ملخص
لا يعبر النزاع الإعلامي الحالي في العراق بالضرورة عن توجهات الرأي العام فهناك أطراف تريد ثني الحكومة عن الالتزام بموعد تسليم السلاح، والفاعل الرئيس الحالي في الحرب الإعلامية هو الجيوش الإلكترونية. وما يجري حالياً ليس معركة بالمعنى الحرفي بقدر ما هو صراع سياسي وفكري حول مستقبل السلاح ودور القوى التي حملته، ومحاولة من طرفين لإثبات مواقفهما ووجهات نظرهما كل من موقعه ومنظومته الفكرية والاجتماعية.
"هل سيسلم حميد سلاحه؟" تعبير تهكمي انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي بعد بث إعلانات حكومية تدعو إلى تسليم سلاح الفصائل ضمن المدة التي حددتها الحكومة في الـ30 من سبتمبر (أيلول) المقبل. وتقابل الإعلانات الحكومية المصورة، دعوات من قنوات ومواقع ترتبط بالفصائل تدعو إلى الاحتفاظ بالسلاح وعدم تسليمه.
الإعلان المصور الذي بُث على القنوات الرسمية بعنوان "من السلاح إلى الحياة"، "سلِّم تَسلَم وتأمن" يدور في أجواء قرية عراقية حيث يطالب شخص سيدة اسمها "نشمية" بحث ابنها "حميد" على تسليم سلاحه.
في المقابل استخدمت القنوات الولائية أجواء الإعلان الحكومي ذاته، والأسماء ذاتها ولكن بدعوة تختلف، فالشخص يوصل رسالة عبر السيدة "نشمية" لابنها "حميد" يطالبه بعدم تسليم سلاحه. لتتحول وسائل التواصل الاجتماعي بعدها إلى ساحات لسجال طويل وأسئلة عن شخصية "حميد" وعن لغز تسليم سلاحه من عدمه في الـ30 من سبتمبر المقبل.
تعددت ردود القنوات الولائية على الإعلان الحكومي إذ يظهر أحد الإعلانات المصورة مجموعة من الشباب وهم في ملعب لكرة القدم يوجهون رسالة إلى رئيس الوزراء علي الزيدي قائلين "السلاح ما نسلّم، تريد تلعب طوبة (كرة) تعال"، و"الموت أولى من ركوب العار"، وكان للفنان نصرت البدر رأي في تأييد دعوة الحكومة إلى حصر السلاح بيد الدولة عبر أغنية قدمها بعنوان "لازم ينحصر السلاح بيد الدولة يبقى".
وعلى ما يبدو ستشتد المعركة الإعلامية وساحتها هذه المرة إعلانات مصورة بين المعسكرين، الحكومي الداعي إلى تسليم السلاح، ومعسكر الفصائل الرافضة بمواقفها الواضحة تسليم سلاحها في الـ30 من سبتمبر، إذ يظهر إعلان آخر من الفصائل الرافضة تسليم السلاح انتقد مَن سماهم "مراهقي السياسة الذين يدعون إلى نزع سلاح المقاومة، وهم متناسون أن إسرائيل أقامت قاعدتين في عمق صحراء النخيب".
الحرب الإعلامية حاضرة وبقوة
يرى أستاذ العلوم السياسية إياد العنبر أن "الحرب الإعلامية ستكون حاضرة وبقوة خلال الأيام المقبلة وربما تمهد لتصعيد في المواقف".
ويشير العنبر إلى أن "النزاع الإعلامي الحالي لا يعبر بالضرورة عن توجهات الرأي العام، فهناك أطراف تريد ثني الحكومة عن الالتزام بموعد تسليم السلاح، والفاعل الرئيس الحالي هو الجيوش الإلكترونية التي تحاول أن تخلط الأوراق أو تبعث رسائل سواء كانت واضحة أو مبطنة في محاولات التعبير، لكن التوجه الحالي هو مع الدولة فغالبية العراقيين يصطفون مع هدف استعادة الدولة".
