ملخص
من المرجح أن تدخل منطقة حوض بحيرة تشاد مرحلة من العنف منخفض الشدة لكنه طويل الأمد، تتراجع فيها فرص الحسم العسكري، بينما يزداد خطر تحول الحوض إلى حلقة وصل استراتيجية بين بؤر التمرد في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، بما يتجاوز تداعياته الأمن الإقليمي.
تشهد منطقة حوض بحيرة تشاد مرحلة جديدة من التحول، تتجاوز نمط التمرد التقليدي إلى صراع مركب تتداخل فيه المنافسة بين التنظيمات المسلحة مع تصدع الدولة، والاقتصاد غير الرسمي، والفراغات الأمنية الممتدة عبر الحدود. ففي الإقليم الذي يضم الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا، لم يعد التهديد الرئيس يتمثل في قدرة الجماعات الإرهابية على تنفيذ الهجمات فحسب، وإنما في نجاحها المتزايد في ترسيخ هياكل حكم موازية، وإدارة شبكات التمويل، وإعادة تشكيل البيئة الأمنية بما يخدم استدامة نشاطها المسلح. وأصبح حوض بحيرة تشاد، بما يوفره من تضاريس معقدة وجزر معزولة وحدود يسهل اختراقها، ملاذاً عملياتياً يتيح لهذه الجماعات المتطرفة إعادة التموضع وفرض النفوذ على المجتمعات المحلية.
ولم تعد العلاقة بين جماعة "بوكو حرام" و"داعش غرب أفريقيا" تختزل في الانشقاق التنظيمي الذي وقع في عام 2016، بل تطورت إلى منافسة استراتيجية على السيطرة الإقليمية وموارد التمويل واستقطاب المقاتلين. وقد كشفت المقاطع الدعائية التي بثها التنظيمان خلال الأشهر الأخيرة عن تصاعد في المواجهات المباشرة بينهما، بما يؤكد أن الصراع الداخلي أصبح عاملاً مؤثراً في رسم الخريطة الأمنية للإقليم، وليس مجرد امتداد للخلافات العقائدية أو القيادية. وفي الوقت ذاته، تواصل جماعة "بوكو حرام" استغلال توترات الحدود وابتزاز المجتمعات المحلية وفرض الإتاوات على أنشطة الصيد والتجارة وجمع ملايين الدولارات، مع تطوير أدواتها العملياتية عبر توظيف الطائرات المسيرة وتحسين منظومات الاتصال والاستفادة من التقنيات الرقمية في القيادة والسيطرة. وتشير هذه المؤشرات إلى أن الصراع في حوض بحيرة تشاد لم يعد يقاس بعدد الهجمات أو الخسائر البشرية وحدها، بل بقدرتها على التكيف مع الضغوط العسكرية.
تطور الصراع
تطور الصراع في حوض بحيرة تشاد من خلال مسار سلكته جماعة "بوكو حرام" في الحوض، الذي يمثل نظاماً إقليمياً مترابطاً تتفاعل فيه البيئة والاقتصاد والسياسة والأمن عبر حدود الكاميرون وتشاد والنيجر ونيجيريا. فقد شكلت البحيرة تاريخياً مركزاً للتجارة العابرة للحدود والصيد والرعي والزراعة الموسمية، وربطت مجتمعات الكانوري والهوسا والعرب وغيرها بشبكات اقتصادية واجتماعية سبقت قيام الدول الحديثة. غير أن انكماش البحيرة والنمو السكاني وضعف التنمية وضعف الإدارة الحدودية، أضعفت حضور الدولة وأتاحت توسع شبكات التهريب والاقتصاد غير الرسمي التي استغلتها الجماعات المسلحة لاحقاً.
شكل عام 2009 نقطة التحول الأساس بعد مقتل زعيم الجماعة محمد يوسف، إذ أعاد أبو بكر شيكاو بناء "بوكو حرام" كتمرد مسلح عابر للحدود. وبين عامي 2013 و2015 بلغت الجماعة ذروة توسعها، مستفيدة من جزر البحيرة ومستنقعاتها كقواعد عملياتية، بينما أصبحت عمليات الاختطاف وفرض الإتاوات والتهريب والجباية على الصيد والتجارة منظومة تمويل مستقرة. وأدى انشقاق عام 2016 إلى بروز "داعش في غرب أفريقيا"، لينتقل الصراع من مواجهة الحكومات إلى تنافس داخلي على النفوذ والموارد والسكان المحليين. وبعد مقتل شيكاو في عام 2021، أعاد التنظيمان توزيع مناطق السيطرة، مع تفوق متزايد لـ"داعش غرب أفريقيا" في عدد من الجزر والممرات المائية.
وخلال عام 2025 برزت مؤشرات واضحة على استعادة الجماعتين قدرتهما الهجومية، مع تصاعد الكمائن ضد القوات النظامية واستهداف القواعد العسكرية والقرى وتكثيف المنافسة على الممرات التجارية ومجتمعات الصيد. وفي الرابع من مايو (أيار) الماضي، قتلت "بوكو حرام" 24 جندياً تشادياً وأصابت 46 آخرين في هجوم على قاعدة بركة تولوروم العسكرية على ضفاف بحيرة تشاد، وقتلت بعد يومين جنرالين تشاديين في هجوم آخر. كذلك فإن إعادة إنتاج مصادر قوة هذه الجماعات وتحويل المنافسة في ما بينها إلى وسيلة لتعزيز بقائها وترسيخ حضورها، يقع ضمن ديناميكيات هذا الصراع بوصفه منظومة متكاملة تتفاعل فيها الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية.
عوامل النشاط
يعكس نشاط "بوكو حرام" خلال عامي 2025 و2026 تفاعل مجموعة من المتغيرات العسكرية والاقتصادية والإقليمية، التي أعادت تشكيل البيئة العملياتية في حوض بحيرة تشاد. ويتمثل العامل الأول في تراجع كثافة الضغط العسكري على معاقل الجماعة، نتيجة إعادة توزيع القدرات الأمنية النيجيرية لمواجهة تصاعد أعمال العصابات المسلحة في شمال غرب البلاد، وهو ما أوجد فراغات استغلتها الجماعة لإعادة التموضع، واستعادة حرية الحركة بين الجزر والممرات المائية والمناطق الحدودية.
ويتمثل العامل الثاني في التحول التدريجي لاقتصاد التمرد، فبعد أعوام من الاعتماد على النهب والغنائم، أصبحت الجماعة تدير مصادر دخل أكثر استقراراً تقوم على فرض الإتاوات على الصيد والرعي والتجارة المحلية، والتحكم في طرق التهريب وابتزاز المجتمعات الواقعة خارج السيطرة الحكومية. ويشير هذا التحول إلى أن بقاء الجماعة بات مرتبطاً بقدرتها على إدارة اقتصاد مواز، أكثر من ارتباطه بالسيطرة الإقليمية المباشرة.
أما العامل الثالث فيتمثل في التحولات داخل بيئة هذه الجماعات، فالمنافسة مع "داعش في غرب أفريقيا" لم تؤد إلى استنزاف دائم للطرفين، بل دفعت كلاً منهما إلى تطوير تكتيكاته وتحسين قدراته الاستخبارية وتبني وسائل قتال أكثر تعقيداً، بما في ذلك استخدام الطائرات المسيرة والعبوات الناسفة المتطورة والكمائن المركبة ضد القواعد العسكرية وخطوط الإمداد.
