Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حرب هرمز تعيد رسم خريطة الغاز... أميركا تحصد المكاسب

مع تضرر صادرات قطر وتصاعد أخطار الملاحة، تدفع الحرب المشترين نحو تنويع مصادر الطاقة وتعزز صعود الغاز الأميركي في الأسواق العالمية

يعد الغاز الأميركي الرابح الأكبر من غلق مضيق هرمز (غيتي)

ملخص

تعيد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران وأخطار إغلاق مضيق هرمز رسم خريطة سوق الغاز الطبيعي المسال عالمياً، مع تضرر صادرات قطر، بفعل الهجمات واضطراب الملاحة. وفي المقابل، تزداد جاذبية الغاز الأميركي، مدفوعاً بتوسع قدرات التسييل وتنوع مسارات الشحن وبعد منشآته عن نقاط الاختناق الجيوسياسية. ويدفع تصاعد الأخطار المشترين إلى إعادة تقييم أمن الإمدادات وتنويع الموردين ومصادر الطاقة وطرق النقل والعقود.

منذ تجدد القتال بين الولايات المتحدة وإيران في يوليو (تموز) الماضي توقفت شحنات الغاز المسال من قطر عبر مضيق هرمز، وتعرضت ناقلات غاز قطرية لهجمات، مما أجبر الدوحة على تعليق خططها لتسريع استعادة الإنتاج. وعلى رغم استعادة عملية تحميل الغاز المسال هذا الشهر إلى أعلى مستوياتها منذ مارس (آذار) الماضي، فإنها تبقى أقل بنحو 60في المئة من مستوياتها قبل الحرب. 

الوضع غير المحسوم لمضيق هرمز الذي أصبح النقطة الرئيسة في الصراع، عقد مشهد الطاقة على المستويين الإقليمي والعالمي. فغلق المضيق الحيوي كان أكثر ألماً لقطر، ثاني أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ تفتقر إلى مسار بديل لتصدير الغاز، على عكس دول خليجية أخرى مثل السعودية التي استطاعت إيجاد مسار آخر عبر البحر الأحمر لشحناتها من الطاقة. تعثر سبيل الغاز القطري إلى الأسواق الأوروبية والآسيوية فتح الباب أمام قوى أخرى لدفع مخزوناتها من الغاز الطبيعي المسال كبديل للأسواق المتعطشة. 

طفرة في الإنتاج الأميركي

فوفق تقرير أميركي حديث فإن مشاريع الغاز المسال الأميركية قيد الإنشاء ستضيف أكثر من 120 مليون طن سنوياً من طاقة التسييل، أي أكثر من ضعف القدرة الأميركية الحالية خلال الأعوام الخمسة المقبلة. وفي 2027 وحدها يتوقع دخول نحو 52 مليون طن سنوياً من الطاقة الجديدة إلى السوق، فيما تتوسع كندا كمصدر للغاز المسال، مما يثير تساؤلات في شأن تعزيز انتقال مركز الثقل تدريجاً نحو أميركا الشمالية.

تنقسم تجارة الغاز الطبيعي عالمياً تقريباً بالتساوي بين الصادرات عبر خطوط الأنابيب بنسبة 52 في المئة، والصادرات بواسطة الناقلات على هيئة غاز طبيعي مسال بنسبة 48 في المئة. ووفق خدمة أبحاث الكونغرس الأميركي، فإنه منذ عام 2016 أدى دخول الولايات المتحدة إلى سوق تصدير الغاز الطبيعي المسال من الولايات الـ48 المتجاورة إلى تغيير طريقة شراء الغاز الطبيعي المسال وبيعه وتسعيره حول العالم. وتمثل صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي حالياً نحو 23 في المئة من إجمال إنتاجها من الغاز، وقد أسهم ارتفاع حجم الصادرات في زيادة الضغوط على الأسعار، وإن كان تأثيره أقل من عوامل أخرى مثل الأحوال الجوية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في النزاعات السابقة التي كانت فيها شحنات منتجات الطاقة مهددة، كان التركيز ينصب على سوق النفط، مع اهتمام محدود بالغاز الطبيعي، لكن خلال الأعوام الأخيرة سلطت الأحداث الجيوسياسية، مثل الغزو الروسي لأوكرانيا، الضوء على الأهمية المتزايدة للغاز الطبيعي في الاقتصاد العالمي. وبحلول عام 2025 كان نحو 19 في المئة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية في حاجة إلى المرور عبر مضيق هرمز، ولا سيما الصادرات القادمة من قطر والإمارات، وتتجه معظم الصادرات القطرية إلى الأسواق الآسيوية، بما في ذلك الصين التي تستحوذ على 24 في المئة منها. 

