Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"محتجزون في منزلنا"... آخر عائلة تواجهُ نهايةَ العالم

بين الدراما والخيال العلمي تنكشف حقيقة قسوة الانسان ازاء الطبيعة

العائلة تعيش الخطر في البيت المحاصر (نتفليكس)

ملخص

 في السابع من الشهر الجاري، بدأ عرض فيلم The Last House في منصة نتفليكس، بعنوان "محتجزون في منزلنا" للجمهور العربي. ويقدم الفيلم تجربة سينمائية جديدة للمخرج لويس ليترييه، حول عائلة تجد نفسها مأسورة في منزلها.

 لويس ليترييه الذي أخرج عدة أفلام عالمية معروفة وناجحة مثل فيلم The Transporter وفيلم The Incredible Hulk ، يعود هذا العام بعمل مختلف كلياً عما أخرجه سابقاً، مبتعداً من بصمته الإخراجية في الأكشن.

الفيلم دراما عائلية تروي حكاية أسرة يستيقظ أفرادها ذات يوم ليجدوا أنفسهم محتجزين في منزلهم. يحاولون النجاة بمواجهة مخلوقات مائية غامضة تهدد بفناء الكوكب ونهاية العالم. وقد يصنف هذا العمل ضمن أفلام الرعب والإثارة، لكنه مع ذلك، يختلف في موضوعه وإيقاعه وبنائه الدرامي عن أفلام الخيال العلمي التقليدية.

عزلة تذكر بأيام كورونا 

يفتتح لويس ليترييه فيلمه باقتباس لآرثر سي كلارك يقول فيه: "ليس من الملائم مطلقاً أن نسمي هذا الكوكب الأرض، فمن الواضح أنه عبارة عن محيط". تبدو هذه الجملة غامضة وتبقى دلالتها معلقة، ولعلها لن تفهم حقاً إلا بعد نهاية الفيلم ومشاهدة دقائقه الأخيرة.

أما الحدث المحفز الذي يفتح باب الأسئلة، فيعرضه المشهد الذي تكتشف فيه العائلة واقعة الاحتجاز، إذ يحاول الأب جاهداً فتح الباب فلا يقدر، بعد ذلك كل مخارج البيت من أبواب ونوافذ موصدة بإحكام ولا يمكن فتحها بأي وسيلة حتى مع محاولة تحطيمها. وهي العقدة الأولى التي تجعل المشاهد يتساءل عن السبب الذي يبقيهم محتجزين، وتخيل الحلول التي ستبتكرها الشخصيات للخروج.

يحدق أفراد العائلة من النافذة حائرين، ويتواصلون مع الجيران عبر لغة الإشارة وكتابة لافتات. يفهمون أن الحدث الغريب لا يقتصر عليهم، وأن جميع الجيران محتجزون مثلهم في بيوتهم، وفي ظروف مشابهة. وقد بدأت بفصل الإنترنت وصولاً إلى انقطاع الغاز والماء والكهرباء ونفاد المواد الغذائية. أي إنهم يواجهون ما يهدد بقاءهم على قيد الحياة. حينها تحاول العائلة التأقلم مع الوضع الجديد وتنظيم روتين يساعدهم على قضاء يوميات طبيعية داخل المنزل إلى جانب ضرورة التقشف والتصرف بحكمة.

 تقضي العائلة وقتاً نوعياً أفضل مما كانوا يقضونه في السابق. كما لو أن سرعة الحياة تتباطأ، ووسائل التواصل الحديثة كانت تشتتهم وتفصلهم على رغم مزاياها. نراهم يقضون وقتهم على مدار اليوم في اللعب والطبخ والرقص والرياضة والدراسة ومشاهدة الأفلام، وحتى اكتشاف مواهبهم المؤجلة التي لم يكن لديهم الوقت لصقلها. تغدو العزلة المحتومة مثل غراء افتراضي يلصق العلاقات الأسرية ويقويها. وهذه العزلة إن كانت تذكر بشيء، فهي تذكر بيوميات عاشها الناس في أنحاء العالم منذ أعوام قريبة، أثناء وباء كورونا، وقتما فرض الحجر الصحي في مدن كثيرة. وكان على الناس الالتزام بالبقاء في بيوتهم لتجنب العدوى. ربما ألهمت هذه الفكرة صناع العمل بفيلم خيال علمي يتقاطع مع فكرة الإنسان المعزول والمحتجز في بيته.

جرعة ضئيلة من الرعب

يبدو The Last House فيلماً درامياً يميل إلى الخيال العلمي أكثر مما هو فيلم رعب. فهو لا يتضمن سوى مشاهد مخيفة محدودة، تلك التي تعرض مخلوقات بحرية خيالية، تهجم على بيوت لا تزال تظهر حركة أو علامات حياة. حتى بقيت أسرة واحدة فحسب، تقاوم بكل الوسائل كي تنجو على مر أشهر وأعوام.

