ملخص
تتوقع تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس أن تتجاوز مدفوعات الفائدة السنوية على الدين الأميركي تريليون دولار هذا العام
يتجه الدين الوطني الأميركي إلى تجاوز حاجز 40 تريليون دولار هذا الأسبوع، قبل أشهر من الموعد الذي كانت التوقعات السابقة تشير إليه، في وقت تؤدي زيادة الاقتراض، ومن بينها خسارة مليارات الدولارات من إيرادات الرسوم الجمركية التي أُبطلت، إلى تسريع تراكم الديون.
وأعلنت وزارة الخزانة الأميركية أن إجمالي الدين بلغ 39.9 تريليون دولار، في حين كان مكتب الموازنة في الكونغرس، وهو جهة غير حزبية، قد توقع قبل ستة أشهر أن يصل إجمالي الاقتراض إلى 39.4 تريليون دولار خلال السنة المالية الحالية.
ويأتي التسارع في تراكم الدين في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى الأسواق، إذ تدفع مجموعة من المخاوف، تشمل التضخم والحرب في إيران وارتفاع مستويات الديون حول العالم، المستثمرين إلى التخلص من السندات الحكومية.
وسجلت أسعار الفائدة التي يطالب بها المستثمرون على سندات الخزانة الأميركية لأجل 30 عاماً أمس الثلاثاء أعلى مستوياتها في نحو عقدين.
وتتوقع تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس أن تتجاوز مدفوعات الفائدة السنوية على الدين الأميركي تريليون دولار هذا العام، وهو مبلغ يقارب حجم موازنة وزارة الدفاع الأميركية.
سقف الدين يقترب أسرع من المتوقع
ولا تعني وتيرة الاقتراض المتسارعة زيادة الدين فحسب، بل تعني أيضاً أن الموعد المقبل لتجاوز سقف الدين القانوني قد يحل قبل الموعد المتوقع.
وكان الكونغرس قد حدد العام الماضي سقف الدين عند 41.1 تريليون دولار، لكن محللي الموازنة يقولون إن الاقتراض قد يصل إلى هذا الحد في وقت مبكر من العام المقبل، مما سيجبر المشرعين على تعليقه أو رفعه مجدداً لتجنب خطر التخلف عن سداد الالتزامات الحكومية، وما قد يترتب على ذلك من اضطرابات واسعة في الاقتصاد.
ويولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب اهتماماً متزايداً بسقف الدين، الذي أدخل واشنطن مراراً في مواجهات سياسية حادة كادت تهدد قدرة الحكومة على سداد التزاماتها.
وكان ترمب قد دعا أعضاء مجلس الشيوخ في أواخر يوليو (تموز) الماضي، إلى معالجة ما وصفه بـ"كارثة سقف الدين الوشيكة" قبل مغادرة الكونغرس لقضاء عطلة أغسطس (آب) الجاري.
وقال زعيم الغالبية في مجلس الشيوخ جون ثون إن القضية ستحتاج إلى معالجة، مضيفاً أن وصول الدين إلى 40 تريليون دولار"يجب أن يحظى باهتمامنا".
ديون تتراكم في عهد الحزبين
وتراكم الدين الأميركي على مدى ربع القرن الماضي في ظل إدارات جمهورية وديمقراطية على حد سواء، بدءاً من الخفض الضريبي خلال عهد الرئيس جورج دبليو بوش، مروراً بحربي العراق وأفغانستان والأزمة المالية العالمية، ثم الخفض الضريبي التي أقرها ترمب عام 2017، وصولاً إلى برنامج الإنفاق الذي اقترب من تريليوني دولار خلال إدارة الرئيس جو بايدن لدعم الاقتصاد في أعقاب جائحة كورونا.
وكان ترمب قد تعهد خلال حملته الانتخابية الأولى عام 2016 بالقضاء على الدين خلال ثماني سنوات، إلا أن الدين تضاعف منذ توليه منصبه للمرة الأولى.