إلى ذلك يشير الصحافي بهاء خليل إلى أن "إعلام الفصائل وتحديداً تلك التي رفضت فكرة تسليم السلاح، وتحديداً 'النجباء'، و'كتائب حزب الله'، ستركز في حملتها الإعلامية على أن تسليم السلاح يعني الهزيمة والضعف أمام إسرائيل ومن ثم سترفع خيار المقاومة. أما الإعلام الحكومي فسيعتمد أسلوب الترهب والترغيب، والقول إن يد القانون ستطاول من لم يلتزم نزع السلاح مع نهاية سبتمبر".
ويتفق خليل مع العنبر حول أن "هناك رغبة لدى الرأي العام العراقي بإنهاء السلاح وبسط سلطة القانون، فالمجتمع العراقي ضاق ذرعاً بتصرفات الفصائل، لا سيما بعد فضائح الفساد والمكاتب الاقتصادية وكشف إمبراطورياتهم المالية والأموال التي يستولون عليها من خلال المنافذ الحدودية وتهريب النفط فهناك توجه شعبي لإنهاء النفوذ المسلح مع وجود هاجس الخوف من حدوث صدامات في مناطق الوسط والجنوب".
استقبل رئيس مجلس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة السيد علي فالح الزيدي، اليوم السبت، مجموعة من جرحى الحشد الشعبي.
— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء (@IraqiPMO) August 15, 2026
وثمن سيادته بطولات وتضحيات مقاتلي الحشد الشعبي الأبطال، إلى جانب باقي تشكيلات وصنوف قواتنا المسلحة، في دحر الارهاب، وتحرير أرض العراق من دنس الارهابيين، مؤكداً… pic.twitter.com/oUVoNN2sDJ
هيكلة السلاح
من جهته يرى الصحافي منتظر العطية أن "الدعاية الحكومية الخاصة بالدعوة إلى نزع السلاح تقوم على رؤية مفادها أن مزاج الإدارة الأميركية الحالية لا يعرف لغة المساومة والمراوغة مع القوى السياسية العراقية، لا سيما أنه بعد فشل واشنطن في إسقاط النظام السياسي في إيران، أصبح العراق جزءاً أساساً في تركيزها على محاصرة إيران اقتصادياً، وبخاصة أن العراق ما بعد عام 2003 يشكل الشريان والرئة الاقتصادية الأساسية لها".
ويلفت العطية إلى أن "الحكومة العراقية ترى أنها ما لم تتماشَ مع المطالب الأميركية، فإن أبسط أدوات واشنطن لمعاقبة العراقيين ستكون قطع تدفقات عائدات النفط العراقي بالدولار. وهي العائدات التي انخفضت أساساً عقب محاصرة إيران لمضيق هرمز ومنع وصول الإمدادات إلى أسواق الطاقة، مما أدى إلى تأخر الحكومة في صرف رواتب الموظفين، مما يهدد باندلاع موجة احتجاجات عارمة قد تتطور إلى مواجهة وحرب أهلية أشد ضراوة من تلك التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق".
وزاد أن "القوى السياسية العراقية تحاول الموازنة بين المطالب الأميركية ورغبات الفصائل، وإيجاد الحل الأنسب الذي يتبلور، حسب رؤيتها، في إعادة هيكلة هذا السلاح من خلال سنّ قانون جديد لهيئة الحشد الشعبي".
ليست معركة بل صراع سياسي وفكري
من ناحية ثانية، يشير الباحث والمختص في الشؤون السياسية والتطورات المجتمعية علي المكدام إلى أن "ما يجري حالياً ليس معركة بالمعنى الحرفي بقدر ما هو صراع سياسي وفكري حول مستقبل السلاح ودور القوى التي حملته، ومحاولة من طرفين لإثبات مواقفهما ووجهات نظرهما كل من موقعه ومنظومته الفكرية والاجتماعية".
ويرى المكدام أن "معالجة قضية السلاح لا يمكن أن تنجح عبر شيطنة طرف، ولا عبر التعامل مع الطرف الآخر، وكأنه يمتلك وحده الحقيقة الوطنية. الانتقال من واقع السلاح خارج مؤسسات الدولة إلى واقع جديد يتطلب، قبل كل شيء، بناء الثقة وطمأنة الطرف الذي يُطلب منه التخلي عن السلاح، لا دفعه إلى الاعتقاد بأن التسليم يعني نهايته السياسية أو الاجتماعية أو الأمنية".