وشهدت الفترة ما بين عامي 2021 و2024 ارتفاعاً هائلاً في صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركية إلى أوروبا بنسبة تجاوزت 100 في المئة، وذلك تزامناً مع تحول القارة بعيداً من الغاز الروسي، مما أثبت موثوقية سلاسل التوريد الأميركية خلال أزمة جيوسياسية كبرى، وقد جاء صراع عام 2026 ليعزز هذا الدور على الصعيد العالمي.

حرب إيران تعزز مكانة الولايات المتحدة

تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأميركية التي نشرت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي مركزية الطاقة، إذ نصت على رغبة الولايات المتحدة في امتلاك "أقوى قطاعات الطاقة وأكثرها إنتاجية وابتكاراً في العالم". ويقول مراقبون إن الحرب على إيران عززت مكانة الولايات المتحدة في إنتاج النفط والغاز الطبيعي، ورفعت من أهمية منتجي النفط الآخرين في نصف الكرة الغربي، مثل الأرجنتين والبرازيل وكندا وغيانا وسورينام وفنزويلا، بل إن نصف الكرة الغربي ينتج الآن كميات من النفط تفوق ما ينتجه الشرق الأوسط. 

ويشير الباحثان الاقتصاديان سكوت ماكدونالد وأليخاندو ترينش في مقال بموقع "ناشونال إنترست" إلى أن أمن الطاقة مثل قضية مهمة في سياسات ولاية ترمب الأولى وإدارة جو بايدن، غير أنه اكتسب قدراً أكبر من الإلحاح خلال ولاية ترمب الثانية. ومع التغيرات التي أحدثتها الحربان في أوكرانيا وإيران، إلى جانب التحولات في السياسات الداخلية، أصبحت الولايات المتحدة من أبرز القوى العالمية في صادرات النفط، كذلك فإنها أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، إذ لبت 58 في المئة من حاجات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال عام 2025. أما الأضرار التي لحقت بمنشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان بقطر، فمن المتوقع أن تستغرق عملية إصلاحها بين ثلاثة وخمسة أعوام، وهو ما يضر بمنافس رئيس للولايات المتحدة في سوق صادرات الغاز الطبيعي المسال.

الأخطار تدفع الأسواق نحو أميركا

أظهرت حرب إيران والولايات المتحدة وما ترتب عليها من غلق مضيق هرمز أن تقييم الأخطار الدائمة يمثل أولوية لدى أسواق الغاز والطاقة. وفي حين أدت فيه حرب إيران وغلق مضيق هرمز إلى تعطل صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، فإن محطات تصدير الغاز الطبيعي المسال الأميركية تقع على خليج المكسيك، وهي منطقة معزولة جغرافياً عن بؤرة الصراع، إذ تتمتع الشحنات بمسارات بحرية متنوعة وآمنة نحو الأسواق الرئيسة في أوروبا وآسيا، مما يجنبها المرور عبر نقاط الاختناق البحرية في الشرق الأوسط تماماً.

ويقول المدير التنفيذي لشركة إنكي لتقييم الأخطار، إرهان إرين، إن الحرب القائمة بين إيران والولايات المتحدة أدت إلى إعادة تشكيل جوهرية للحسابات الاستراتيجية لسوق الغاز الطبيعي المسال العالمية، إذ تحول المحرك الرئيس للسوق من الكلفة إلى الأمن، وقد أكد هذا التحول نقاط القوة في نموذج الإمداد الأميركي، في حين حول نقطة الضعف الجغرافية الرئيسة لدولة قطر من مجرد خطر نظري إلى عبء فعلي ملموس.

فبالنسبة إلى مشتري الغاز الطبيعي المسال، طرأ تغير جذري على كلفة الإمداد المعدلة حسب الأخطار، إذ أصبحت العقود الأميركية أكثر جاذبية مقارنة بإمدادات الشرق الأوسط، نظراً إلى ارتفاع كلف التأمين والشحن والأخطار المحتملة للتعطيل المرتبطة بتلك الأخيرة، حتى وإن كان السعر المعلن للعقود الأميركية أعلى.

