ملخص
لم يكن ينقص المشهد الثقافي سوى تصاعد وتيرة الشك على هذا النحو المخيف، ففي الآونة الأخيرة وجدت الكتابة نفسها في مواجهة اتهام لم تألفه من قبل: هل هي نتاج خالص لعقل بشري، أم أن الذكاء الاصطناعي تدخل في توليفها؟
بعد أن كان السجال يتمحور حول جودة الأفكار، وأصالتها، وقيمتها الفنية، بات يحوم اليوم حول صحة نسبتها إلى صاحبها، وأصبح المؤلف مطالباً ـ قبل أن يقنع القارئ بموهبته ـ بأن يثبت للناشر أنه هو من صاغ النص بجهده الخالص.
هذا ما حدث مع الرواية البوليسية "اتصل بي، وسأتولى إخفاء الجثة" Call Me, I'll Hide the Body للكاتب جيري فالادي، التي تحولت من عمل روائي يتتبع جريمة متخيلة إلى تحقيق يستقصى في عالم النشر وعلى مواقع التواصل.
مبدعون ولكن
وفق ما تداولته الصحف العالمية، مر مخطوط الرواية على قراء أوليين وثانويين، ومحررين، ولجان قراءة في عدد كبير من دور النشر. وبعد أن اطمئن الجميع ـ واصفين العمل بأنه "مبهر لدرجة الإذهال" ـ أشعلت المخطوطة مزاداً تنافست فيه 14 دار نشر، لتتلقى عرضاً ضخماً يتجاوز مليوني دولار (1.5 مليون جنيه استرليني) من دار "مينوتور" التابعة لمجموعة "ماكميلان" الأميركية، وكان من المقرر صدورها عام 2028. غير أن الرواية سحبت فجأة، وسط مزاعم تفيد بأنها كتبت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
والحقيقة أن القضية لم تعد تخص هذه الرواية وحدها، بل أصبحت تهدد الإبداع في عقر داره. ففي الأشهر الأخيرة، توالت حالات مشابهة داخل صناعة النشر، إذ سحبت دار هاشيت النسخة الأميركية من رواية الرعب "الفتاة الخجولة" Shy Girl للكاتبة ميا بالارد، بعد انتشار اتهامات عبر الإنترنت باستخدام الذكاء الاصطناعي، على رغم نفيها ذلك بشدة. كما واجهت الكاتبة إتش إم وولف، صاحبة رواية "داغرماوث" Daggermouth، الاتهامات نفسها، وأكدت بدورها أن عملها حصيلة فكرها الشخصي.
كذلك واجه الكاتب الترينيدادي جمير نذير اتهامات واسعة عبر منصات التواصل الاجتماعي بأن قصته الفائزة بجائزة الكومنولث للقصة القصيرة، "الثعبان في البستان" The Serpent in the Grove، استعانت بالذكاء الاصطناعي، استناداً إلى ملاحظات تتعلق بخصائصها الأسلوبية. إلا أن مؤسسة الكومنولث أجرت مراجعة شاملة تضمنت فحص المسودات والملفات الموقتة، وانتهت إلى تأكيد أصالة العمل وبراءة الكاتب. ومع ذلك، فإن الجدل الذي أثارته القضية، وانسحاب مجلة "غرانتا" من نشر الأعمال الفائزة على خلفيتها، كشف عن حجم القلق المتزايد داخل الأوساط الأدبية في شأن حدود استخدام التقنيات الحديثة في عملية الإبداع.
أما جيري فالادي، فقد اعتبر أن ما حدث يكشف عن مشكلة أوسع داخل صناعة النشر، مشيراً إلى أن ثلاثة كتاب من ذوي البشرة الداكنة بعد أن أبرموا هذا العام صفقات نشر كبرى تعرضوا لإلغاء عقودهم أو تعطيلها للأسباب ذاتها. في المقابل، هناك كتاب بيض مشهورون أعلنوا أنهم يستخدمون الذكاء الاصطناعي في عملية الكتابة، ومع ذلك لم يتعرضوا لأية عواقب. ورأى فالادي أن الأمر لا يتعلق فقط بالتكنولوجيا، بل يفتح نقاشاً حول احتمال وجود تحيزات كامنة في طريقة تعامل الصناعة مع بعض الكتاب.
نأسف لهذا الخطأ الفني
تكشف هذه الوقائع عن غياب معايير للتمييز بين ما يتفتق عنه الذهن وما تفرزه الآلة، فلا توجد، حتى الآن، علامات قاطعة يمكن الركون إليها، وإنما مجموعة من المؤشرات المحتملة، مثل الانتظام المفرط في الأسلوب، والتكرار، واللغة المصقولة إلى حد يفقدها خصوصيتها، أو الميل إلى العمومية والافتقار إلى التفاصيل الحسية والخبرة الشخصية. غير أن هذه السمات لا تمثل أدلة دامغة، سيما وأن الذكاء الاصطناعي يتم تغذيته في الأساس من نماذج بشرية فضلاً عن آليته ورتابته في معالجة تلك النماذج.