ترأس رئيس مجلس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة السيد علي فالح الزيدي، اليوم الأحد، اجتماعاً لقيادة الدفاع الجوي، بحضور السيد مدير مكتب القائد العام للقوات المسلحة والسيد رئيس أركان الجيش.
— المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء (@IraqiPMO) August 16, 2026
وجرى، خلال الاجتماع، بحث خطة بناء وتطوير قدرات الدفاع الجوي، وتعزيز جاهزيته، بما يضمن… pic.twitter.com/PujYR7aMP1
صفقة ثقة
ويوضح المكدام أن "المسار الجدي لحصر السلاح بيد الدولة يحتاج إلى صفقة ثقة متكاملة وجدول زمني واقعي ومسار قانوني وسياسي لإعادة تنظيم وضع القوى والأفراد، ورسالة صريحة بأن إنهاء حمل السلاح لا يعني إنهاء الدور الوطني أو الانتقام من الماضي. بل ينبغي أن يكون واضحاً أن الانتقال إلى الدولة لا يمكن أن يكون انتقائياً، وأن شرعية السلاح في المرحلة المقبلة يجب أن تُستمد من القانون والمؤسسات الدستورية، لا من التوازنات أو المخاوف".
تهديدات وبيانات
وضمن الحرب الإعلامية التي تسبق الموعد النهائي لتسليم السلاح، نشر المسؤول الأمني لـ"كتائب حزب الله" أبو مجاهد العساف بياناً شديد اللهجة ضد الحكومة العراقية جاء فيه أن "شروطنا للمقاربة مع أي حكومة بقصد تنظيم العمل معها حول السلاح تتمثل في خروج القوات الأميركية وتحرير القرار السياسي والاقتصادي من الهيمنة الأميركية وإخراج القوات التركية المحتلة لشمال العراق وحل قوات البيشمركة". ووجه البيان انتقادات لرئيس الوزراء، "لقد صبرنا لأكثر من 100 يوم على العنتريات الفارغة لرئيس الحكومة المكلف الشاب علي الزيدي على أمل أن يفهم المعادلات الحاكمة للواقع الداخلي والإقليمي والدولي، وأن يستمع لنصائح السياسيين الشيبة، إلا أننا لم نر منه أي تطور في استيعاب الظروف المعقدة التي تمر بالعراق والمنطقة".
ولم يكن هذا البيان وحيداً ضمن الحرب الإعلامية التي تشنها الفصائل ضد التوجه الحكومي بتسليم السلاح، إذ دعا رئيس اللجنة الأمنية في مجلس محافظة بابل مهند العنزي إلى "التمرد على قرارات الدولة في شأن حصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية"، مؤكداً أن "سلاح المقاومة خط أحمر، بل فوق الأحمر".
في السياق، يشير المحلل السياسي نزار حيدر إلى أن "تاريخ الـ30 من سبتمبر سيكون موعداً فاصلاً بين مشروعين متناقضين هما مشروع الدولة الذي يتبناه الزيدي والقضاء العراقي، ومشروع اللادولة الذي تتبناه الميليشيات المسلحة التي تسعى جاهدة لتدمير مشروع الدولة. سيتعامل القضاء مع السلاح خارج الدولة كتنظيمات إرهابية تضر بسيادة الدولة وأمن البلاد ومصالحها، فلا يمكن أن تُبنى الدولة إذا كان هناك سلاح موازٍ".
السلاح والفساد
ويكمل حيدر أن "حكومة الزيدي أطلقت مشروعين في آن واحد هما مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة. إذ هناك تخادم واضح بين السلاح خارج سلطة الدولة وبين الفساد. لا يمكن القضاء على واحد منها وترك الآخر". وزاد أن "حكومة الزيدي قائمة على رؤية إقامة شراكات اقتصادية ومالية مع المجتمع الدولي ودول الجوار، وهذا لن يتحقق إذا بقي السلاح خارج سلطة الدولة".
