجرد مديح تحمله العاطفة بعد رحيلها، لأن الناس لا يسيئون الحديث عن الموتى.
كانت عائلتها، ونحو 12 صحافياً مختلفاً، وأشخاص عاشوا وعملوا في محيط مستشفى ناصر، مجمعين على الإشادة بها. وصفوها بأنها "نعمة" و"استثنائية" و"متفانية" و"طيبة" و"مصممة" و"مخلصة" و"أخت بيننا".
تقول براء لافي البالغة من العمر 30 عاماً، وهي صديقة مقربة لمريم، وزميلتها في السكن وصحافية مثلها، وأصيبت أيضاً في الهجوم على المستشفى: "كانت إنسانة بكل ما للكلمة من معنى، بعمق وصدق، ولم تكن مجرد صحافية".
وتتابع الصحافية السويدية - الفلسطينية، وقد بدت عليها صعوبة العودة بذاكرتها إلى ذلك اليوم: "في كل قصة كانت مريم تذهب لتصويرها، كانت تشعر بألم الناس الذين يعيشونها".
وفي اللقطات التي يظهر فيها جثمان مريم ممدداً على الأرض، تبدو براء جاثية إلى جوارها، ملقية رأسها إلى الخلف لتسنده إلى الجدار بجانبها، غارقة في حزن ساحق وعارم.
----------------------------
بدأت مريم العمل كمصوّرة عام 2016، بعد تخرجها في تخصص الصحافة ودراسات الإعلام. لكنها، بحسب كلماتها، كانت في طفولتها تلهو بكاميرات لعبة وتتظاهر بالتقاط الصور كما لو أنها حقيقية.
كانت قد غطت حروباً وأزمات عدة، وفي نحو عام 2021، خلال الحرب في غزة، بدأت العمل مع "اندبندنت عربية"، إلى جانب وكالة "أسوشيتد برس" ومنظمة "أطباء بلا حدود".
وعندما شنت إسرائيل أعنف قصف لها على غزة على الإطلاق، في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الدامية عام 2023 التي نفذها مسلحو "حماس" في إسرائيل، قررت مريم البقاء ومواصلة تغطية الرد الإسرائيلي، الذي كان عنيفاً إلى درجة أن لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة خلصت إلى أنه إبادة جماعية. وواصلت عملها رغم تحذير لجنة حماية الصحافيين من أن غزة واحدة من أخطر الأماكن في العالم على الصحافيين، وأن إسرائيل قتلت من العاملين في الإعلام أكثر من أي دولة أخرى على الإطلاق وفق السجلات المتاحة.
كانت تعمل عن قرب مع شقيقها صدّيق، الذي كان يرافقها وكثيراً ما يتولى تصويرها أثناء إعداد تقاريرها.
يقول: "في كل الحوادث، كنت تجدها هناك أولاً. بكل ما لديها من الطاقة والحماسة، كانت تصل قبل أن يبدأ الحدث حتى، ولم يكن أحد يستطيع أن يسبقها، أتفهم قصدي؟"
وبفضل ذلك، كانت مريم حاضرة بقوة على وسائل التواصل الاجتماعي؛ إذ ركزت منشورات كثيرة لها على الأطفال وأمهاتهم المفجوعات اللواتي يعشن المراحل المتعددة للحزن. وكانت تضيف صوتها إلى تلك القصص، لأنها هي أيضاً عاشت النزوح والجوع والقصف.
تقول في مقطع مصور نشرته على "فيسبوك"، بينما كانت تسير في شارع مدمر: "أصبحت الأيام متشابهة إلى حد يصعب معه التمييز بينها. هذه هي الحقيقة التي نعيشها ... همّك الوحيد هو أن تجد ما يكفي من الطعام لسد رمق أطفالك. الأطفال الذين قُتلوا في هذا الهجوم [الأخير] ذهبوا إلى النوم وهم جائعون. غفوا وهم يأملون أن يجدوا شيئاً يأكلونه. لكنهم بدلاً من ذلك تعرضوا للقصف وقُتلوا وهم نائمون".
كان بإمكان مريم أن تجد طريقاً للخروج من غزة برفقة ابنها، لكنها اختارت أيضاً البقاء إلى جانب والديها ودعمهما.
وقد تولت رعاية والدتها التي أحبتها كثيراً، وكانت مصابة بالسرطان، حتى توفيت في مايو (أيار) عام 2024، وسط موجات نزوح متكررة وقصف غير مسبوق، في وقت لم يكن العلاج أو الدواء متاحاً إلا بشكل محدود.
في عام 2015، تبرعت مريم بكليتها لوالدها المريض، رياض أبو دقة. وفي خضم حزنه، يقول إن عزاءه الوحيد هو أنها، حرفياً "لا تزال معي دائماً".
ويقول محمد أبو شحمة، وهو صحافي فلسطيني آخر من خان يونس مثل مريم، إن أحد أسباب بقائها في غزة كان محاولتها العثور على الطعام والماء لوالدها خلال المجاعة، لأنه كان يحتاج إلى رعاية وتغذية خاصتين.