 يوظف المخرج التأثيرات البصرية المناسبة لعرض مخلوقات غامضة وغريبة ولكن بجرعة ضئيلة جداً من الرعب. وهذه النقطة اختلف عليها المشاهدون في مواقع التواصل، إذ عبر بعضهم عن خيبتهم وإحباطهم من الفيلم الذي لم يسبب لهم أي خوف كما كان متوقعاً، في حين أبدى بعضهم الآخر إعجابهم به وبرسائله الضمنية والرمزية. وفي الواقع قد يكون الرعب هنا مجرد أداة لا أكثر، كأن كلا من المخرج والسيناريست تعاونا للعمل على رسالة فنية أكثر مما اشتغلا على الرعب لغاية الرعب أو تحقيق متعة موقتة.

رسائل رمزية عن الإنسان والطبيعة

لعل أقوى وأجمل ما جاء به الفيلم هو رسائله الرمزية عن الإنسان والطبيعة، إذ يطرح قضايا كبيرة ومهمة ولكن عبر خيال علمي ومشاهد رعب، وحوارات بسيطة من يوميات العائلة، تظهر كتساؤلات عفوية يتبادلها الوالدان مع ابنيهما. هذا بدلاً من التوجيه المباشر وتحميل السيناريو بكليشيهات غير مستساغة. فالعمل مثلاً لا يناقش تغيرات المناخ مباشرة ولكنه يعالج الموضوع من خلال الحدث نفسه، هطول المطر المستمر الذي يرافقه ظهور المخلوقات الغريبة في كل مرة التي لا تختفي إلا مع بزوغ الشمس وتوقف المطر.

 وعن علاقة الإنسان بالحيوان، تقول الزوجة (غريتا لي) لزوجها (الذي يجسد دوره واغنار مورا) عن الذئبة التي تقترب منهم من خلف الجدار الزجاجي: "إنه عالمهم الآن، لم نعد نمسك بزمام الأمور في هذا العالم". وبطريقة ما كأنها تقول نحن من نعتدي على عالمهم ونقتحمه، ونلحق به الضرر. وحتى الاحتجاز القسري، لا يبدو في الفيلم سوى غضب من الطبيعة، واحتجاج منها على جبروت الإنسان وتماديه في مغامراته الصناعية والحربية حتى غير وجه الكوكب وطبيعة مياهه وسمائه وأمطاره، فلا يكون الاحتجاز سوى عقاب جناه الإنسان بيديه على نفسه.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتأتي أقسى رسالة حملها فيلم "محتجزون في منزلنا"، في المشاهد الختامية، ومن لا يرغب بحرق الأحداث على نفسه، بإمكانه التوقف عند هذا الحد وتجاوز هذه الفقرة. ليس لأن المشهد الذي سنناقشه هو الأقوى فحسب، إنما لأنه يعيد النظر في بقية كل أحداث الفيلم ومشاهده. فالرسالة الأهم التي يختم بها الفيلم رسائله هي تلك التي تتعلق بوحشية الإنسان.

 على امتداد ساعة و52 دقيقة، نشاهد أباً يحاول أن يحمي عائلته بكل الطرق الممكنة، ويوفر لهم الغذاء ويعدهم بالنجاة.

 نتعرف على أب ابتكر وسائل للصيد بالأشياء المتاحة لديه، واستخدم المسدس، ومنح كلبه العجوز موتاً رحيماً كي يخلصه من معاناته لكنه بعد ذلك قطعه وجمد لحمه تحسباً لظروف الجوع. في المشهد الختامي يقف الأب وجهاً لوجه مع مخلوق بحري اقتحم بيته، ويحاول قتله بعدما نصب له الفخاخ، إلا أن ابنته تمنعه قائلة: "إن قتلته لن نتمكن من الخروج أبداً". حينها يتراجع الأب في آخر لحظة، ويغير رأيه وبدلاً من قتل الوحش يحرره، فيفاجأ به يفتح لهم الباب ويسمح لهم بالمغادرة أخيراً بعد أعوام من الاحتجاز. ولا يكتفي بهذا، بل يذهب ليحميهم من الوحوش الأخرى التي كانت تقترب منهم.

 قد تشكل هذه المفاجأة شيئاً من الصدمة للمشاهد، وتحولاً في وجهة نظره، كأن الوحش في الحكاية كلها لم يكن سوى الإنسان! وكان عليه أن يعي ذلك ليجد طريقه إلى النجاة، أن يتعلم الرحمة وأن يعرف حدوده ولا يتعدى على الكائنات الأخرى، ويحافظ على كوكبه كي لا يأتي يوم يهلك فيه ولا يعود صالحاً للعيش.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما