ملخص
يقود حزب "ريستور بريطانيا" حملة سياسية تقوم على فكرة أن البيض في طريقهم إلى أن يصيروا أقلية في بلادهم قبل نهاية القرن الحالي، ويبني عليها برنامجاً للترحيل الجماعي وتقييد الوجود الإسلامي. الأرقام الرسمية تظهر بالفعل تراجعاً مطرداً في حصة فئة "الأبيض البريطاني" منذ 2001، لكن الإسقاطات التي يستشهد بها الحزب تخص باحثاً واحداً لا هيئة الإحصاء الوطنية، وتقوم على فرضيات يقول خبراء إنها هشة. بين انهيار معدلات الخصوبة وتراجع صافي الهجرة إلى أدنى مستوياته منذ أعوام، تتقاطع أزمة ديموغرافية مع خطاب يوظفها ضد المهاجرين والمسلمين تحديداً.
في السادس من أغسطس (آب) الجاري وجد روبرت لوي نفسه في مواجهة مباشرة مع مذيع إذاعة "بي بي سي" نيك روبنسون، الذي سأله أربع مرات عما إذا كان الملك تشارلز الثالث يُعد "بريطانياً أبيض" وفق التعريف الذي يستند إليه حزبه، فراوغ ورفض الإجابة. فالدراسة التي يستشهد بها لوي تعرّف "البريطاني الأبيض" بأنه من وُلد كلا والديه في المملكة المتحدة، وهو تعريف يُخرج الملك من التصنيف لأن والده الأمير فيليب وُلد في اليونان. وحين ضغط عليه روبنسون، أصر لوي على أن تحول البريطانيين البيض إلى أقلية بحلول 2063 "حقيقة لا يجادل فيها أحد".
وروبرت لوي نائب دائرة غريت يارموث في البرلمان البريطاني منذ 2024، ورئيس حزب "ريستور بريطانيا" الذي أُطلق نهاية يونيو (حزيران) 2025 كمجموعة ضغط، ثم تحول إلى حزب سياسي في 13 فبراير (شباط) 2026، وسُجل رسمياً لدى لجنة الانتخابات في 20 مارس (آذار) من العام نفسه، ويصنفه الباحثون في خانة اليمين المتطرف إلى أقصى اليمين، على يمين "ريفورم" الذي انشق عنه لوي. وبحلول يونيو 2026 كان "ريستور" جمع أكثر من 96 ألف عضو و13 عضو مجلس محلي، معظمهم منشقون عن "ريفورم".
الرقم الذي يدور حوله الجدل ليس من إنتاج هيئة الإحصاء الوطنية البريطانية، بل من ورقة بحثية أعدها الأكاديمي مات غودوين ونشرها مركز العلوم الاجتماعية غير التقليدية في جامعة باكنغهام. وتقدّر الورقة أن حصة "الأبيض البريطاني" ستتراجع من 73 في المئة عام 2025 إلى 57 في المئة عام 2050، ثم 44 في المئة عام 2075، و33.7 في المئة بحلول 2100، فتتوقع الورقة أن يصبح البيض بمجموعهم أقلية بحلول 2079، فيما ترتفع نسبة المسلمين من نحو سبعة في المئة اليوم إلى 11 عام 2050 و19 بنهاية القرن.
هنا تكمن مفارقة لافتة تُضعف الادعاء بحياد الدراسة، إذ لم يبق صاحبها في موقع الباحث المستقل. فقد أعلن حزب "ريفورم" ترشيح غودوين في انتخابات فرعية بدائرة "غورتون آند دنتون"، وخسر أمام مرشحة "الخضر" هانا سبنسر في 26 فبراير الماضي بعد حصوله على 10578 صوتاً مقابل 14980 صوتاً لها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ما تقوله البيانات الرسمية أقل درامية من العناوين. فوفق تعداد 2021 في إنجلترا وويلز، تراجعت حصة فئة "الأبيض البريطاني" من 87.5 في المئة عام 2001 إلى 80.5 عام 2011 ثم 74.4 في 2021، وهي تبقى أكبر فئة عرقية منفردة بفارق واسع. أما البيض بمجموع فئاتهم فبلغوا 81.7 في المئة من السكان، وترتفع النسبة على مستوى المملكة المتحدة إلى نحو 76 في المئة لفئة "الأبيض البريطاني" وحدها، وتصل إلى 90.9 في المئة في ويلز و87.1 في المئة في اسكتلندا و92.8 في المئة في إيرلندا الشمالية. التغير الحاد مركّز في المدن الكبرى، إذ سجلت لندن وبرمنغهام وليستر نسباً تقل عن 50 في المئة.