وكان مكتب الموازنة في الكونغرس قد توقع في فبراير (شباط) الماضي، أن يقترب الفارق بين الإنفاق والإيرادات الحكومية هذا العام من تريليوني دولار.
وبعد أيام، ألغت المحكمة العليا الأميركية رسوماً جمركية فرضتها إدارة ترمب تحت شعار "يوم التحرير"، وهو ما أدى إلى خفض الإيرادات الفيدرالية بنحو 250 مليار دولار وفق التقديرات.
أيضاً، زادت وزارة الخزانة في الفترة الأخيرة من وتيرة الاقتراض لتعزيز احتياطاتها النقدية، ومن المتوقع كذلك أن تؤدي النفقات العسكرية المرتبطة بالحرب مع إيران إلى إضافة المزيد إلى الدين خلال الأشهر المقبلة.
وقالت رئيسة مركز السياسات التابع لمركز "بيبارتيزان بوليسي سنتر" مارغريت سبيلينغز، لصحيفة "الواشنطن بوست"، إن المسار المالي الحالي للولايات المتحدة غير مستدام حتى في أفضل السيناريوهات، محذرة من أن اضطرابات الذكاء الاصطناعي أو الركود أو الحرب العالمية يمكن أن تحول المشكلة سريعاً إلى أزمة شاملة.
معركة جديدة حول سقف الدين
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض إن إدارة ترمب تواصل التركيز على خفض الهدر والاحتيال وإساءة استخدام الأموال الحكومية، بالتوازي مع تسريع النمو الاقتصادي، بهدف وضع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي على مسار هبوطي.
ورفع الكونغرس سقف الدين أو علّقه في كل مرة بلغ فيها الحد القانوني حتى الآن، لكن العملية غالباً ما جاءت بعد معارك حزبية حادة ومفاوضات امتدت حتى اللحظات الأخيرة.
وحتى عندما يتم تجنب التخلف عن السداد، فإن هذه المواجهات تترك أثراً في الأسواق، فقد خفضت وكالات التصنيف الائتماني الكبرى "ستاندرد أند بورز" و"فيتش" و"موديز" التصنيف الائتماني للديون الحكومية الأميركية منذ عام 2011، وكانت المواجهات المتعلقة بسقف الدين أحد العوامل المرتبطة بهذه الخفض.
وكان الكونغرس قد رفع سقف الدين للمرة الأخيرة بطريقة أقل صخباً، بإضافة خمسة تريليونات دولار إلى السقف ضمن قانون الضرائب والإنفاق المعروف باسم "قانون مشروع القانون الكبير والجميل الواحد"، الذي أقره الجمهوريون ووقعه ترمب في يوليو (تموز) 2025.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعادة ما تتضمن عمليات رفع سقف الدين إجراءات لخفض الإنفاق بهدف تقليص العجز السنوي، لكن القانون الأخير اتخذ الاتجاه المعاكس، إذ أضاف نحو 4.7 تريليون دولار إلى العجز المتوقع خلال السنوات العشر المقبلة، وفق تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس.
وتشير تقديرات أولية لمركز السياسات التابع لمركز "بيبارتيزان بوليسي سنتر" إلى أن واشنطن ستصل إلى سقف الدين المقبل في الفترة بين أواخر الشتاء ومنتصف صيف 2027، لكن الزيادة الأخيرة في الاقتراض تدفع التقديرات نحو الحد المبكر من هذه الفترة.
وقال نائب رئيس المركز للسياسة الاقتصادية شاي أكاباس، إن التقديرات "تتجه نحو الطرف المبكر" من النطاق المتوقع.
لماذا لا يعني بلوغ السقف التخلف عن السداد فوراً؟
ولا يؤدي بلوغ سقف الدين بحد ذاته إلى تخلف الحكومة الأميركية عن السداد، إذ تستطيع وزارة الخزانة بعد الوصول إلى الحد القانوني استخدام احتياطاتها النقدية واتخاذ إجراءات محاسبية استثنائية تعرف باسم "الإجراءات غير العادية".
