ملخص
يواجه رئيس الوزراء البريطاني الجديد ضغوطاً متصاعدة لفتح تحقيق وطني في نشاط المجرم الأميركي جيفري إبستين داخل بريطانيا، بعدما كشف تضارب علني بين وزرائه ومكتبه في "داونينغ ستريت" عن انقسام في الموقف الرسمي. وزيرة الضحايا تحدثت عن دراسة جادة للفكرة، فيما نفى المكتب الرسمي أن يكون الأمر مطروحاً، مما أعاد إحياء اتهامات قديمة بحماية النافذين. الملف يحمل أبعاداً قضائية ودستورية ومالية معقدة، لكنه يصطدم قبل ذلك بسردية بنى عليها رئيس الوزراء صعوده السياسي.
في الثالث من أغسطس (آب) الجاري، قالت وزيرة الضحايا أليكس ديفيز جونز لهيئة الإذاعة البريطانية إن الحكومة تدرس إمكان إطلاق تحقيق عام في أنشطة المجرم الأميركي جيفري إبستين داخل المملكة المتحدة، وإن رئيس الوزراء وافق على لقاء الضحايا، وفي صباح اليوم التالي عزز وزير العدل جيك ريتشاردز الانطباع ذاته، فقال لقناة "سكاي نيوز" إن رئيس الوزراء سينظر في الأمر ويمنح نفسه الوقت اللازم لتحديد المسار الأفضل للضحايا ولضمان استخلاص الدروس.
انقلب الموقف خلال ساعات بعدما أعلن مكتب رئيس الوزراء آندي بيرنهام أنه لا ينظر فعلياً في تشكيل تحقيق عام، في تناقض مباشر مع ما قاله وزيران في حكومته خلال 12 ساعة. وأصدرت وزارة العدل بياناً قالت فيه إن "أفكارها مع ضحايا إبستين الذين عاشوا صدمة مدمرة، وإنها تراجع الخيارات المتاحة لدعمهم"، مع تأكيد التزام بيرنهام بلقائهم، ونفي أن يكون التحقيق العام مطروحاً بصورة نشطة.
لم يعد ملف إبستين في المملكة المتحدة قضية أخلاقية بعيدة، بل تحول لأزمة مؤسسية. فبعد نحو سبعة أعوام على وفاته، هز الملف المؤسسة البريطانية وأفضى إلى توقيف أندرو ماونتباتن وندسور، شقيق الملك تشارلز، وبيتر ماندلسون السفير السابق لدى واشنطن.
مصدر الجدل الحالي وثيقة تلقاها رئيس الوزراء قبيل توليه المنصب، فبحسب "بي بي سي" أرسل ناشطون عماليون في مكافحة العنف ضد النساء والفتيات وثيقة تطالب بيرنهام بتحقيق في أنشطة إبستين في بريطانيا، من بينها الكيفية التي تمكن بها من استخدام قواعد جوية عسكرية لنقل نساء إلى البلاد وخارجها على متن طائرته الخاصة.
ويحظى المطلب بدعم من الناجين أنفسهم، فقالت الناجية ليزا فيليبس لهيئة الإذاعة البريطانية إنها تأمل أن يشكل لقاء بيرنهام بداية فصل جديد يسمع فيه الناجون وتحاسب فيه المؤسسات، فيما أعلنت مجموعة "لا أحد فوق القانون" تأييدها لتحقيق عام، كما كانت ديفيز جونز نفسها قد استقالت من حكومة رئيس الوزراء السابق كير ستارمر في مايو (أيار) الماضي احتجاجاً على ما وصفته بإخفاقه في الإصغاء إلى ناجيات إبستين، قبل أن تقبل العودة للمنصب ذاته بعد حصولها على تعهد بإحداث تغيير شامل في منظومة دعم الضحايا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
العائق الأول أمام أي تحقيق وطني هو التحقيقات الجنائية الجارية، فالمخاوف من المساس بمسار المحاكمات المحتملة كانت الحجة الرسمية المتكررة في عهد الحكومة السابقة. فحين سئلت وزيرة التعليم بريدجيت فيليبسون عن تحقيق قضائي في علاقة أندرو بإبستين، قالت إن "الحكومة ستنظر في أي مقترحات معقولة، لكن الأمر سابق لأوانه لأن الشرطة تؤدي عملها". كما تفادى ستارمر الدعوات إلى تحقيق عام في نشاط إبستين واستخدامه المحتمل مطارات بريطانية، محتجاً بالتحقيقات الشرطية.