العامل الأول لتراجع البيض البريطانيين ليس الهجرة بل انهيار الإنجاب. تقدّر هيئة الإحصاء الوطنية أن معدل الخصوبة الكلي في إنجلترا وويلز تراجع من 1.41 طفل لكل امرأة عام 2024 إلى 1.39 في 2025، مع تسجيل 585396 ولادة حية، وهو أدنى رقم منذ 1977، في حين يحتاج بقاء عدد السكان مستقراً إلى معدل يقارب 2.1. ويُتوقع أن تتجاوز الوفيات الولادات اعتباراً من 2030. في المقابل، ارتفعت نسبة المواليد الذين وُلد أحد والديهم في الأقل خارج المملكة المتحدة إلى 40.2 في المئة عام 2025، وتصدرت الهند قائمة بلدان ميلاد الأمهات الأجنبيات للعام الرابع على التوالي.
العامل الثاني هو الهجرة، لكنها تتحرك اليوم في الاتجاه المعاكس لخطاب الحزب. فبعد أن بلغ صافي الهجرة ذروة قياسية عند 906 آلاف في العام المنتهي في يونيو 2023، هبط إلى 204 آلاف في العام المنتهي في يونيو 2025، ثم إلى 171 ألفاً في العام المنتهي في ديسمبر (كانون الأول) 2025. ورغم هذا التراجع الذي يتجاوز ثلاثة أرباع الذروة، أظهر مرصد "بريتش فيوتشر" أن 16 في المئة فقط من البريطانيين يدركون أن الهجرة انخفضت، بينما يعتقد 49 في المئة أنها ارتفعت.
ثمة ثلاث ملاحظات أساسية لهذا النوع من الإسقاطات. الأولى أن فرضيات الهجرة في الإسقاطات السكانية أخفقت مراراً على مدى 20 عاماً، وأن مرصد الهجرة في جامعة أكسفورد يشير إلى أن هيئة الإحصاء تفترض استقرار صافي الهجرة عند نحو 230 ألفاً سنوياً بحلول 2028. والثانية أن ثنائية "الأبيض البريطاني" مقابل "الأقليات" تبسط هويات مركبة وتتجاهل نمو فئة مختلطي الأعراق واندماج أجيال المهاجرين، كما تفترض ثبات الاتجاهات الحالية بلا تغيير. والثالثة أن الفئة الأسرع نمواً ليست "غير البيض" بل مختلطي الأعراق، إذ لا تتجاوز نسبتهم 0.4 في المئة بين من تخطوا 65 سنة بينما تبلغ نسبتهم 6.8 في المئة بين من هم دون الـ15، ويتوقع أستاذ الديموغرافيا والهوية، في كتابه "التحول الأبيض" إيريك كوفمان، أن يشكلوا 30 في المئة من سكان المملكة المتحدة بحلول 2100.
يضاف إلى ذلك اضطراب في التعريف نفسه. فقد أشار نيك روبنسون إلى أن أساس التوقع "محل خلاف واسع ويقوم على سلسلة فرضيات لا يعرف أحد إن كانت ستتحقق"، وأن معيار ولادة الوالدين داخل البلاد يستبعد الملك نفسه. وهو ما يكشف أن الحزب يستخدم مقياسين مختلفين، أحدهما عرقي مستمد من التعداد والآخر مبني على بلد الميلاد، ويقدمهما للجمهور بوصفهما شيئاً واحداً.
نظرية "الاستبدال العظيم" التي صاغها الكاتب الفرنسي رينو كامو تقول إن السكان البيض في أوروبا يجري استبدالهم عمداً بغير البيض بتواطؤ من النخب، ويرفضها الباحثون بوصفها قائمة على سوء فهم للإحصاءات السكانية وعلى رؤية عنصرية غير علمية. ويصف مشروع مكافحة الكراهية والتطرف العالمي (GPAHE) سياسة "إعادة الهجرة" بأنها الحل العملي المستمد من هذه النظرية، فيما وصفها معهد "الحوار الاستراتيجي" في تقرير سابق بأنها في جوهرها شكل غير عنيف من التطهير العرقي.
ويتبنى "ريستور بريطانيا" هذا الطرح صراحة، إذ يعلن أن مواليد "البريطانيين الأصليين" سيشكلون أقل من 50 في المئة من إجمالي الولادات بحلول 2030، وأنهم سيصيرون أقلية مطلقة بحلول 2070، لذا يتعهد بتنفيذ أضخم برنامج ترحيل جماعي إن وصل إلى السلطة يطال حتى مهاجرين نظاميين تلقوا إعانات أو عجزوا عن التحدث بالإنجليزية. كما ينوي إجراء استفتاء على عقوبة الإعدام وحظر البرقع والنقاب وسحب التمويل العام من "بي بي سي" وإلغاء "الذبح الحلال" و"الكوشير".
