Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف أصبحت الصين القوة النفطية الأكثر تأثيرا في العالم؟

تقدر مخزوناتها بنحو 1.4 مليار برميل ما أتاح تقليص مشترياتها من السوق بما يصل إلى 40% خلال ذروة الأزمة

ستصبح قرارات الصين بشأن الشراء والتخزين وتصدير المنتجات النفطية عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه الأسعار (رويترز)

ملخص

أصبحت الصين عامل الاستقرار الأبرز في سوق النفط العالمية خلال الأشهر الخمسة الماضية، بعدما ساعدت مخزوناتها الضخمة على خفض واردات الخام بنسب كبيرة مع اضطراب الإمدادات من الشرق الأوسط.

لم تؤدِ خمسة أشهر من الاضطرابات التي عطلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ارتفاع أسعار النفط إلى المستويات القياسية التي توقعها كثير من المحللين في بداية الأزمة، إذ لم تتجاوز الأسعار بصورة مستدامة حاجز 100 دولار للبرميل، على رغم خروج أكثر من 10 في المئة من إمدادات النفط الخام العالمية من السوق بصورة مفاجئة.

ويرجع ذلك إلى ثلاثة عوامل رئيسة أسهمت في امتصاص صدمة الإمدادات، فقد بدأت الحكومات في السحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية، بما في ذلك الإفراج المنسق عن نحو 400 مليون برميل من المخزونات تحت إشراف وكالة الطاقة الدولية، لتعويض جزء من نحو مليار برميل من الخام لم يتمكن من مغادرة منطقة الخليج خلال الأشهر الثلاثة الأولى من الصراع.

خفضت دول آسيوية استهلاكها للوقود، واتجهت المصافي إلى تقليص معدلات التشغيل، في وقت كان العامل الأكثر تأثيراً في توازن السوق يتمثل في الصين، أكبر مستورد للنفط الخام في العالم.

الصين تخفض وارداتها وتستخدم مخزوناتها الضخمة

تمكنت الصين من لعب دور الوسادة الرئيسة للسوق النفطية العالمية، بعدما راكمت قبل اندلاع الحرب مع إيران مخزونات تقدر بنحو 1.4 مليار برميل من النفط الخام في الاحتياطات التجارية والاستراتيجية.

وأتاح هذا المخزون الضخم لبكين خفض مشترياتها من الأسواق العالمية عندما أُغلق مضيق هرمز وارتفعت أسعار النفط، وهو ما ساعد على تعويض جزء من الإمدادات التي اختفت من السوق.

وتشير التقديرات إلى أن الصين خفضت وارداتها من النفط الخام بما يصل إلى 40 في المئة خلال يونيو (حزيران) الماضي مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، في خطوة كان لها أثر مباشر في الحد من ارتفاع الأسعار.

وتقول تقديرات إن نحو أربعة ملايين برميل يومياً من النفط الخام لم تكن بحاجة إلى الوصول إلى المصافي الصينية خلال الأشهر الثلاثة الماضية، نتيجة انخفاض الواردات.

ويبدو أن الأسواق قللت في البداية من قدرة الصين على تعديل مشترياتها من الخام بهذه السرعة، إذ انسحبت بكين من السوق الفورية خلال ذروة الأزمة في الشرق الأوسط، مستفيدة من مخزوناتها الكبيرة بدلاً من شراء كميات إضافية بأسعار مرتفعة.

ولا تقتصر قدرة الصين على خفض استهلاك النفط على استخدام المخزونات، إذ شهدت البلاد خلال الأزمة ارتفاعاً كبيراً في استخدام السيارات الكهربائية، إلى جانب التوسع في الاعتماد على الفحم وزيادة مساهمة مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء.

وبذلك، ساعد مزيج من المخزونات النفطية الضخمة والتحول في أنماط استهلاك الطاقة على تخفيف حاجة الصين إلى استيراد كميات أكبر من الخام في وقت كانت الإمدادات العالمية تعاني ضغوطاً شديدة.

أكبر مخزون نفطي في العالم

تُظهر تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن الصين كانت في نهاية عام 2025 تمتلك أكبر مخزون نفطي في العالم، بنحو 1.397 مليار برميل.

ويزيد هذا الرقم على إجمالي المخزونات الاستراتيجية لدى الولايات المتحدة واليابان وأوروبا التابعة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والسعودية وكوريا الجنوبية وإيران والإمارات والهند مجتمعة.

لكن حجم المخزونات الصينية يظل تقديرياً بسبب عدم شفافية بكين في الإعلان عن مستويات احتياطاتها النفطية، إذ لا تنشر الحكومة الصينية بيانات تفصيلية منتظمة عن حجم النفط المخزن لديها.

ومع ذلك، فإن الانخفاض الحاد في الواردات خلال الأشهر الماضية يشير إلى أن حجم المخزون كان كبيراً بما يكفي لمنح الصين مساحة واسعة للمناورة خلال أزمة الإمدادات.

خفضت الصين وارداتها الإجمالية من النفط الخام إلى أدنى مستوى لها في نحو عقد خلال يونيو الماضي، بعد ثلاثة أشهر متتالية من الانخفاض في الواردات، بالتزامن مع ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط.

وتشير تقديرات إلى أن الصين خفضت مشترياتها بنحو 4.4 مليون برميل يومياً في يونيو الماضي مقارنة بمتوسط عام 2025.

وتراجعت واردات النفط الخام للشهر الرابع على التوالي، إذ انخفضت الشحنات المنقولة بحراً إلى ما يزيد قليلاً على ستة ملايين برميل يومياً، وهو أدنى مستوى شهري منذ عام 2016 على الأقل، وفق بيانات شركة فورتكسا المتخصصة في تتبع شحنات النفط.

وقالت كبيرة محللي سوق النفط الصيني في شركة "فورتكسا"، إيما لي، لموقع "أويل برايس" إن واردات الصين من الشرق الأوسط تراجعت إلى نحو مليوني برميل يومياً، مقارنة بنحو ثلاثة ملايين برميل يومياً في مايو (أيار) من العام، وهو مستوى كان بدوره الأدنى في نحو عقد.

وتكشف هذه الأرقام عن مدى أهمية الصين في تحديد توازن السوق العالمية، ليس فقط باعتبارها أكبر مستورد للخام، لكن أيضاً باعتبارها المستورد الأكثر قدرة على خفض مشترياتها بسرعة عندما ترتفع الأسعار أو تتعرض الإمدادات العالمية لصدمة.

الصين تتحول إلى المشتري المرجح للنفط

واليوم وبعد مرور خمسة أشهر على الأزمة، أصبح انخفاض الطلب الصيني على النفط الخام أحد أهم العوامل التي حالت دون ارتفاع الأسعار إلى مستويات أعلى.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن اتجاه واردات الصين من الخام وحجم صادراتها من المنتجات النفطية سيكونان عاملين حاسمين في تحديد مسار الأسعار حتى نهاية العام، إلى جانب استمرار اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط.

وبدأت واردات النفط الصينية في يوليو (تموز) الماضي في التعافي من أدنى مستوياتها في يونيو، إذ تشير التقديرات إلى ارتفاعها بنحو 1.5 مليون برميل يومياً.

وساعد على ذلك خروج ملايين البراميل من النفط من مضيق هرمز خلال فترة استمرت ثلاثة أسابيع بين منتصف يونيو وبداية يوليو الماضيين، بالتزامن مع تسارع مشتريات الصين من النفط الروسي.

وأسهم التفاهم الأميركي - الإيراني في دفع أسعار النفط إلى نحو 70 دولاراً للبرميل في أواخر يونيو وبداية يوليو الماضيين، بينما خفض المنتجون في الشرق الأوسط أسعار شحنات يوليو الماضي وأغسطس (آب) الجاري الموجهة إلى الأسواق الآسيوية.

وقد يؤدي ذلك إلى استمرار تعافي واردات الصين خلال يوليو الماضي وأغسطس الجاري، وربما حتى أجزاء من سبتمبر (أيلول) المقبل، وهو ما من شأنه تقديم دعم إضافي للطلب العالمي على النفط.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن عودة التوترات العسكرية وتصاعد التهديدات التي تواجه ناقلات النفط في مضيق هرمز، إلى جانب الأخطار المتزايدة في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، قد تعرقل خطط الصين لزيادة مشترياتها من الخام خلال الأشهر المقبلة.

وفي المقابل، فإن ارتفاع أسعار النفط مجدداً إلى نحو 90 دولاراً للبرميل قد يدفع المصافي الصينية إلى تقليص مشترياتها من الشحنات التي ستصل بعد سبتمبر المقبل.

بكين أصبحت لاعباً حاسماً في تحديد أسعار النفط

أصبحت الصين منذ بداية أزمة الشرق الأوسط في فبراير (شباط) الماضي المشتري المرجح للطلب العالمي على النفط، بعدما انتقلت من موقع المستورد الضخم الذي يدفع الأسعار إلى الأعلى إلى لاعب قادر على تخفيف الطلب عندما ترتفع الأسعار أو تتراجع الإمدادات.

وهذا التحول يمنح بكين تأثيراً أكبر في السوق العالمية، إذ باتت قراراتها بشأن توقيت شراء الخام وحجم الواردات لا تؤثر فقط في المصافي الصينية، إنما في الأسعار العالمية أيضاً.

وإذا واصلت الصين زيادة وارداتها، في الوقت الذي تظل فيه إمدادات الشرق الأوسط مقيدة، فقد تجد أسعار النفط دعماً إضافياً وقد تعود إلى الارتفاع.

أما إذا قررت المصافي الصينية تقليص مشترياتها بسبب ارتفاع الأسعار أو استمرار الأخطار المرتبطة بمضيق هرمز والبحر الأحمر، فإن ذلك قد يخفف الضغط على السوق ويحد من أي ارتفاعات حادة.

وتكشف أزمة الأشهر الخمسة الماضية عن تحول أوسع في سوق النفط العالمية، فبينما كان التركيز في السابق ينصب بصورة أساسية على حجم الإمدادات التي تضخها الدول المنتجة، أصبح الطلب الصيني والمخزونات التي تحتفظ بها بكين عاملاً لا يقل أهمية في تحديد اتجاه الأسعار.

وبفضل احتياطاتها الضخمة وقدرتها على تعديل وارداتها بسرعة، أثبتت الصين أنها تستطيع امتصاص جزء كبير من صدمات الإمدادات العالمية.

لذلك، فإن السؤال الأهم بالنسبة إلى سوق النفط خلال الأشهر المقبلة لن يكون فقط ما إذا كان مضيق هرمز سيعود إلى العمل بصورة طبيعية، إنما مقدار النفط الذي ستقرر الصين شراءه، فبكين باتت تمتلك ما يكفي من المخزونات والمرونة في الطلب لتكون عاملاً حاسماً في تحديد ما إذا كانت أسعار النفط ستبقى تحت السيطرة أم ستواجه موجة ارتفاع جديدة إذا استمرت اضطرابات الإمدادات في الشرق الأوسط.

اقرأ المزيد

المزيد من البترول والغاز