Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

خصام المغاربة والسياسة... نفور أم يأس؟

محللون: ينتظرون إجابات حول التشغيل والسكن والتعليم والصحة والتحول الرقمي ولا يجدون سوى نقاش سياسي بعيد من أولوياتهم

خلال الانتخابات البرلمانية والمحلية في المغرب، الرباط، في 8 سبتمبر 2021 (أ ف ب)

ملخص

يوضح رئيس "المرصد المغربي للمشاركة السياسية" جواد الشفدي أن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون البرامج السياسية للأحزاب، بل أيضاً في اللغة التي تقدم بها السياسة للمواطن، إذ إن جزءاً من الخطاب الحزبي أصبح قائماً على الشخصنة والصراع بين القيادات واستحضار الماضي وتبادل الاتهامات والتشكيك في الخصوم.

حذرت "الجبهة الوطنية لمناهضة الإرهاب والتطرف" في المغرب من عودة مظاهر توظيف الدين في التعبئة السياسية مع اقتراب الاستحقاقات التشريعية المزمع عقدها في الـ23 من سبتمبر (أيلول) الجاري، و"تحويل التصويت إلى (واجب ديني)، أو تقديم الموقف السياسي باعتباره موقفاً إيمانياً، لأن ذلك يحول المنافسة السياسية من مجال للاختيار الحر إلى مساحة للوصاية على ضمائر المواطنين".

وتعيد الاستعدادات للانتخابات إلى الواجهة طبيعة الخطاب السياسي المعتمد من الأحزاب، ومدى فعاليته في كسب ود الناخبين، في ظل ارتفاع نسبة العزوف عن العمل السياسي في البلاد.

خطاب شكلي

وشهد المغرب تقهقراً في نوعية الخطاب السياسي الذي تعتمده الأحزاب، إذ أضحى يناقش جوانب سطحية بدل تحليل جوهر العمل السياسي، مما أسهم في ارتفاع نسبة العزوف عن المجال السياسي.

يوضح رئيس "المرصد المغربي للمشاركة السياسية" جواد الشفدي أن المشكلة لا تكمن فقط في مضمون البرامج السياسية للأحزاب، بل أيضاً في اللغة التي تقدم بها السياسة للمواطن، إذ إن جزءاً من الخطاب الحزبي أصبح قائماً على الشخصنة والصراع بين القيادات واستحضار الماضي وتبادل الاتهامات والتشكيك في الخصوم، مشيراً إلى أن المواطنين، وخصوصاً الشباب، ينتظرون إجابات في مجالات التشغيل والسكن والتعليم والصحة والقدرة الشرائية والمستقبل والعدالة المجالية والتحول الرقمي، لكنهم يجدون أنفسهم أحياناً أمام نقاش سياسي بعيد من هذه الأولويات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد رئيس المرصد أن الشباب اليوم يقارن الخطاب السياسي المغربي بما يراه عبر المنصات الرقمية وفي تجارب دولية مختلفة، لذلك لم يعد يكفي أن تخاطبه الأحزاب بمنطق التعبئة التقليدية أو الشعارات، فأزمة المشاركة ليست فقط عزوف الشباب عن السياسة، بل هناك أيضاً عجز جزء من السياسة التقليدية عن الوصول إلى الشباب بلغتهم.

من جانبه، يوضح المحلل السياسي رشيد لزرق، أنه إضافة إلى الخطاب الديني فإن الحملات الانتخابية تجمع، بدرجات متفاوتة، بين خطاب هوياتي وقيمي، وخطاب اجتماعي يعد بتحسين التشغيل والدخل والخدمات، وخطاب تدبيري يركز على الكفاءة والإنجاز، إضافة إلى خطاب احتجاجي أو شعبوي يقوم على استقطاب الناخبين عبر ثنائية "نحن / هم"، والتشكيك في نزاهة قواعد المنافسة.

وأشار إلى أن "الإشكال يظهر عندما تتحول المنافسة من صراع حول برامج وسياسات قابلة للتقييم إلى صراع حول الأشخاص والرموز والاتهامات والوعود العامة، وذلك يضعف قدرة الناخب على التمييز بين البدائل الحزبية، ويغذي الشعور بأن الأحزاب متشابهة، وأن الانتخابات لا تنتج اختلافاً جوهرياً في السياسات".

وأضاف "من هذه الزاوية فإن العزوف ليس مجرد لامبالاة سياسية، بل يمكن فهم جزء منه باعتباره تعبيراً عن ضعف الثقة والفعالية السياسية المدركة، أي اعتقاد المواطن بأن مشاركته لن تحدث أثراً ملموساً".

الجدوى من الانتخابات

وصل العزوف عن العمل السياسي في المغرب إلى مستويات قياسية بسبب عوامل عدة من بينها ضعف مستوى الخطاب السياسي، إذ بلغ عدد المواطنين غير المنخرطين في الانتخابات (الفئة الصامتة) 16 مليون فرد، في بلد يبلغ تعداد سكانه 36.8 مليون نسمة بحسب إحصاءات رسمية لعام 2024، ومن خلال الحديث إلى جانب من الشباب حول موقفهم من الانتخابات، يوضح عدد منهم أنه لا جدوى من تلك الاستحقاقات بالنظر إلى توالي النهج السياسي نفسه والوجوه ذاتها تقريباً، واعتماد وعود انتخابية لا يتم الوفاء بها.