إقليمياً، أسهم تراجع فاعلية آليات التعاون الأمني، ولا سيما بعد تعثر التنسيق داخل "القوة المشتركة متعددة الجنسيات"، في توسيع هامش المناورة أمام "بوكو حرام". كذلك الاضطرابات السياسية في دول الساحل أعادت تنشيط شبكات تهريب السلاح وحركة المقاتلين عبر الحدود، مما وفر عمقاً لوجستياً إضافياً للتمرد.
وعلى رغم أن الأيديولوجيا لا تزال تؤدي دورها في التجنيد ومنح التنظيم تماسكه الداخلي، لكنها لم تعد المحرك الوحيد لسلوكه، فاختيار مناطق النشاط وتوقيت الهجمات وطبيعة الأهداف تعكس حسابات تتعلق بالموارد واستنزاف الدولة وتعظيم العائد الاقتصادي بقدر ما تعكس اعتبارات عقائدية. ومن ثم، فإن تجدد نشاط "بوكو حرام" لا يمثل عودة لنموذجها السابق، بل تطوراً نحو تمرد أكثر براغماتية ومرونة، يجمع بين الخطاب الديني وآليات اقتصاد الحرب، ويستفيد من هشاشة البيئة الإقليمية لإطالة أمد الصراع.
مرحلة خطرة
تكمن خطورة المرحلة الراهنة في أن "بوكو حرام" لم تعد تسعى إلى استعادة نموذج "إدارة الأراضي" الذي ميز تمددها السابق، بل انتقلت إلى استراتيجية أكثر استدامة تقوم على إنهاك الدولة بدلاً من منافستها على السيطرة المباشرة. ويعكس هذا التحول انتقالاً لاستخدام موازين القوى، فبدلاً من الاحتفاظ بمناطق واسعة يسهل استهدافها، تعتمد الجماعة اليوم على وحدات صغيرة عالية الحركة، تنفذ كمائن معقدة وتضرب القواعد العسكرية، ثم تنسحب سريعاً إلى البيئة الجغرافية المعقدة التي توفرها الجزر والمجاري المائية والحدود المفتوحة. وبهذا المعنى، أصبحت قدرة الجماعة تقاس بحرمان الحكومات من فرض الاستقرار، لا بمساحة الأراضي التي تسيطر عليها.
يمثل حوض بحيرة تشاد فضاء أمنياً واحداً، بينما تبقى الاستجابة السياسية موزعة بين أربع دول تختلف في نظمها القانونية وعقائدها العسكرية ولغات العمل الرسمية وأولوياتها الأمنية. وتخلق هذه الانقسامات فجوة تستفيد منها الجماعات المسلحة، إذ تتحول الحدود إلى مناطق انتقال وليست خطوط ردع، بينما تؤدي الاختلافات الإدارية والبيروقراطية بين نيجيريا الناطقة بالإنجليزية وتشاد والنيجر والكاميرون الناطقة بالفرنسية، إلى إبطاء تبادل المعلومات الاستخبارية وتعقيد ملاحقة المقاتلين وإطالة زمن الاستجابة للتهديدات العابرة للحدود.
ولا يقتصر أثر هذا الواقع في المجال العسكري، بل يمتد إلى البنية الاقتصادية والاجتماعية للحوض. فالهجمات المتكررة على الطرق والمرافئ النهرية وأسواق الأسماك ووسائل النقل المحلية لا تستهدف البنية التحتية، بقدر ما تستهدف شبكة الترابط الاقتصادي التي تربط المجتمعات الأربعة. وكلما تعطلت حركة السلع والأفراد، ازدادت كلفة التجارة النظامية واتسع نفوذ شبكات التهريب التي تعتمد عليها الجماعات المسلحة في التمويل والإمداد. وهكذا يتحول انعدام الأمن إلى مورد اقتصادي بحد ذاته، يعيد إنتاج البيئة التي يستند إليها التمرد.