العائق الثاني يتعلق بالأدلة، فقد حذر محققون من أن سجلات رحلات الطيران الممتدة على عقدين قد لا تكون موجودة أصلاً، إذ يحتفظ سلاح الجو الملكي بقوائم الركاب لثلاثة أشهر فقط قبل إتلافها، فيما تحتفظ شركات الطيران التجارية بها ستة إلى سبعة أعوام عادة.
وأمر جون هيلي، حين كان وزيراً للدفاع، بمراجعة سجلات الوزارة الممتدة على أكثر من عقدين وتسليم الشرطة أي سجلات طيران مرتبطة بإبستين، بعدما طالب رئيس الوزراء السابق غوردون براون ست قوى شرطية بالتحقيق. وكان تقرير لـ"بي بي سي" قد أحصى نحو 90 رحلة مرتبطة بإبستين، وصلت إلى مطارات بريطانية أو غادرتها.
العائق الثالث مالي وزمني، فالتجربة البريطانية الأقرب لا تشجع أية حكومة تعاني ضغوطاً في الموازنة، إذ إن التحقيق المستقل في الاعتداء الجنسي على الأطفال استغرق سبعة أعوام واستمع إلى أكثر من 7 آلاف ضحية وعقد 325 يوماً من الجلسات العلنية بكلفة بلغت 186.6 مليون جنيه استرليني. وعلى رغم ذلك انتقدت رئيسة التحقيق الحكومة لعدم قبولها توصياتها كاملة. يضاف إلى ذلك ازدحام أجندة التحقيقات القائمة، إذ أشارت ديفيز جونز نفسها إلى وجود تحقيق قانوني جار بالفعل في شأن ضحايا عصابات "استغلال القاصرات".
يكمن التحدي الكبير لبيرنهام في هذا الملف، في كونه الرجل الذي وصل "داونينغ ستريت" بوصفه خصماً للمؤسسة ومدافعاً عن الضحايا في مواجهة تكتم الدولة، ففي أول خطاب له في مجلس العموم بعد انتخابه نائباً، وصف "قانون هيلزبره" بأنه "إعادة تركيب للدولة ونقل للسلطة من السلطات إلى أيدي الناس العاديين"، والتشريع يلزم الموظفين العموميين، من الشرطة إلى الأطباء وموظفي الخدمة المدنية، بقول الحقيقة أمام التحقيقات.
أن يقود رئيس وزراء بنى شرعيته على فضح التكتم المؤسسي، حكومة ينفي مكتبها دراسة تحقيق في أكبر ملف مثل جرائم إبستين، تناقض يصعب تسويقه. والأسوأ أن التناقض جاء علنياً وسريعاً، وفي توقيت كان فيه بيرنهام في إجازة، مما فتح الباب أمام اتهامات لوزرائه بالتحرك خارج الخط الرسمي وترك مكتبه يصحح المسار، وهو ما يمنح المعارضة مادة جاهزة للحديث عن حكومة بلا انضباط أو عن تراجع مبكر عن الوعود.
الأرجح أن يلجأ بيرنهام إلى مسار وسط، يبدأ بلقاء الناجين وحزمة إصلاحات لدعم الضحايا من دون التزام بتحقيق قانوني كامل، على أمل أن تنضج التحقيقات الجنائية أولاً، غير أن هذا المسار محفوف بالأخطار. فملف إبستين أثبت قدرته على إسقاط رؤوس كبيرة في بريطانيا، إذ دفع ماندلسون إلى الاستقالة من مجلس اللوردات ومن حزب العمال، وأطاح باثنين من كبار العاملين مع ستارمر، وأسهم في الدعوات إلى رحيله.
بيرنهام، الذي وعد في خطابه الأول بأكبر تغييرات منذ 40 عاماً، يدخل المنصب بوصفه سابع رئيس وزراء في عقد واحد. ومن يرث سلسلة من الاستقالات المدفوعة بالفضائح لا يملك ترف تكرار خطأ سلفه، في هذا الملف تحديداً.