وتضيف صديقتها براء أن مريم كانت دائماً تضع الآخرين وعملها قبل نفسها.
وفي مرات عدة، كانت مريم تقتسم آخر قطعة خبز لديها مع براء حتى لا تبقى جائعة. وفي إحدى المرات، حاولت مريم، عند منتصف الليل وبمفردها، إنقاذ براء وعائلتها بعدما علقوا تحت الحصار والقصف العنيف في مدينة رفح جنوب القطاع.
تقول براء: "كانت كثيراً ما تبتعد عن التصوير لتواسي الأطفال".
لكن كل هذا البؤس ترك أثره فيها.
تقول مريم في مقابلتها مع منظمة ’فلسطينيات‘، وهي ترتدي سترة واقية زرقاء مخصصة للصحافيين، وتجلس فوق الركام وتمسح دموعها: "كان فقدان أمي أصعب شيء. تغيرت حياتي بالكامل بعد ذلك، ولم تعد الحياة كما كنت أعرفها ... بسبب هذه الحرب، اضطررت إلى إرسال ابني إلى الإمارات، وكان ذلك أيضاً بالغ الصعوبة. كان هذان الحدثان أصعب ما مررت به في حياتي، ليس فقط خلال الحرب، بل في حياتي كلها، لأن وجودي كان مرتبطاً بهذين الشخصين: ابني وأمي".
قبل ثلاثة أيام من مقتلها، أرسلت مريم رسالة يائسة إلى هادي طرفي، مساعد رئيس تحرير "اندبندنت عربية"، قالت فيها إنها تخشى أن تضطر إلى النزوح مجدداً. وجاء ذلك وسط مخاوف من أن يكون مستشفى ناصر هو الهدف التالي، في ظل نمط موثق جيداً تتبعه إسرائيل، يقوم على تطويق المراكز الطبية الكبرى وقصفها وفرض الحصار عليها.
ويظهر صوتها بوضوح أنها مريضة، إذ كانت الرسالة الصوتية تتخللها نوبات سعال عميقة تهز صدرها.
قالت: "تم إبلاغنا بضرورة الإخلاء"، وسألت هادي عما إذا كانوا لا يزالون يتابعون وضعها لضمان سلامتها. وتابعت: "إذا وجدت مكاناً في المواصي، سأخبرك، لأنني حتى الآن لا أعرف إلى أين أذهب ... ليس لدي مكان أذهب إليه".
لكن مريم لم تتوقف عن العمل قط. وفي الفترة نفسها تقريباً، أرسلت أيضاً رسالة إلى محمد غندور، أحد المحررين الآخرين في "اندبندنت عربية"، الذي نشأت بينه وبين مريم صلة خاصة بوصفه مواطناً لبنانياً، دمرت إسرائيل منزل عائلته في جنوب لبنان أيضاً.
يقول محمد: "لقد وُلدت والكاميرا في يديها"، مضيفاً أنها كانت تكافح للموازنة بين أدوارها كصحافية وأم وضحية.
وقال أصدقاؤها إن مريم، في أيامها الأخيرة، كانت تشعر بأنها "محاصرة بالموت".
وكان الصحافي الفلسطيني البارز أنس الشريف، الذي عمل لصالح قناة الجزيرة، قد قُتل قبل أسابيع قليلة في عملية اغتيال إسرائيلية استهدفته داخل خيمته في مستشفى الشفاء بمدينة غزة.
وكحال كثير من الصحافيين الفلسطينيين، كتبت مريم وصايا عدة تحسباً لحدوث الأسوأ، بينها وصية لابنها، حثته فيها على أن يواصل حياته ويزدهر، وأن يصبح رجل أعمال، وألا يبكي إذا وقع ما كانت تخشاه. أما وصيتها الأخيرة لابنها الحبيب بعد رحيلها فكانت أنه، إذا رُزق بابنة، أن يسميها مريم.
تركت مريم هذه الوصايا لدى براء، التي وجدت نفسها أمام المهمة المفجعة المتمثلة في تسليمها.
مرت مريم بلحظات شعرت فيها بيأس لا عزاء له، واعترفت أكثر من مرة بأنها أرادت "أن تتخلص من الكاميرا". كانت تشعر بأنهم يوثقون إبادة جماعية لحظة بلحظة، فيما كان العالم يقابل ذلك بلا مبالاة.
لكنها، كعادتها، لم تستسلم قط.
تقول في آخر مقابلة لها، وهي تقف بثبات في سترتها الصحافية وسط الركام الرمادي المغطى بالرماد: "الصعوبات والاستهداف الذي تعرضنا له جعلا تعلقنا بالمهنة أقوى في الواقع، على رغم الخطر والظروف القاسية التي كنا نعيشها ... نواصل تغطيتنا الصحافية لنقل الرسالة إلى العالم الخارجي. تمسكنا بهذه المهنة أكثر، وتعاظم حبنا لها".
*ساهم في إعداد التقرير نضال حمدونة وعز الدين أبو عيشة من غزة.
© The Independent