ويمكن لهذه الإجراءات أن تمنح الحكومة فترة إضافية تتراوح عادة ما بين ستة وتسعة أشهر قبل الوصول إلى ما يعرف بـ"تاريخ إكس"، وهو الموعد الذي قد تنفد فيه السيولة المتاحة لدى وزارة الخزانة وتصبح الحكومة أمام خطر التخلف عن سداد التزاماتها.
وقد تصبح المواجهة السياسية المقبلة أكثر تعقيداً إذا خسر الجمهوريون إحدى غرفتي الكونغرس أو كلتيهما في انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.
وفي هذه الحالة، قد يحاول الجمهوريون تمرير رفع سقف الدين خلال الفترة الانتقالية بين الكونغرسين في نوفمبر وديسمبر( كانون الأول) المقبلين، قبل تشكيل الكونغرس الجديد في يناير (كانون الثاني) 2027.
أما إذا لم يتمكنوا من ذلك، فقد يضطرون إلى تقديم تنازلات للنواب الديمقراطيين، وهو ما قد لا ترغب فيه قيادة الحزب أو البيت الأبيض.
وحتى إذا احتفظ الجمهوريون بالسيطرة الكاملة على الكونغرس، فإن رفع سقف الدين لن يكون سهلاً، خصوصاً في مجلس النواب، حيث تتمتع الغالبية الجمهورية بهامش ضئيل، إذ سيحتاج قادة الحزب إلى إقناع المحافظين الماليين الذين سبق أن عارضوا رفع سقف الدين عندما لم يكن مصحوباً باتفاق لخفض الإنفاق.
وقال المدير السياسي الأول في "لجنة الموازنة الفيدرالية المسؤولة" مارك غولدوين، إن رفع سقف الدين يشبه دفع فاتورة بطاقة الائتمان، لأن الدين يعكس إنفاقاً اتخذت الحكومة قراراته بالفعل، لكن استمرار تلقي فواتير تفوق القدرة على السداد يستدعي إعادة النظر في حجم الإنفاق.
تريليون دولار للفوائد
وتشكل خدمة الدين عبئاً متزايداً على المالية العامة الأميركية، إذ تستهلك مدفوعات الفائدة حالياً نحو 19 في المئة من الإيرادات الفيدرالية، وفق مؤسسة بيتر بيترسون المعنية بالدين الوطني والانضباط المالي، ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة إلى 26 في المئة بحلول عام 2036.
وقال الرئيس التنفيذي لمؤسسة "بيترسون" مايكل بيترسون، إن كلفة الفائدة تمثل عبئاً على الماضي بدلاً من تمويل المستقبل، محذراً من أن الأجيال المقبلة ستتحمل كلفة الاقتراض المتراكم.
وأضاف أن استمرار الاقتراض بتريليونات الدولارات عاماً بعد عام وتأجيل سداد أصل الدين والفوائد إلى الأبناء والأحفاد يمثل مشكلة أخلاقية واقتصادية متفاقمة.
وأشار بيترسون إلى برنامج الضمان الاجتماعي باعتباره مثالاً على تداعيات تأجيل معالجة المشكلات المالية، إذ من المتوقع أن تنفد أموال الصندوق الاستئماني للبرنامج في عام 2032 إذا لم يتدخل الكونغرس، مما قد يؤدي تلقائياً إلى خفض المزايا بنسبة 22 في المئة.
وقال إن السؤال الأساس هو ما إذا كان النظام السياسي الأميركي قادراً على اتخاذ قرارات صعبة والتضحية على المدى القصير لتحقيق فوائد طويلة الأجل، مشيراً إلى أن النظام السياسي لم يتمكن من مواجهة هذا التحدي بصورة كافية خلال العقود الأخيرة.