كذلك فإن استمرار الضغوط الأمنية على الجيوش الوطنية يفرض استنزافاً طويل الأمد يتجاوز الخسائر البشرية، فتكيف الجماعة مع العمليات العسكرية يجبر القوات على الانتشار في مساحات واسعة لحماية القواعد وخطوط الإمداد والبنية التحتية في آن واحد، بما يقلص قدرتها على تنفيذ عمليات هجومية متواصلة. وفي المقابل، تستفيد "بوكو حرام" من عامل الزمن، إذ يكفيها الحفاظ على وتيرة هجمات منتظمة لإبقاء الحكومات في حالة استجابة دائمة، وتقويض ثقة السكان في قدرة الدولة على توفير الأمن.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مستقبل المواجهة
تشير الاتجاهات الراهنة إلى أن مستقبل المواجهة في حوض بحيرة تشاد لن يحسم عبر انتصار عسكري تقليدي، بل سيتحدد بقدرة الدول الأربع على إعادة بناء النظام الإقليمي الذي تآكل خلال العقد الماضي. فالأزمة لم تضعف مؤسسات الدولة فحسب، وإنما أخلت أيضاً بشبكة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية التي حافظت تاريخياً على تماسك الحوض، إذ تراجعت التجارة الشرعية، وتقلصت حركة السكان، وازدادت عزلة المجتمعات الحدودية، بينما توسعت شبكات التهريب والاقتصاد غير المشروع بوصفها بديلاً عن مؤسسات الدولة. ومن دون استعادة هذه الروابط، سيظل أي نجاح عسكري عرضة للتآكل بمجرد تراجع العمليات الأمنية.
وفي المقابل، تبدو "بوكو حرام" أكثر استعداداً لخوض صراع استنزاف طويل الأمد بدلاً من السعي إلى تحقيق مكاسب إقليمية سريعة. ويمنحها هذا النهج مرونة استراتيجية، إذ يكفيها تعطيل جهود الاستقرار وإبقاء الحكومات في حالة تعبئة مستمرة، بما يرفع الكلفة السياسية والاقتصادية للمواجهة. ومن المرجح أن يتزايد اعتمادها على التكنولوجيا منخفضة الكلفة وعالية التأثير وتوسيع شبكاتها اللوجستية العابرة للحدود وتعميق ارتباطها باقتصادات الظل، بدلاً من الاستثمار في السيطرة المكانية المباشرة.
غير أن التحدي الأهم يتمثل في التحولات الجيوسياسية التي يشهدها إقليم الساحل، فإعادة اصطفاف التحالفات الأمنية وتراجع انخراط بعض الشركاء الدوليين وتنامي أدوار فاعلين خارجيين جدد، تعيد تشكيل بيئة مكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا بصورة قد تمنح الجماعات المسلحة هامشاً أوسع للمناورة. وفي الوقت ذاته، فإن تباين أولويات الدول المطلة على بحيرة تشاد، بين مواجهة الإرهاب وإدارة الأزمات الداخلية وتأمين الحدود، يحد من بناء استراتيجية إقليمية متماسكة.
لن يتوقف مستقبل الصراع على قدرة الجيوش على ملاحقة المقاتلين، بل على قدرة الدول على استعادة شرعية الحكم في المناطق الطرفية وإحياء الاقتصاد الحدودي المشروع وبناء منظومة استخبارية وتشغيلية عابرة للحدود تتعامل مع الحوض كوحدة أمنية واحدة، لا كأربع ساحات وطنية منفصلة. وإذا أخفقت هذه المقاربة، فمن المرجح أن تدخل المنطقة مرحلة من العنف منخفض الشدة لكنه طويل الأمد، تتراجع فيها فرص الحسم العسكري، بينما يزداد خطر تحول حوض بحيرة تشاد إلى حلقة وصل استراتيجية بين بؤر التمرد في غرب أفريقيا ومنطقة الساحل، بما يتجاوز تداعياته الأمن الإقليمي ليؤثر في أمن طرق التجارة والهجرة والاستثمارات ومصالح القوى الدولية في القارة الأفريقية.