وتتفق الزميلة الرفيعة لدى مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن، ليزلي بالتي-غوزمان، بأن حرب إيران عززت الحجج المؤيدة للاعتماد على موردي الطاقة من الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولا سيما تلك الموجودة في نصف الكرة الغربي، مع تزايد أولوية المشترين للدول ذات الاستقرار السياسي ومسارات الشحن الآمنة. وقد شددت إدارة ترمب بصورة متزايدة على أن نصف الكرة الغربي يمثل مجالاً للنفوذ الأميركي ومنطقة غنية بالطاقة، تمتد من كندا وألاسكا، مروراً بمنطقة الكاريبي وغيانا، وصولاً إلى المكسيك وفنزويلا والبرازيل والأرجنتين، وتكتسب المنطقة أهمية استراتيجية متزايدة. 

وبينما تعاني الدول الآسيوية التي تعتمد بصورة أساسية على الغاز القادم من الشرق الأوسط، فإن الساحل الغربي لأميركا الشمالية يتمتع بجاذبية خاصة، لأنه يجمع بين الاستقرار السياسي والوصول المباشر إلى الأسواق الآسيوية، ومسارات تتجنب مضيق هرمز وقناة السويس ومضيق ملقا. وتشير غوزمان إلى أن مشروع "أل أن جي كندا" ومشروع "إنرجي كوستا أزول" في المكسيك يعملان بالفعل، فيما توجد مشاريع إضافية لتصدير الغاز الطبيعي المسال في كندا والمكسيك قيد الإنشاء أو تقترب من اتخاذ قرارات الاستثمار النهائي. وفي حين أن مشروع "ألاسكا أل أن جي"، لا يزال مدفوعاً بالاعتبارات الجيوسياسية أكثر من الأسس التجارية، فإنه يواصل الاستفادة من دعم سياسي قوي في كل من واشنطن وأنكويج، كذلك تواصل إدارة ترمب الضغط على المشترين في شمال شرقي آسيا للمشاركة في المشروع. 

سيناريوهات الحرب تصيغ مستقبل المنافسة

ومن ثم فإن سيناريوهات حرب إيران نفسها أو وضع مضيق هرمز يمكنها أن تصيغ خريطة سوق الغاز عالمياً. وتطرح غوزمان في هذا الصدد ثلاث سيناريوهات مستقبلية لمضيق هرمز من شأنها التأثير في سوق الغاز خاصة بالنسبة إلى قطر، فالسيناريو الأول "لا حرب ولا سلام" من شأنه أن يواصل الاضطرابات ويبقي حال النزف الاقتصادي المستمر، فيما يثير سيناريو "العودة إلى حرب شاملة" قلق دول المنطقة في شأن كلفة الأضرار التي قد تلحق بالبنية التحتية وحال عدم اليقين في شأن نتيجة الحرب، وإن كانت نتيجة عسكرية أكثر حسماً تعد السبيل الوحيد لتحقيق استقرار إقليمي مستدام وضمان تدفق السلع. ويظل سيناريو "سلام شامل" الأقل احتمالاً والأبعد عن التحقق في الوقت الحالي، لكن إذا ما آلت المفاوضات وقنوات الاتصال الدبلوماسية المفتوحة إلى تحقيق سلام شامل فيعني هذا عودة إيران بصورة أكبر إلى أسواق الطاقة الدولية، وستتحول إلى منافس عالمي رئيس في كل من النفط والغاز الطبيعي، مما يعني تحقيق وفرة في إمدادات الطاقة عقوداً مقبلة.

وبعيداً من سيناريوهات الحرب، فإن الصراع الحالي وما سبقه من حرب روسيا وأوكرانيا وجائحة "كوفيد-19" دفعت أسواق الطاقة العالمية إلى استراتيجيات جديدة تتعلق بالتحوط عبر تنويع مصادر الطاقة، ليس فقط على صعيد الموردين وإنما أيضاً في ما يتعلق بأنواع الوقود ومصادر الطاقة وطرق الشحن والتقنيات وهياكل العقود والتسعير. 

المزيد من تحلیل