حصر السلاح قريباً تحت قبة البرلمان
وفي حين اتجهت حكومة الزيدي بغية حل ملف حصر السلاح، إلى البرلمان، لتشريع قانون واضح يحدد آليات الجرد والتسليم والخزن والرقابة، إلا أن عدداً من نواب "لجنة الأمن والدفاع النيابية"، المسؤولة عن إعداد مشروع القانون، رفضوا أن تتولى اللجنة إعداد المسودة كونهم مرتبطين بالأجنحة السياسية للفصائل المسلحة، وعللوا رفضهم بأن طرح القانون داخل البرلمان وفي هذا التوقيت، قد يثير غضب الفصائل ويزيد من حدة التوتر السياسي والأمني، لذلك طالبوا بأن تتولى الحكومة إعداد مشروع القانون وإرساله رسمياً إلى مجلس النواب. وعليه بادرت الحكومة إلى تولي هذا الملف وتعهدت بإعداد مشروع القانون وتقديمه إلى مجلس النواب خلال مدة أقصاها 20 يوماً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في السياق يتحدث الباحث والكاتب رعد هاشم عن السيناريو المحتمل في حال وصول قانون حصر السلاح إلى البرلمان، إذ يشير إلى أنه "يُحتمَل أن يصعب تمرير هذا القانون في البرلمان بسبب وجود برلمانيين ينتمون إلى الفصائل والحشد، فقد يُجابَه القانون بمشكلات، منها التعطيل المتعمد، وعدم حضور جلسات البرلمان مما يتسبب في عرقلة التصويت عليه ومن ثم يُحتمل تمديد المدة الزمنية التي أقرتها الحكومة إلى ما بعد الـ30 من سبتمبر".
ويرى هاشم أنه "من المحتمل أن تؤدي تمديدات المهلة الزمنية لحصر السلاح بيد الدولة إلى فرض عقوبات من قبل أميركا على العراق. ويُحتمل أن تصدر بعض البيانات الشديدة اللهجة من قبل الحكومة ضد المخالفين إلا أنها لن تفرض حضورها أو توجه عقوبات، بل ستتعامل وفق مبدأ الاستيعاب أو الاحتواء بالصورة التي تعتقد أنها ترضي بها الجانب الأميركي، إلا أنها لن ترضيه وستبقى أزمة حصر السلاح عالقة لغاية نهاية عام 2026 الحالي".
المسار التفاوضي
ويرى الباحث الأكاديمي حيدر الجوراني أن "الدولة العراقية تواجه ملفاً خطراً ووجودياً في إدارة الرأي العام بما يخص ملف نزع السلاح كونه ملفاً عقائدياً ومعقداً ويتطلب خطاباً إعلامياً عقلانياً ورسمياً".
يحدد الجوراني مسارين قد تشهد أحدهما مرحلة نهاية سبتمبر، "الأول قد يكون مساراً تفاوضياً غير معلن لمعالجة ملف حصر السلاح تحت سيطرة الدولة، والمسار الآخر قد يمضي فيه التعقيد إلى ما هو أبعد من الموعد الزمني المحدد".
يشير الجوراني إلى أنه "من المهم أن تُدرك الطبقة السياسية أنها بحاجة إلى المُضي بمسارات تفاوضية سرية يقودها خبراء عراقيون في مجال الأمن القومي، غير عسكريين، لا سيما وأن خطاب أحد المسؤولين الأمنيين لأحد الفصائل يُفهم منهُ هامش تفاوضي وإن كان ضيقاً وعالي المستوى".
ويؤكد الجوراني على ضرورة ضبط إيقاع الإعلام خلال هذه المرحلة المهمة، قائلاً إن "ملف نزع السلاح، وإن كان ضمن المنهاج الحكومي وشأناً داخلياً، لكنه يبقى جزءاً من المعادلة الإقليمية والدولية، ولذلك هناك حاجة إلى ضبط إيقاع الإعلام العراقي مع التفكير إلى مستوى ما بعد الافتراضات الاستراتيجية المُعلنة في بعض البيانات من هنا أو هناك".
وتبقى التأكيدات الحكومية بأنها ليست في صراع مع أي تشكيل أو فصيل وتتعامل مع ملف حصر السلاح باعتباره مسؤولية دستورية وقانونية. ومع ذلك تبقى مرحلة ما بعد الـ30 من سبتمبر بحاجة إلى الوقت لكي تفك ألغازها، فهل ستكون الحكومة قادرة على ضبط أي سلاح موجود خارج أطر الدولة، في ظل استمرار موقف بعض الفصائل الرافض للتخلي عن السلاح أو إخضاعه لإجراءات حكومية جديدة.