 يوضح المحلل السياسي رشيد لزرق أن بيانات رسمية حول الشباب تشير إلى ضعف الاندماج الحزبي بصورة واضحة، إذ أفادت المندوبية السامية للتخطيط بأن نحو واحد في المئة فقط من الشباب كانوا منخرطين في حزب سياسي، في مقابل مشاركة انتخابية منتظمة لدى 36 في المئة منهم، مما يكشف عن فجوة بين التصويت وبين الانخراط السياسي المنظم، موضحاً أنه "مع ذلك، لا يصح القول إن الانتخابات لا تغير شيئاً بالمعنى المطلق، فالانتخابات التشريعية لعام 2021 أحدثت تحولاً كبيراً في موازين القوى الحزبية داخل مجلس النواب، كما أن نظام الاقتراع نفسه يؤثر في توزيع المقاعد وتمثيل الأحزاب، لذلك فالأدق سوسيولوجياً هو القول إن جزءاً من (الفئة الصامتة) قد لا ينكر قدرة الانتخابات على تغيير الحكومات والمنتخبين، وإنما يشكك في قدرتها على إحداث تغيير محسوس في حياته اليومية وفي أنماط إنتاج السياسات العمومية، وهذه فجوة أساسية بين التناوب الانتخابي وإدراك التغيير الاجتماعي".

 من جانبه، يؤكد نائب رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية محسن موفيدي أن المستفيد من خطاب عدم الجدوى من الانتخابات هو "معسكر الفساد" الذي يريد أن يعبث بمقدرات البلد، قائلاً "نحن أمام خيارين: إما المشاركة عبر اختيار الإصلاحيين للرفع من نسبتهم داخل البرلمان، بالتالي ضمان حدوث تغيير إصلاحي خلال الولاية المقبلة، أو الإسهام في استمرار الفضائح والمتابعات القضائية لعدد من البرلمانيين خلال الولاية التشريعية الحالية".

 الخطاب السياسي المثالي

يؤكد محللون غياب الخطاب السياسي الأمثل لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الناخبين بالمغرب، موضحين أن طبيعة الخطاب مرتبطة بنوعية المتلقي، ويشير رشيد لزرق إلى أنه لا يوجد خطاب واحد فعال لدى جميع الفئات، إذ تتحدد الاستجابة بحسب العمر والموقع الاجتماعي والمجال الترابي والوضع الاقتصادي ودرجة الثقة في المؤسسات، لكن في السياقات التي ترتفع فيها الضغوط المرتبطة بالشغل والأسعار والخدمات والحماية الاجتماعية، يميل الخطاب الأكثر قدرة على توسيع قاعدة الناخبين إلى أن يكون خطاباً اجتماعياً ملموساً وصادقاً يربط مشكلة يعيشها المواطن بحل واضح، وبفاعل سياسي يستطيع إقناعه بأنه قادر على التنفيذ. موضحاً أن الخطاب الديني أو الهوياتي يستطيع تعبئة قاعدة حزبية ذات انتماء قيمي قوي، والخطاب الشعبوي والاحتجاجي قادر على تعبئة الغاضبين بسرعة، لكنه قد يزيد في المقابل من فقدان الثقة إذا بني بصورة أساسية على التخوين والتشكيك المستمر.

ويؤكد المحلل أن الخطاب الأكثر استدامة انتخابياً هو الذي "يجمع بين القرب الاجتماعي، والصدقية الشخصية، وبرنامج واضح، ونتائج يمكن محاسبة الحزب عليها، وهذا مهم لأن ضعف المشاركة لا يعني بالضرورة غياب الاهتمام بالشأن العام، بل قد يعني انتقال المواطن من الولاء الحزبي التقليدي إلى مشاركة أكثر انتقائية، وربط تصويته بالمنفعة المتوقعة والثقة في المرشح".

وأوضح أنه حتى انتخابات الثامن من سبتمبر (أيلول) 2021، التي سجلت مشاركة وطنية بلغت 50.18 في المئة، تبقى المشاركة وحدها غير كافية لقياس الثقة في العمل الحزبي أو جودة العلاقة التمثيلية بين الناخب والمنتخب، ومن ثم فإن الرهان الحقيقي للأحزاب المغربية ليس فقط اختيار خطاب "أكثر إثارة"، بل الانتقال من التعبئة العاطفية والموقتة إلى بناء الصدقية السياسية، لأن الناخب الذي لا يرى فرقاً قابلاً للقياس بين الأحزاب والمرشحين يصبح أكثر استعداداً للانسحاب من العملية الانتخابية مهما كانت قوة الخطاب المستعمل أثناء الحملة.

اقرأ المزيد

المزيد من العالم العربي