وما يلفت في قضية رواية "اتصل بي، وسأتولى إخفاء الجثة"، أن المخطوطة التي تحولت إلى موضع شك كانت، قبل ذلك، محل إشادة واسعة داخل صناعة النشر. فقد نقلت مجلة ذا بوكسيلر عن الوكيل الأدبي مارك جيرالد أنه قرأ الرواية للمرة الأولى في يونيو (حزيران)، واصفاً إياها بأنها "مذهلة إلى حد كبير"، مضيفاً: "وقع الجميع في حبها، إنها رواية يمكن أن تجذب جميع القراء بلا استثناء". كما أكد، بعد انهيار الصفقة، أن الرواية "عمل عبقري"، وأن الجدل الدائر في شأنها لا ينتقص من قيمتها الأدبية.
في المقابل، جاء قرار السحب بسبب العجز عن التحقق من مسار كتابة المخطوطة. فقد أشارت وكالة فالادي، أنها ناقشت مع فالادي مسألة استخدام الذكاء الاصطناعي، واطمأنت في البداية إلى تأكيده أن الرواية كتبت من دون الاستعانة بهذه الأدوات، سواء في الكتابة أو التحرير، لكنها قررت لاحقاً سحب الكتاب لأنها لم تعد قادرة على إثبات ذلك: "لم نعد قادرين على التحقق من الكيفية التي تطورت بها المخطوطة بالكامل، منذ نشأتها حتى اكتمالها". فهل يكفي احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي لاستبعاد العمل تماماً، حتى في غياب الدليل؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تزداد تلك الإشكالية مع حقيقة أن أدوات الكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي نفسها لا تتمتع بموثوقية كاملة، إذ حذرت دراسات عدة من ارتفاع معدلات النتائج الخاطئة، مما يجعلها أحياناً وسيلة لإثارة الشكوك أكثر من كونها أداة قادرة على نسف صدقية الكاتب. وقد أشار فالادي نفسه إلى ذلك قائلاً إن "أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي معروفة بإصدار نتائج إيجابية كاذبة على نطاق واسع"، مضيفاً: "في حالتي، بدأت الإشاعات تنتشر، وخلال ست ساعات فقط كانت وكالتي قد تخلت عني، وجمدت صفقات النشر، وبدأت البيانات الصحافية تصدر".
الشراكة المحرمة
يبدو أن الذكاء الاصطناعي لم يغير شكل الكتابة فحسب، وإنما غير صورة المؤلف نفسها. فذلك الكاتب الذي كثيراً ما ارتدى عباءة المبدع المنعزل، المستند إلى ذاكرته وخبرته وحدسه وحده، بات يعمل اليوم داخل منظومة تتداخل فيها المعرفة البشرية مع الأدوات الرقمية، والخيال الشخصي مع المساعدات الذكية. ولم يعد السؤال: هل استعان الكاتب بالتقنية؟ فالتاريخ الأدبي كله هو تاريخ طويل للاستعانة بالأدوات، من القواميس والموسوعات إلى المحررين والقراء الأوائل، وإنما أصبح السؤال: متى تتحول الأداة من وسيلة تساعد في تحسين الفكرة إلى نقض لمبدأ الابتكار؟ كما أن بلوغ بعض النصوص هذا المستوى من الإبهار يدفعنا للتساؤل عن مشروعية تلك الشراكة، فالذكاء الاصطناعي قادر على اقتراح بدائل، ورصد الثغرات، واختبار الحبكات، وإعادة الصياغة، بل والتفكير مع الكاتب بصوت عال بما يمنح العمل إمكانات غير مسبوقة.
فإذا كان خورخي لويس بورخيس قد رأى أن الأدب، في جوهره، حوار متصل مع نصوص سبقتنا، وأن كل كتابة تحمل أثر كتابات أخرى نازعاً عنها هالة الأصالة، فإن الذكاء الاصطناعي يدفع هذه الفكرة إلى أقصاها، إذ أصبح قادراً على استدعاء ذلك التراث كله في لحظة واحدة، ثم إعادة تركيبه بإيعاز من الكاتب الذي يختار ويستبعد ويغامر ويخطئ. فهل يمكننا اعتبار ذلك مجرد امتداد طبيعي لتاريخ طويل من استعانة الأدب بأدواته؟ ثم إذا كانت هذه الشراكة تفضي إلى نص أكثر إحكاماً وإقناعاً، فهل تصبح مشروعة؟ وهل تحتاج صناعة النشر إلى تقنينها بدلاً من تجريمها واستبعادها من المشهد؟