يحتل المسلمون موقع الهدف المركزي في هذا الخطاب. فقد كتب لوي على "إكس" أن نفوذ الإسلام على أسلوب الحياة البريطاني "أكبر بكثير مما ينبغي"، وقال إنه زار شوارع في مانشستر الكبرى "استُبدل" سكانها المحليون، متعهداً بمنع "تحول بريطانيا إلى بلد إسلامي". وفي منشور آخر اعتبر تصدر اسم "محمد" قائمة أسماء المواليد الذكور للعام الثالث دليلاً على تغير ديموغرافي، مضيفاً أنه لا يعنيه أن يوصف بالإسلاموفوبيا.
يرى جورجيوس ساماراس، الأستاذ المساعد في "كينغز كوليدج" لندن، أن استهداف المسلمين في بريطانيا غير مسبوق بالمعايير الأوروبية، وموجة الغضب تتصاعد بالتوازي مع تراجع فعلي في أعداد المهاجرين.
الانتقادات لا تأتي من اليسار وحده. فقد غادر السياسيان المحافظان سوزان هول وغافين ويليامسون مجلس "ريستور بريطانيا" الاستشاري فور تحوله إلى حزب سياسي، ونشرت صحيفة "تلغراف" مقالاً فحواه أن الحزب غير مؤهل للحكم. فيما قالت "فايننشال تايمز" إنه يتبنى شكلاً متشدداً من النزعة الأهلية نادراً ما شهدته السياسة البريطانية منذ تلاشي "الحزب الوطني"، وصنفته منظمة "هوب نوت هيت" جزءاً من "أَعرقة" اليمين المتطرف، وأوردت أن قيادات نازية جديدة وضباطاً سابقين في "الحزب الوطني" أعلنوا دعمهم له، وهو ما رد عليه الحزب بوصفه حملة تشويه.
كما أوردت تقارير أن ناشطين مرتبطين بحركة "إعادة الهجرة الآن" بدأوا التموضع داخل حركة لوي، وأن الناشط اليميني المتطرف ستيف لوز يقول إنه على اتصال يومي بشخصيات قيادية فيها. وعلى صعيد آخر، أدان "مجلس القيادة اليهودية" تشبيه لوي فضيحة عصابات "استغلال القاصرات" بالمحرقة، ووصفه بأنه غير دقيق ومهين.
داخل معسكر اليمين نفسه ينقسم الموقف. فنايجل فاراج يعرّف البريطانية بالانتماء الشعوري لا بالعرق، ويقول إن على المرء أن يجيب تلقائياً بأنه بريطاني ليكون جزءاً من الأمة، مؤكداً أن ذلك لا يستثني غير البيض. وفي المقابل، يرى فاراج أن "ريستور" قادر على إلحاق ضرر كبير بحزبه من دون أن يفوز بمقاعد تُذكر، بعد أن عرض لوي عليه تعاوناً بين الحركتين. أما عن دعم إيلون ماسك للحزب، فقد قلل فاراج من شأنه واعتبر أنه يساند حزباً لا يتعدى كونه رجلاً واحداً يملك حساباً على وسائل التواصل.
ويقول تيم بيل، أستاذ السياسة في جامعة "كوين ماري" بلندن، إن سوقاً قائمة بالفعل لمواقف متطرفة من الهجرة والتعددية الثقافية، وقد يكون لحزب "ريستور مستقبل باقتناص أصوات تُضعف حظوظ فاراج في تشكيل حكومة. وتراوحت استطلاعات الحزب بين أربعة في المئة لدى "يوغوف" وتسعة في المئة لدى "فايند آوت ناو" في أبريل (نيسان) 2026.
الحكومة نفسها لم تنجُ من الاتهام بتغذية الأجواء ذاتها. فحين حذر رئيس الوزراء السابق كير ستارمر من أن بريطانيا قد تصبح "جزيرة من الغرباء" إن لم تنخفض الهجرة، شُبه كلامه بخطاب إينوك باول الشهير في عام 1968، قبل أن يعلن ستارمر لاحقاً ندمه العميق على استخدام العبارة قائلاً إنه ما كان ليستعملها لو علم أنها ستُقرأ بوصفها صدى لباول، أما النائب روبرت جنريك فدافع عن العبارة معتبراً أن بريطانيا صارت بالفعل جزيرة من الغرباء.
وتكشف دراسة أجراها معهد السياسات في كينغز كوليدج لندن عام 2023 أن 32 في المئة من البريطانيين يعتقدون أن نظرية "الاستبدال العظيم" صحيحة قطعاً أو على الأرجح، وهي نسبة تفوق كثيراً تقدير الجمهور نفسه لحجم المؤمنين بها. هذه الفجوة بين الإدراك والواقع هي المساحة التي يتحرك فيها خطاب "انقراض العرق الأبيض": تراجع ديموغرافي حقيقي وموثق، تُبنى فوقه إسقاطات ممتدة قرناً كاملاً، ثم تُترجم إلى برنامج ترحيل جماعي وحظر ديني، بينما تسير الأرقام الفعلية للهجرة والولادات في اتجاه لا يسنده الخطاب.